غريب يدخل حارتنا - نبيل عودة - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الأحد، 19 يناير 2020

غريب يدخل حارتنا - نبيل عودة


ظهر في حارتنا فجأة. من الصعب تحديد دقيق لوقت ظهوره، جاء أمس؟ جاء أول أمس؟ تجمعت شهادات مختلفة، بعضها ذهب للإصرار على انه مضى على ظهوره في حارتنا اسبوع بالتمام والكمال، وربطوا بين ظهوره وبين بداية بث التلفزيون لتمثيلية قصة حياة ام كلثوم. آخرون قالوا ان هذه تخيلات، فظهوره محصور بالأربع والعشرين ساعة الاخيرة. فحارتنا صغيرة، وبيوتها قريبة من بعضها البعض، بالأبنية وبالعلاقات، وانه لا يجوز ان يكون جميع اهل الحارة قد اغفلوا ظهوره لهذا الوقت الطويل، الذي يكاد يتجاوز الأسبوع بكامله، وهذا التحليل فيه منطق، كما يعتقد اغلبية اهل الحارة.

هذا النقاش اشغلنا ليلة كاملة، وبعدها لم نعد إليه، صار خلفنا، وصارت حقيقة ظهوره هي الاهم. وباتت معرفة تفاصيل عنه في رأس سلم الأولويات.

ظننته كما ظن ذلك اهل الحارة ضيفاً عابراً عند أحد الجيران. بعد ان طالت ضيافته بدأنا نبادله تحيات اطول، ونحاول في جلساتنا ان نقارن انطباعاتنا ومعلوماتنا عنه، ونستفسر عنه اصحاب الحوانيت في حارتنا، علّهم يوسعون معلوماتنا عنه وعن شؤونه ومن يكون وما علاقته بالمضيفين؟

أيجوز انه ضيف ثقيل الى هذا الحد؟ او يكون أحد ابناء حارتنا الذين غادروا قبل سنين؟!
 كبار السن من أهل حارتنا لم يتذكروا وجود شبيه له او ما يمت اليه بصلة، سلسلوا المرحومين والمسافرين للخارج والمنتقلين لإحياء اخرى، واستصعبوا الوصول الى من يشبهه شكلاً وجيلاً. حتى ام ابراهيم، ذاكرة الحارة وسجل ايامها ومولدة نصف اناثها وذكورها، اعلنت بعجز وأسى خلو سجلها من كل ما يمكن ان يربط الضيف الجديد بحارتنا.

وربما هو ليس مجرد ضيف!! يبدو انه ساكن جديد عند جيران مختلفين بعض الشيء عنا، يحافظون على مسافة من كل اهل الحارة، رغم بشاشة وجوههم وحسن سيرتهم. الله يخلق الناس مختلفين مثل أصابع اليد ولا اعتراض على امره، هذا اكيد!

بدأت تحاك الخطط لكشف ما خفي من امر الضيف/الساكن على غفلة من أهل الحارة، غير ان ما صعب وعقد الخطط، كون الجيران “انعزاليين” حسب تعبير بقال الحارة وقارئ الصحف الوحيد فيها، والذي يتحف جلساتنا بتعابيره الغريبة والمسلية التي يحفظها عن الصحف، ويدبها بمناسبة وغير مناسبة، ولولا وجود اولئك الجيران لما فهم اهل الحارة المعنى الدقيق لكلمة "انعزاليين" البعض توجسوا أن يكون استعمال هذا التعبير يوازي الكفر، فاستغفروا ربهم وطلبوا رحمته.

اما الصعوبة الثانية في كشف المعلومات الموثوقة فكون هؤلاء الجيران بحركة دائمة. الزوج يعود مرة في الاسبوع. وبالكاد تراه ابراج المراقبة، رغم ان كل التحركات ترصد وتبلغ لمجالس السهرة بتفصيلاتها الدقيقة، وحتى نلتزم الدقة، هناك اضافات لا بد منها لجعل السهرات ”رومانتيكية” كما يقول البقال، وقد فهم أهل الحارة ان الرومانتيكية هي المبالغة، غير ان البقال عجز عن اعطاء التفسير الواضح، فطلبوا اليه حفظ سخافات الصحف في تجاويف دماغه. أما الصعوبة الاخرى فكون الزوجة تعمل بالتعليم وتتعلم مساء وهي دائمة الانشغال او “تعمل حالها مشغولة” كما تقول ام إبراهيم.

وهي لذلك تعتذر عن الاشتراك بقعدات القهوة وفتح البخت ومعرفة المخفي، الذي لا يخفى على ام رياض، وام رياض طعنت في السن وبدأت تخربط بين أسماء أحفادها، ويقال ايضاً بين اسماء ابنائها، لكن المستقبل لا يخفى عنها وتورده كما في نشرات الاخبار، مفصلاً ومطولاً، ومليئاً بالتعليقات والتحليلات والتوقعات، والإمكانيات المطروحة، وهي تؤمن ان الانسان ليس مسيراً تماماً لكنه ليس مخيراً بشكل مطلق، وانه يقدر في حالات ما، ان يتوكل على عقله ويغير بعض الامور، لكنه لن يغير المصائر. والحاجة ام سليمان وافقت ام رياض بالكامل لكنها لا تدري اين سمعت هذا القول “اعقل وتوكل” فهي متأكدة انه مكتوب في الكتب.

وما يميز ام رياض كفتاحة بخت هو نصائحها التي لا بد منها لمواجهة كل طارئ تكتشفه داخل فنجان القهوة. وكثيراً ما انقذت (برؤيتها الثاقبة للطالع المثبت في فنجان القهوة) ابناء الحي من غدر عزرائيل او من مصائب اقل قسوة، وهذا مؤكد على ذمة نساء الحارة مجتمعات ومنفردات، ويقلن ان ام رياض كانت تنذر صاحبة البخت بما هو معلوم وواضح في قعر الفنجان او على حوافه، وكيفية الاستعداد الكامل للطارئ القادم، وأحيانا تعطي اشارات لا بد من تذكرها والانتباه لها، وانه لا بد من الاستعانة عندها بالحاجة ام سليمان لتبخير المنزل وتلاوة الآيات الكريمة ورش الملح خارج البيت، اذ يقال ان الارواح الشريرة لا تحب طعم الملح وترتعب من تلاوة القرآن، ومن ثم اذا كان الطارئ مرضا، يجب الانتقال للطبيب، ليواصل ما بدأته الحاجة من علاج وطرد للأرواح الشريرة، مما يسهل استمرار العلاج.

توصلت النساء الى ضرورة اخذ اسرارهم من صغارهم اي من اولاد الانعزاليين الذين يشاركون اولاد الحارة بعض العابهم قبل استدعائهم بلهجة آمرة للعودة الى البيت. لكن الاولاد مقلون بالكلام، نسخة من اهلهم. حثت النساء اولادهن على استقاء المعلومات عن الضيف الغريب من ابناء الانعزاليين، غير ان الاولاد لا يقلقهم ما يقلق ذويهم وينسون ما اوكلوا من مهام حينما تسخن اللعبة.
اشتدت الحيرة بالحارة، وحتى لا نغفل امر ما يجري لا بد من ان نسجل ان محاولات بعض النسوة لاستدراج اولاد العائلة الانعزالية في الحديث لم توفق، وفشلت فشلاً ذريعاً، وكاد يصل حد الفضيحة، اذ انتبهت الام ومنعت اولادها من النزول للعب.
اتهم الرجال نساءهم بأنهن قليلات خبرة في مجال التحري والتحقيق. بل واحتد أحد الرجال واتهمهن بأنهن قليلات عقل. وذكر رجل آخر آية قرآنية كما قال، تؤكد صحة قلة عقل النساء. احدى الزوجات تحدت زوجها غاضبة ان يجلس حضرته ويجري التحريات وعمليات الرصد وجمع المعلومات بدلاً منهن، بدلاً من التلفظ بالتهم الجائرة والاهانات. صاح رجلها بغضب، ان الجواسيس كانوا دائماً من الرجال، وتحدى ان تذكر اسم جاسوسة امرأة؟! ودعم كلامه بأسماء معروفة، مثل رأفت الهجان، الذي شاهدوا حلقات المسلسل عنه في الصيف الماضي، واضاف اخر حتى جواسيس اعدائنا كانوا من الرجال. هل سمعتم باسم ايلي كوهين وما فعله بالسوريين؟! وقال آخر، انه حتى في امريكا، ام المساواة، الجواسيس من الرجال، فهذا بولارد يتجسس لإسرائيل، وصاح شاب متحمس انه حتى الجاسوس جيمس بوند كان رجلاً وان النساء كن لمتعته فقط. فنزل الصمت على رؤوس الرجال، فهم لم يسمعوا بهذا الجاسوس، ولا يريدون ان يظهروا جهلهم امام نسائهم، ثم ان قصة تمتعه بالنساء كانت ثقيلة وغير لائقة لتقال في محضر مشترك بين رجال ونساء الحارة. وكان أفضل لو تركها لجلسة رجالية، وهنا نطق شيخ الحارة حكمه غير القابل للرفض وهو ان الرجال كانوا دائماً قوامين على النساء ديناً وشرعاً وعقلاً.
انسحبت بعض النساء باستنكار، ولأول مرة يحدث انقسام واضح رغم الصمت الذي تواصل بسبب حذر النساء من تأزيم زائد للموقف. ومع ذلك بقي المخفي يستفز اهل الحارة ويثير حيرتهم.
كان الضيف/الساكن الجديد يخرج باكراً كل صباح، مهندماً على آخر طراز، يفوح منه عطر ذكي، مما دفع الرجال للاقتراب منه ومبادلته ابتسامات واسعة وتحيات صباحية عطرة، متنشقين رائحة عطره الذكي، وقد اثار نوع العطر وثمنه خيال الحارة، خاصة الرجال. واضاف حججاً جديدة لضرورة الكشف عن المخفي. البعض قال انه عطر مستورد من مصانع البغاء في الغرب، التي تصنع هذه العطور لجعل المرأة طوع بنان الرجال. آخرون استخفوا بهذا التحليل وقالوا ان صناعة العطور اليوم حدودها السماء، وانه من الخطأ مقارنتها بالكولونيا الرخيصة والمغشوشة التي تباع ببقالة الحارة. وان العطور اليوم اثمانها تشابه اثمان الذهب، هذه المسألة استصعب الرجال استيعابها. اما النساء فتحسرن، مما أثار حفيظة وخوف بعض الرجال، فقطعوا حديث العطور، وقالوا انه من الواضح ان الضيف/الساكن مليونير من اياهم وبالطبع لم يكن من الصعب الطعن بهذه النظرية، لعدم امتلاك الضيف/ الساكن سيارة فاخرة، فهو يستعمل نمرة 44 وهي اشارة للحذاء. وكان الضيف يعود اخر النهار مهندماً معطراً كما لو انه محفوظ في براد. وثار تساؤل جديد، كيف يطيق الضيف ربطة العنق والجاكيت في هذا الحر؟ واضيف هذا السؤال الى لائحة المخفيات التي لا بد من توضيحها وتفسيرها.
المسألة التي تستحق وقفة خاصة ان الراصدات من النساء، اكتشفن ان الضيف ظهر حتى هذا الوقت ب (7) بدلات مختلفة الالوان والتفصيل وب (12) قميصاً بألوان مختلفة. واختلفوا على عدد ربطات العنق، بسبب صعوبة التمييز بين الوانها من نقاط المراقبة والرصد، فمنهن من تصر انها (8) ربطات عنق حتى اليوم، ومنهن من تصر على (12) ربطة عنق تماماً بعدد القمصان. لكنهن اتفقن ان يبقين هذه المعلومات طي الكتمان عن مجلس الرجال، نكاية بهم من الاهانة الجماعية التي طالتهن، غير ان سمر ضعيفة النفس، التي تشترى وتباع بابتسامة من زوجها، اعترفت في لحظة ضعف بهذه المعلومات السرية. وكاد اعترافها يحدث طوشات بيتية بين الازواج وزوجاتهم، بسبب شعور المهانة وفقدان الهيبة، واستهتار النساء الظاهر بمركز الرجال، بإخفاء أسرار يجب الا تخفى، حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه، ويتدهور امن الحارة واستقرارها، وما ينقص رجال حارتنا في هذا الزمن الرديء ان يتعطلوا عن اعمالهم للقيام بمهمات الاستطلاع والرقابة؟! حقاً النساء قليلات عقل، بل وقليلات دين ايضاً كما قال شيخ الحارة وأضاف: “ان كيدهن لعظيم”، اما المسألة التي استصعب رجال حارتنا هضمها، فهي كيف يعرف زوج سمر، الحديث العهد بالزواج والمسؤولية، هذه الاسرار وهم ذوو النفوذ والسطوة تخفى عنهم؟
وجهن النساء اللوم لسمر التي فضحتهن، وتقرر فرض مقاطعة نسائية كاملة عليها عقاباً لها للخروج عن كلمة النساء وفضح اسرارهن. غير ان زوج سمر لم يهزه الامر. طمأن سمر بأن هذه المقاطعة لا تختلف عن المقاطعة العربية لإسرائيل، سرعان ما تصبح فتحاتها أكبر من فتحة طبقة الاوزون. قد يعالجون فتحة الاوزون، مهما طال الزمن، اما اوزون المقاطعة العربية فيتسع باستمرار، ونفس الحالة مع نساء الحارة، وقال لها: ابدئي بجارتنا الحجة ام سليمان فهي المفتاح. تحملي كشرتها وادعيها لتبخر البيت، فهي تعشق هذه المهمة وتكرس لها كل وقتها وتفكيرها واحلامها.
قالت له سمر انها لا تؤمن بهذه الخرافات والتقاليع. طمأنها بأنه لا يختلف عنها، ويعتبرها تمثيليات مسلية، لكننا ابناء حارة يسري علينا ما يسري على الجميع ونقبل ما يقبلون، هكذا السياسة يا سمرة. وبهذا الشرح الوافي والواضح تعلمت سمر اول دروس السياسة، وبناء عليه كشفت لزوجها معلومة جديدة بأن الراصدات سجلن حتى اليوم، استعمال الضيف لـ (3) ازواج من الاحذية المختلفة، فطالتها قبلة من رجلها، وهكذا كان.
مع صباح اليوم التالي، رصدت سمر خروج ام سليمان لبلكون بيتها، مقابل بلكونها بالضبط، فسارعت سمر تلقي على جارتها تحية الصباح بصوت قصدت ان تسمعه عاشر جارة. اجابت الحجة ببرود وبعدم رغبة ظاهرة في تبادل ما هو أكثر من التحية. غير ان سمر عاجلتها بطلب تبخير البيت، خوفاً من ارواح شريرة تكون وراء فلتان لسانها وتخريب سر نساء الحارة. وقالت انها كئيبة وتشعر بتوعك وأنها لولا ذلك لما فتحت فمها، اذ ان زوجها رأى حالتها واصر ان يعرف ما تعانيه ويبدو انها كشفت السر وهي غائبة عن الوعي.
توردت خدود الحجة وفتحت عينيها بيقظة، وانهالت تخاطب سمر ب “يا حبيبتي ويا روحي ويا ضو عيني، ويا فلذة كبدي، والعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن العفاريت والجن”، وتمتمت بآيات مقطعة، وصلت كلمات متناثرة منها لا يربطها رابط بمعنى واضح، وقالت بصوت مرتفع لتسمعها الجارات: “انا في الطريق اليك يا سمر يا روح امك، لن ابقي لهم اثراً بإذنه تعالى”.
وهكذا انتقلت المعلومة من بيت الى بيت، بأسلوب يضاهي بسرعته وانتشاره أفضل محطات التلفزة، مثل تلك التي نقلت لصالوناتهم حرب العراق المسماة "الجزيرة" وحتى أفضل من سرعة انتقال الاخبار المفبركة لدار الإذاعة الإسرائيلية.
دب النشاط في الحارة، وتجمعت الجارات داخل وخارج بيت سمر لحضور طرد الارواح الشريرة من بيتها.
قامت الحاجة بجهد واضح، وبذلت ما في وسعها من قدرة صبر وقوة ايمان، حتى ظهرت شرايين عنقها وأجهدها التعب والعرق، وما ان اتمت مهمتها، حتى تساقطت متهالكة على الكنبة، فسارعت اليها سمر بكوب ماء بارد.
اما المفاجأة الكبيرة التي لم يتوقعها أحد فهي ان الراصدات في الصباح التالي ابلغن المتجمعات في بيت سمر ان الضيف لم يظهر هذا الصباح، فأصابهن الخبر بالذهول والحيرة ومضت عدة ايام وصار عدم ظهور الضيف مرة اخرى حقيقة متجلية.
وتعطلت او كادت مشاريع الرقابة وتوقفت النقاشات واختلافات الرأي وبدأ الملل يتسرب للبيوت، فتطفأ الاضواء في ساعات مبكرة ويلهو كل رجل بما كتب له.
وفي صباح أحد الايام وحتى قبل ذهاب الرجال الى اعمالهم، طرقت ام سليمان باب بيت سمرة بقوة، صارخة بفرح شديد انها تعرف الان حقيقة الضيف المزعوم، فهو ظهور للشيطان بصورة بشرية بهية، اختفى حينما نجحت ام سليمان بإخراج روحه النجسة من بيت سمر وانقذت الحارة من احابيله، فالحمد لله!!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق