دكّان الحيّ أيّام زمان - سعيد بوخليط - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الخميس، 28 مايو 2026

دكّان الحيّ أيّام زمان - سعيد بوخليط


أَيْضاً، يُسَاعِدُ أَهْلُ الحَيِّ -لَاسِيَّمَا أَكْثَرُهُمْ وَفَاءً- فِي تَدْبِيرِ بَعْضِ المَصَارِيفِ الطَّارِئَةِ الَّتِي اسْتَدْعَتْهَا الضَّرُورَةُ المُبَاغِتَةُ، فَيَغْدُو الدُّكَّانُ حِينَهَا مَلْجَأً لَا غِنَى عَنْهُ لِتَقْدِيمِ سُلُفَاتٍ صَغِيرَةٍ إِلَى غَايَةِ عَوْدَةِ الأَبِ مِنَ العَمَلِ أَوِ السَّفَرِ.

يَفْتَحُ الدُّكَّانُ أَبْوَابَهُ مَعَ أُولَى إِشْرَاقَاتِ الفَجْرِ إِلَى غَايَةِ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ تَقْرِيباً؛ فَقَدْ انْحَدَرَ أَغْلَبُ أَصْحَابِ هَذِهِ الدَّكَاكِينِ مِنَ الجِبَالِ الأَمَازِيغِيَّةِ، لِذَلِكَ حَوَّلُوا مَحَلَّاتِهِمْ تِلْكَ إِلَى مَآوٍ دَائِمَةٍ لَا يُغَادِرُونَهَا عَلَى امْتِدَادِ السَّنَةِ إِلَّا فِي فَتَرَاتِ أَعْيَادِ الأَضْحَى، حِينَ يَعُودُونَ إِلَى دِيَارِهِمْ وَأُسَرِهِمْ طِيلَةَ عُطْلَةٍ تَقَارِبُ الثَّلَاثَةَ أَسَابِيعَ عَلَى الأَقَلِّ، وَأَحْيَاناً شَهْراً كَامِلاً، مِمَّا يُؤَثِّرُ -إِلَى حَدٍّ مَا- عَلَى تَوْفِيرِ بَعْضِ الحَاجِيَّاتِ الَّتِي غَفَلَتْ عَنْهَا النِّسَاءُ دَاخِلَ المَنَازِلِ أَوْ لَمْ يَسْتَطِعْنَ إِلَيْهَا سَبِيلاً، وَالَّتِي تَبْقَى بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ قَلِيلَةً تُعَدُّ عَلَى رُؤُوسِ الأَصَابِعِ.

انْطَوَتْ هَنْدَسَةُ المَنْزِلِ المَغْرِبِيِّ مَبْدَئِيّاً عَلَى فَضَاءٍ -صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ- لِتَخْزِينِ المَوَادِّ الغِذَائِيَّةِ؛ كَالزُّيُوتِ، وَالزَّيْتُونِ، وَالعَسَلِ، وَالسَّمْنِ، وَالقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ، وَالقَطَانِي، وَالتَّمْرِ، وَالتِّينِ، وَاللَّحْمِ المُقَدَّدِ. وَطَبْعاً، يَخْتَلِفُ زَخْمُ ذَخِيرَةِ المُؤُونَةِ حَسَبَ الوَضْعِ المَادِّيِّ لِلْأُسْرَةِ، إِذْ لَمْ تَكُنْ مُتَطَلَّبَاتُ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِنَفْسِ المُسْتَوَيَاتِ الَّتِي بَلَغَتْهَا الحَيَاةُ المُعَاصِرَةُ بَعْدَمَا صَارَتْ عِبَادَةُ الِاسْتِهْلَاكِ مُفْرِطَةً بِكَيْفِيَّةٍ عَبَثِيَّةٍ.

وَرُبَّمَا يُعَوِّضُ ذَلِكَ الغِيَابَ وُجُودُ دُكَّانٍ ثَانٍ غَيْرِ بَعِيدٍ يَقْطُنُ صَاحِبُهُ نَفْسَ الحَيِّ، لِذَلِكَ لَمْ تَتَأَثَّرْ يَوْمِيَّاتُهُ بِدَوَاعِي سِيَاقِ المُنَاسَبَةِ. وَهُنَا يُشْتَرَطُ تَوَفُّرُ مُعْطَيَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ: أَوَّلاً، مَدَى جِدِّيَّةِ وَاجْتِهَادِ الدُّكَّانِيِّ فِي تَأْمِينِ السِّلَعِ المَطْلُوبَةِ. ثَانِياً، ضَرُورَةُ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَبَائِنِهِ الأَوْفِيَاءِ وَتَقْصِدَ مَحَلَّهُ بِاسْتِمْرَارٍ، نَتِيجَةَ جَدَلِيَّاتِ مَنْطِقِ التَّنَافُسِ بَيْنَ أَصْحَابِ الدَّكَاكِينِ بِهَدَفِ اسْتِقْطَابِ أَكْبَرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ مِنَ الزَّبَائِنِ؛ وَهِيَ حَرْبٌ قَدْ تَكُونُ صَامِتَةً وَدُونَ مَعَالِمَ وَاضِحَةٍ، وَأَحْيَاناً أُخْرَى تَنْكَشِفُ خَبَايَاهَا لِلْعَلَنِ.

أَسْتَيْقِظُ صَبَاحاً بَاكِراً قَبْلَ المَوْعِدِ المَدْرَسِيِّ بِسَاعَةٍ وَنِصْفٍ عَلَى الأَقَلِّ، أُسْرِعُ نَحْوَ الدُّكَّانِ لِاقْتِنَاءِ نِصْفِ لِتْرٍ مِنَ الحَلِيبِ، وَحَفْنَةٍ مِنَ القَهْوَةِ السَّوْدَاءِ المَطْحُونَةِ، وَقَلِيلٍ مِنَ الزُّبْدَةِ، وَ"الكُومِيرَةِ" الشَّهِيرَةِ أَوِ الخُبْزِ الفَرَنْسِيِّ "البَارِيزْيَان". هَذِهِ الأَيْقُونَةُ لِتِلْكَ العُهُودِ السَّابِقَةِ عَنِ العَوْلَمَةِ، اسْتَعَارَ رَمْزِيَّةَ حَيْثِيَّاتِهَا وَزِيرُ الدَّاخِلِيَّةِ الحَدِيدِيُّ إِدْرِيسُ البَصْرِيُّ (1938 - 2007) كَيْ يَنْعَتَ -اسْتِهْزَاءً وَتَهَكُّماً- ضَحَايَا اِنْتِفَاضَةِ 20 يُونْيُو سَنَةَ 1981 بِـ"شُهَدَاءِ الكُومِيرَةِ"، نَظَراً لِنَوْعِيَّةِ العَلَاقَةِ الرَّاسِخَةِ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ عُمُومِ الكَادِحِينَ وَمَطْلَبِ هَذَا المُكَوِّنِ الغِذَائِيِّ الحَاسِمِ.

قِطْعَةُ خُبْزٍ سَاخِنَةٌ وَلَذِيذَةٌ، لَا تَزَالُ تَمْتَلِكُ عُذْرِيَّةَ طَرَاوَتِهَا كَامِلَةً بَعْدَمَا غَادَرَتِ الفُرْنَ تَوّاً بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ. أَسْتَعِينُ بِهَا صَبَاحاً عَلَى أُولَى مُتَطَلَّبَاتِ الجِسْمِ البِيُولُوجِيَّةِ، وَفِي الظَّهِيرَةِ حِينَ العَوْدَةِ مِنَ المَدْرَسَةِ قَبْلَ أَنْ تُجَهَّزَ وَجْبَةُ الغَدَاءِ، حِينَهَا لَا خِيَارَ أَمَامِي غَيْرُ تَدَبُّرِ وَتَدَارُكِ مُقْتَضَى الوَضْعِ سَرِيعاً بِنِصْفِ "كُومِيرَةٍ" أَحْشُو بَاطِنَهَا بِقَلِيلٍ مِنَ السَّرْدِينِ المُصَبَّرِ مَعَ صَلْصَةِ الفُلْفُلِ الحَارِّ وَحَبَّاتٍ مِنَ الزَّيْتُونِ الأَسْوَدِ، ثُمَّ أَشْرَعُ فِي تَنَاوُلِ هَذِهِ الوَجْبَةِ السَّرِيعَةِ السِّحْرِيَّةِ خِلَالَ طَرِيقِي إِلَى المَدْرَسَةِ، أَوْ أُبْقِي عَلَيْهَا فِي المِحْفَظَةِ حَتَّى فَتْرَةِ الِاسْتِرَاحَةِ. كَمَا أَسْتَعِينُ بِالنَّفْسِ الوَصْفَةِ صُحْبَةَ أَصْدِقَاءِ الحَيِّ خِلَالَ الهِجْرَاتِ الجَمَاعِيَّةِ صَوْبَ دِفْءِ قَاعَاتِ السِّينِمَا شِتَاءً، أَوِ انْتِعَاشَةِ المَسَابِحِ العُمُومِيَّةِ صَيْفاً، وَقَدْ نُغَيِّرُ السَّمَكَ بِالبَطَاطِسِ المَسْلُوقَةِ أَوِ البَيْضِ دُونَ المَسَاسِ قَطُّ بِحُضُورِ رَمْزِيَّةِ "الكُومِيرَةِ".

وَحْدَهُ "الإِسْفَنْجُ" المَقْلِيُّ بِالزَّيْتِ قَدْ يُعَوِّضُ بَيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرَى غِيَابَهَا لِسَبَبٍ مَوْضُوعِيٍّ قَاهِرٍ؛ وَأَقْصِدُ بِذَلِكَ بَدَلَ الدُّكَّانِ العَامِّ دُكَّاناً خَاصّاً مُقْتَصِراً عَلَى صِنَاعَةِ أَشْكَالٍ مِنَ الإِسْفَنْجِ حَجْماً وَنَوْعاً، ثُمَّ يَتَوَقَّفُ طِيلَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ كَيْ يَتَحَوَّلَ إِلَى بَائِعٍ لِحَلْوَى "الشُّبَّاكِيَّةِ". أَشْتَرِي إِسْفَنْجَةً أَوْ إِسْفَنْجَتَيْنِ حَسَبَ المِيزَانِيَّةِ، وَأَتَنَاوَلُ هَذِهِ الفَطِيرَةَ الَّتِي تَمْتَدُّ جُذُورُهَا إِلَى العَصْرِ المُوَحِّدِيِّ مَعَ كَأْسِ شَايٍ، وَيَكْفِينِي ذَلِكَ طَوِيلاً.

تَتَرَسَّخُ سُمْعَةُ الدُّكَّانِ المُجْتَهِدِ وَالدَّؤُوبِ لِمَنْ يَنْجَحُ فِي الوَفَاءِ بِالْتِزَامِ تَوْفِيرِ الطَّلَبِ عَلَى "الكُومِيرَةِ" صَبَاحاً وَكَذَا آخِرَ اللَّيْلِ، لَاسِيَّمَا إِذَا حَضَرَ ضُيُوفٌ بِغَيْرِ مَوْعِدٍ سَابِقٍ، وَاقْتَضَى الوَضْعُ إِنْقَاذَ مَاءِ الوَجْهِ.

وَمِثْلَمَا هُنَاكَ دُكَّانٌ يَتَفَوَّقُ عَلَى الآخَرِينَ فِي الِاسْتِيقَاظِ بَاكِراً، يُوجَدُ ثَانٍ يَسْهَرُ إِلَى غَايَةِ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا أَكْثَرَ، وَيَزْدَادُ أَمْرُهُ شَجَاعَةً وَتَضْحِيَةً حِينَ حُلُولِ الشِّتَاءِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشِّتَاءُ خِلَالَ تِلْكَ الأَزْمِنَةِ البَعِيدَةِ! تُلِحُّ عَلَيَّ أُمِّي أَوْ جَدَّتِي كَيْ أُضَحِّيَ قَلِيلاً بِلَذَّةِ دِفْءِ فِرَاشِي وَأَذْهَبَ لِاقْتِنَاءِ الخُبْزِ، فَتَبْدُو وَضْعِيَّاتُ الأَمْرِ حِينَاذَاكٍ عِقَاباً قَاسِياً. لَكِنِّي أُلَاحِظُ مِنْ بَعِيدٍ ضَوْءَ دُكَّانِ "السِّي المَحْجُوبِ" كَعَادَتِهِ دَائِماً، أَشْبَهَ بِقَبْوٍ صَغِيرٍ مُضِيءٍ لِحَارِسٍ لَيْلِيٍّ، فَأَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ. أَجِدُهُ مُسْتَكِيناً يُغْفِي وَأُذُنُهُ مُلْتَصِقَةٌ بِأَثِيرِ مِذْيَاعِ "هُنَا لَنْدَنَ"، وَكَذَا كَلَاسِيكِيَّاتِ الأُغْنِيَةِ العَرَبِيَّةِ، حَيْثُ تَسُودُ صَمْتَ الحَيِّ أَجْوَاءُ أُغْنِيَةِ فَيْرُوزَ:

سَكَنَ اللَّيْلُ وَفِي ثَوْبِ السُّكُونِ تَخْتَبِي الأَحْلَامْ

وَسَعَى البَدْرُ وَلِلْبَدْرِ عُيُونْ 

عُيُونْ.. عُيُونْ تَرْصُدُ الأَيَّامْ

سَكَنَ اللَّيْلُ وَفِي ثَوْبِ السُّكُونِ تَخْتَبِي الأَحْلَامْ

وَسَعَى البَدْرُ وَلِلْبَدْرِ عُيُونْ 

عُيُونْ.. عُيُونْ تَرْصُدُ الأَيَّامْ

فَتَعَالَيْ.. فَتَعَالَيْ.. فَتَعَالَيْ.. فَتَعَالَيْ

 يَا ابْنَةَ الحَقْلِ نَزُرْ كَرْمَةَ العُشَّاقْ..

فَتَعَالَيْ.. فَتَعَالَيْ.. فَتَعَالَيْ.. فَتَعَالَيْ

 يَا ابْنَةَ الحَقْلِ نَزُرْ كَرْمَةَ العُشَّاقْ..

مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، تَرْتَقِي أَوْ تَتَرَاجَعُ أَهَمِّيَّةُ هَذَا الدُّكَّانِ عَنْ غَيْرِهِ عَبْرَ تَوْفِيرِهِ أَقْصَى مُتَطَلَّبَاتِ سَاكِنَةِ الحَيِّ، بِنَاءً عَلَى شِعَارِ: "مَمْنُوعٌ قَوْلُ عِبَارَةِ لَا يُوجَدُ أَوْ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ"؛ لِذَلِكَ يَسْعَى بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ هِمَّةٍ وَتَوَقُّدِ ذَكَاءٍ كَيْ يُؤَمِّنَ أَهَمَّ الحَاجِيَّاتِ مِنَ الخُبْزِ إِلَى المَلَابِسِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَكَذَا مَوَادِّ التَّنْظِيفِ المَنْزِلِيِّ وَالنَّظَافَةِ البَشَرِيَّةِ، خِلَالَ تِلْكَ الفَتْرَةِ السَّابِقَةِ بِعُقُودٍ عَنْ تَدَاوُلِ السِّلَعِ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ وَتَوَطُّدِ نُفُوذِ المَحَلَّاتِ التِّجَارِيَّةِ وَفْقَ نَمَطِهَا المُعَوْلَمِ الحَالِيِّ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق