أيّ علم للنهضة؟ أيّ نهضة للعلم؟ - بَسكال لحّود - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الأحد، 31 مايو 2026

أيّ علم للنهضة؟ أيّ نهضة للعلم؟ - بَسكال لحّود


يعدُّ العلم مفهوماً محوريًّا في المدوَّنة النهضويَّة العربيَّة من حيث كثافة تواتره عبر موضوعاتها الرئيسة، ولا سيَّما منها الأصالة والمعاصرة، والعلاقة مع الغرب، ووظائف الدين وحدوده، وشروط النهضة وترتيبها، وسواها من المسائل التي تعبر نتاجات النهضويِّين على اختلاف مذاهبهم وتيّاراتهم، من ليبراليّة وسلفيّة -عقلانيّة ونصوصيّة- وعلميّة علمانيّة وغير ذلك. إلا أن مدلولات مفردة “العلم” قد تتفاوت من تيار إلى آخر، ومن كاتب إلى آخر، تبعاً لعدد من العوامل؛ أبرزها: موقف الكاتب من الإشكاليّات النهضويّة الأساسيّة التي أوردناها أعلاه؛ موقفه الضمني أو المعلن مما ستسمّيه فلسفة العلوم لاحقاً “إشكاليَّة الترسيم” (problème de démarcation) وارتباط مفهوم العلم عنده بالمفهوم الأوروبي الحديث أو بالمفهوم الكلاسيكي السابق للثورة الإبستمولوجية في أوروبا و/أو في التراث العربي الإسلامي الوسيط.

هكذا يتَّسع المفهوم عند الطهطاوي، فنجده يجمع تحت مظلَّة “العلم النافع” كل معرفة وكل صنعة وكل بحث:

 "سواء كان اجتهادًا كاجتهاد المجتهدين وعلومهم المخلّدة عنهم أو تدوين المدوّنين الواضعين للعلوم الشرعيّة والآليّة والفنون. وكلّ علم نافع للملة، ولو صنعة، فإنها ذات قواعد وموضوعات. فإنّها تدخل في العلم، فيدخل فيه كتب الزراعة والتجارة ونحوها، اختراعاً وتكميلاً. فكلّ هذه الأشياء، اختراعها وتدوينها والتأليف فيها، وتكثير كتبها، بكتابة وطباعة، مما يحتمله فحوى العلم النافع".

وهذا شكيب أرسلان يعترف بالعلم مفتاحًا ضروريًّا، بل كافيًا، للنهضة:

"لا نهضة لأيّ أمّة سوى النهضة العلميّة، فإذا وجدت جاءت سائر النهضات من سياسيّة وعسكريّة واجتماعيّة واقتصاديّة آخذ بعضها ببعض، وإذا قلنا إنّ أمّة نهضت علميًّا، وفينا تعداد سائر مظاهر نهوضها، لأنّ العلم هو المفتاح، وبه وحده الدخول إلى البناء، وكلّ نهضة لا يكون العلم ظهيرها، ما هي إلّا ساعة وتضمحل"

إلا أنَّ مفهوم العلم عنده كلاسيكي فضفاض يضمُّ، إلى العلوم بالمعنى الحديث، المعارف الأخرى على أنواعها والآداب والفنون والتعليم و الصحافة

أمّا دعاة التيّار العلمي العلماني فدأبوا على تضييق مدلول مفردة علم لتنطبق على “العلم الطبيعي” وحده (شبلي الشميّل، سلامة موسى…) أو ليميِّزوا بشكل حاسم بين “العلوم القديمة” و”العلوم الحديثة” (بطرس البستاني، يعقوب صرّوف):

"ولا نعني بالعلم ما يدرَّس في مدارسنا القديمة كعلم الدين واللغة والعلم الطبيعي والرياضي والفلسفي. العلوم التي رقّت الأوروبيين والأمريكيين وجعلت المئات منهم يسودون على الملايين من أبناء المشرق… العلوم التي أنتجت كل ما نراه في عواصمنا من أسباب الخضارة".

هكذا يتَّسع المفهوم ويضيق تبعًا لمعايير متعدّدة بعضها محايث/إبستمولوجي (كطبيعة الموضوع، وطبيعة المنهج، ومستوى التكميم…)، ومعظمها خارجي/ أيديولوجي كقدرة المسمّى علمًا على اكتناه “جوهر الأشياء”، أو الإسهام في ترقي الإنسان، أو تطوير الصناعة أو رفع الهيمنة الغربيّة. ففي تمييز السلفيّين بين علوم أصيلة وأخرى غريبة أو جديدة، تصبح الفائدة هي معيار المقبولية:

فما حالنا بالنسبة إلى علوم جديدة مفيدة هي من لوازم حياتنا في هذه الأزمان، وكافّة عنا أيدي العدوان والهوان، وأساس لسعادتنا، ومعيار لثروتنا وقوّتنا، لا بدّ لنا من اكتسابها، وبذل المجهود في طلبها”.لكن علينا، عندها، أن نميِّز “العلم الصحيح” (الأفغاني) أو “العلم الحقيقيّ” (محمد عبده) عما يسوَّق باسمهما من أفكار إلحاديَّة و/ أو تبعيّة للغرب و/أو هدّامة للّحمة المجتمعيَّة. ومن الضروري الإشارة إلى أنّ السجال النهضوي حول العلم ينعقد على خلفيّة الاعتراف بغياب الممارسة العلميَّة في المجتمع العربيّ

"و لا يخفى أنّنا نحن المشارقة لم نصل حتّى الآن إلى البحث العلمي المبنيّ على التجارب الكثيرة، فلا نعرف أحداً من أبناء هذا القطر [مصر] ولا القطر السوري بحث بحثًا استقرائيًّا طويلاً في طبائع النبات والحيوان… حتّى يحقّ له أن يقول إنّه وصل إلى هذه النتيجة أو تلك بعد البحث والتحرّي. وإنّما نحن نطلع على مباحث هؤلاء العلماء (لامارك، دارون، ولاس) ونتخيّر منها ما ترضاه عقولنا حسب استعدادها وما فيها من قوّة الاستدلال".

"أما المنشورات العلمية الرصينة (…) فـهذا القسم نادر الوجود في بلادنا والمشتغلون بكتبه أقل من القليل، بل إنه لم يطبع منه إلا نزر يسير من فروعه كبعض كتب في الطبيعة والكيمياء والطب والرياضة، غير صحيح العبارة". لذا تقع معظم النقاشات الخاصّة بالعلم ضمن دائرة الحضّ على اكتسابه والإشادة بفوائده أو التنبيه مما قد يترتب على أي شطط يصيب تعريفه وتوظيفه، مع الإقرار الضمنيّ بأنّ كلَّ ما يساق إنّما هو من باب التمهيد أو التحوُّط، لا التوصيف ولا التقويم البعدي. كما تتراكم بين المفكِّر وموضوعه مجموعة من الوسائط/العوائق التي تحول دون امتلاكه شرعيّة المتكلّم الأوّل، كيما أستعيد تعبير بودوان جوردان. فحتّى الكتّاب الأقرب إلى صفة العلماء، كالشميّل وصرُّوف، لا يمتلكون إزاء المادة التي يقدّمون شرعيّة العالم المكتشف، بل هم وسطاء ينقلون ويترجمون ويبسِّطون، وشرعيَّتهم العلميّة معرَّضة دائمة للتشكيك

لكل ذلك، ونظرًا للحمولة السجالية التي لموضوع العلم، وللدور التغييري الشامل الذي أراده له حملة لوائه، اعتبر ناصيف نصار أنّ “أيديولوجية العلم” هي التوصيف الأدق والأخصب في فهم آليات اشتغال “خطاب العلم” في النهضة، وقد درس أثر مجلة “المقتطف” بوصفها نموذجًا عن هذه الأيديولوجية. فهي تعدُّ درَّة التاج في الجهد التأليفي الرامي إلى إشاعة الذهنيَّة العلميَّة كشرط للنهوض الشامل، جهد نجده عند عدد غير قليل من أعلام النهضة.

فقد اعتبر الشميّل مثلاً أن العلوم الطبيعية – وهي عنده "أم العلوم الحقيقيّة":

يقتضي أن تكون أم العلوم البشرية كافة، وأن تقدم على كل شيء وأن تدخل في تعليم كل شيء، فيصح نظر الإنسان حينئذ في لغاته، وينتظم قياسه في دليله، وتقوى فلسفته وتعلو آدابه، لانطباقها على العمل، وتصلح شرائعه لتطبيقها على نظام الاجتماع الطبيعي، ويتسع عقله لانطلاقه من قيوده المتناقضة، وتقيده بنظام واحد شامل” أما موسى سلامة فدعا إلى بناء “ثقافة علميّة تعم الشعب حتى يترك غيبياته” ويعتمد على “قوانين المادة في الزراعة والصحة والصناعة. وحتى تعمّ العقليّة العلمية فتحلّ مشكلات الزواج والطلاق والعائلة والجريمة والتربية والسياسة بأساليب العلم، وليس وفقًا وخضوعًا للتقاليد والعقائد”.لا يراد العلم لنفسه إذن بقدر ما يراد لأثره خارج حدوده الأولى، في المجتمع والسياسة. ولا يشذ أصحاب التيار المقابل عن هذا التوجُّه البراغماتي، فالأفغاني يريد العلم سبيلاً للتحرُّر من هيمنة الغرب؛ إذ إنّ “حياة أهل الشرق بالعلم الصحيح موت لحكم الغرب فيهم”، ومحمّد عبده يرى إلى العلوم طريق المجتمع إلى الرفاهيَّة والبحبوحة والقوّة

"أليس من البيّن أن لا دين إلا بدولة، ولا دولة إلا بصولة، ولا صولة إلا بقوّة، ولا قوة إلا بثروة، وليس للدولة تجارة وصناعة وإنّما ثروتها بثروة أهاليها، ولا تكمن ثروة الأهالي إلّا بنشر العلوم فيما بينهم حتى يتبيّنوا طرق الاكتساب"

كتب نهضويونا متأثِّرين بعلمويّات القرن التاسع عشر، فجاء العلم عندهم مسيحانيّ الهيئة، واعداً بالازدهار والاستقلال واستلحاق التخلف، وفي بعض الأحيان بالسلام بين الشعوب. وجاءت حماسة بعضهم للعلم دوغمائية عنيفة سهّلت الانقضاض على طروحاتهم خاصَّة مع تأخُّر تبلور “قطاع علمي” حقيقي، فبقيت السجالات حول العلم ومفاعيله تدور على "معدة فارغة"

لذا سهل في كثير من الأحيان أن تنتصر في الوعي الاجتماعي السلفيّة المتّكئة على قرون من الاجتهادات واليقينيات والعصبيات على علوم فتية تتلمَّس طريقها إلى اليقين، بل تجعل من اللا يقين منهجًا معرفيًّا. مهما يكن، لا بدّ من الاعتراف بأن هذه السجالات فتحت في الفكر العربيّ الحديث مسارات لإِشكاليّات محوريّة في فلسفة العلوم (في أعمال شبلي الشميل وابراهيم الحوراني مثلاً) وأثارت قضايا أساسيَّة منها علاقة العلوم باللغة وبالحرّيّة (بطرس البستاني، جرجي زيدان…) وسواها

أما النهضة العلميّة بحصر المعنى فلمّا تزل مرتجى، وثمَّة نهضويّون معاصرون لنا يحاولون إعادتها إلى النقاش العربيّ العام بوصفها مقدِّمة، لا للرفاه وحسب، بل لتخطّي الطائفية (ناصيف نصار) ولبناء سيادة دولتيَّة وقومية حقّة (أنطوان زحلان).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق