يعيش الإنسان وحيداً، فيجد نفسه كالتائه في صحراء مترامية
الأطراف لا يحدها مدى ولا تنتهي عند زمن، أوسع مما يتصوره عقلي الُمتعب الضاج
بآهات التوحد والتشتت في ثقوب سدم بعيدة آيلة إلى نهايات حادة كمدية قصاب أهوج، الفضاءات
الواسعة المجهولة تحيط بي لتشعرني على وجه اليقين أني معلَّق بين الأرض والسماء، لا
يربطني بهما سوى خيط رفيع من نسيج عنكبوت هرم، بين الواقع والوهم لا يربطني
بهما سوى أشياء تشبه الحلم، الحواجز الهلامية التي تقف بيني وبين الأمل
المضاع، تحد
من رغباتي في تسلق أسوار سعادتي الموهومة بالعيش كما يعيش الناس،عيناي فقط تنظران
إلى الفراغ.. لا شيء سوى الفراغ، ماذا يعني لو تكلمتُ مع نفسي.. الناس يقولون منذ غابر
الأزمان أن من يتكلم مع نفسه مجنون، والكتب التي أتصفح أوراقها يومياً.. تخبرني
عكس ماقيل.. أحد الحكماء يقول: الذي يتكلم مع نفسه لابد أن يكون فيلسوفاً أو
حكيماً.. أصدق من؟ الناس أم هذا الحكيم في هذيانه.. أعاني دبابيس
الوخز وهي تمزق أشلائي كل ليلة، أراها بعينيَّ وهي تدخل مساماتي بكل قسوة، عليَّ
أن أبحث عن طعماً آخر لمرارة حياتي تلك، أبحث في دياجير الوهم عن ذاكرة لا تعرف أبجديات
العطب في
تلافيف دماغي الموجوع.. الوهم أحيانا يكون دواء ناجعاً لرجل هرم مثلي، فكرتُ
أن أشتري كتكوتا صغيراً من السوق.. الكلب الذي ربيته صغيرا وتعبت في إعطائه مصل
الأبدية.. مات وتركني أجتر ذكرياته المريرة، اشتريته
صغيرا ،وضعته في قفص يليق به جلبتُ
له آنية صغيرة للماء والأخرى للطعام، أحكمت إغلاق المنافذ كلها أخشى عليه من هجمات
القطط الغادرة، كان أمام عيني، كل يوم أراقبه، شعرت أنه يعاني الوحدة يقيناً يحتاج
إلى من يؤنسه من بني جنسه، اشتريت كتكوتاً أخر و وضعته معه، سرعان ما تآلف مع رفيقه، كنت
أقطع الخبز لهما بأسناني.. قطعاً صغيرة و أطعمهما، يأكلان فيشبعان ثم يلهوان مع
بعضهما.. في
الشتاء أضع لهما مصباحاً حرارياً وفي الصيف أخرجهما، أضع قفصهما على قاعدة النافذة
الكبير ة المطلة على الحديقة، الوحشة التي كانت تؤرقني أزيلَ منها شيئاً قليلاً، أصواتهما
الناعمة كانت تؤنسني، رغم مكتبتي الكبيرة وقراءتي المستمرة.. إلا إنني
كنت أعاني كثيراً، لذا تأقلمت أن أكون صابرا لكل ما ينوبني من نكبات الدهر، زوجتي
العجوز ماتت وتركتني.. و أولادي هاجروا إلى بلاد الغربة، لا أدري لماذا يسمونها
بلاد الغربة، لماذا لا تكون بلاد الأنس والسعادة؟ لم أجرّب الاغتراب، ربما يكونون
على حق، كبرا الكتكوتان الصغيران وبدأت أميزهما.. هذا ديك وهذه دجاجة.. أصبح الديك
يصيح بصوت مختنق.. ربما لم يحسن بعد فحولته ونضوج حنجرته، مع توالي الأيام بدا
صوته يصدح.. كان يصدر نغماً جميلاً يشعرني بالزهو والرضا، كعادتي كل صباح.. جئت
أتفقدهما.. هالني وجود الدجاجة الصغيرة ممدة على الأرض.. الديك رأيته يقف منكسراً ينظر إليها، حزنتُ كثيرا لإ جله.. سيبقى وحيداً، عزمت على إطلاق سراحه وتركه في الحديقة يرتع ويلعب لأنسيه
كارثة فقدانه لحبيبته، اطمأننتُ كثيراً حينما وجدت القطط لا تقترب منه، أصبح قوياً
و يستطيع الدفاع عن نفسه، كان يتجول فوق ذيل
الحديقة ويلتقط الحشائش الصغيرة و الديدان في تلافيف الأرض الندية، كنتُ إذا خرجت
من البيت للتسوق.. ألمحهُ يتبعني ويسير خلفي.. و لا يعود الأبعد أن أتوارى خلف
الباب.. و كنت أنظر إليه من فتحات الباب وهو يعود إلى الحديقة يتمدد على حشائشها
ويتمرغ بها تحت شعاع الشمس، عدتُ بعد صلاة الظهر، لم أجده في الحديقة.. بحثتُ في
الصالة وفي غرفتي وفي الحمام.. لم أعثر على أيما أثر له. تملكني قلق كبير، تزاحمت أسئلة لعينة في رأسي
يا إلهي أين أجده؟ هل هرب مني لشعوره بالوحدة؟ هل سرقه أحدهم بغيابي ؟هل افترسه قط
جائع ؟هل تسَّور حيطان الجيران؟ ضاقت بي الدنيا وحزنتُ كثيراً لفقده.. مر ت الأيام
كم حاولت نسيانه، القفص، آنية الماء، آنية الطعام، فضلاته في القفص، الحديقة
وشتلاتها الملونة، كلها تذكرني به وكأنه أمامي يزهو كالطاووس بريشه الأبيض الجميل،
مر شهر بأكمله.. طويت عنه كشحاً وحاولت نسيانه.. في ليلة سمعت حركة غير عادية.. الباب
الخارجي يهتز ليصدر صوتاً غريباً.. خرجت،وقفت في الرواق.. نظرت إلى الحديقة وإلى
جدران البيت.. ثم وقع بصري عليه.. إنهُ هو.. يحاول فتح الباب برأسه.. كان يريد أن
يدخل رأسه من فتحة الباب السفلى.. أسرعتُ إليه.. فتحتُ الباب.. وجدتهُ أمامي.. هزيلاً مُتعباً.. بالكاد يستطع الوقوف على قدميه.
منقاره مدمى وجناحه مقصوص، ونتف ريش من بعض جوانب جسده، انحنيتُ عليه، حملتُه
بكفيَّ وضعتُه على صدري.. أسرعتُ به إلى غرفتي، وضعته فوق السرير، مسحتُ بأصابعي
على رأسه وريشه المبلول.. كان ينظر إليَّ، يريدُ أن يقولَ لي شيئاً.. كان يريد أن يخبرني
عن سبب غيابه طوال تلك المدة.. كنت فرحاً بعودته.. حتمًا لا ينسى علاقتي الحميمة
به وعاد إلي.. رميتُ الرواية جانباً
وتفرغتُ لإطعامه.. أخذتُ كسر ة خبز وبدأت ألوكها بأسناني وأطعمه بيدي.. طفق يأكل كما كنت أطعمه عندما كان كتكوتاً
صغيراً.. فيما مضى.
الثلاثاء، 22 أبريل 2025
Tags
# قصة قصيرة


كاتب و قاص عراقي من مؤلفاته: العزف على وتر الفجيعة - 2015 و خطوات ثقيلة - 2016
قصة قصيرة
Tags
قصة قصيرة
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق