حارس ظلال العطش - عبد السلام مسعودي - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الجمعة، 17 يوليو 2026

حارس ظلال العطش - عبد السلام مسعودي

في صمت المدينة، يلتقط خليل ما تبقى من حيوات مضت

في صباح رمادي، حيث تتدلى السماء كغطاء من صوف متسخ فوق المدينة، يبدأ خليل رحلته حاملا كيسا من الخيش ممزقا عند الحواف كأنه مرآة لحياته. خطواته ثقيلة ليس من اعياء أو تعب بل من ثقل وجودي ينوء به صدره، ذلك الثقل الذي يجعله يشعر أن الأرض تسحبه إليها كالمغناطيس. يبدأ يومه من حيث تنتهي أحلام الآخرين، في الزقاق الخلفي للمخبزة حيث تتكدس أكياس الطحين الفارغة وحيث تفوح رائحة الخبز المحترق كذكرى عالقة، يمد يده بخفة كأنه يلمس جسدا حيا ويلتقط القارورة الأولى. هي زرقاء وشفافة تحمل في طياتها بقايا عصير برتقال جف على جدرانها الداخلية كوشم أصفر، يقلبها بين أصابعه المتشققة ويقرأ تاريخ انتهاء الصلاحية المطبوع بحبر يتلاشى كأن الزمن نفسه يمحو آثاره. ليس هناك عجلة في حركته، كل شيء يتم بإيقاع طقوسي. إن جمع القوارير ليس مجرد عمل يومي بل هو حوار مع المدينة وأشباحها، مع زجاجاتها التي تحمل روايات مختصرة عن حيوات مرت. يحني ظهره ليلتقط أخرى، هذه المرة شفافة من ماء معدني مكتوب عليها اسم نبع بعيد في الجبال لم يزره قط، لكنه يتخيل برودتها ويتخيل يدا رقيقة حملتها ذات ظهيرة ارتوت بها ثم ألقتها بلا مبالاة. وهو يمسح الغبار عن سطحها شعر تجاهها بألفة خفية فهو الآخر بات وعاء فارغا نضب ما في جوفه منذ زمن طويل ولم يبق سوى الهيكل الخارجي.

 

يمضي ساعات يتجول في الشوارع التي تعرف وطأة قدميه أكثر من أي كائن آخر. كل زاوية تحمل له مفاجأة، قارورة ملقاة تحت مقعد حديقة، أخرى تطفو في بركة مياه ملوثة، ثالثة نصفها مدفون في التراب كأحفورة من عصر الاستهلاك. هو لا يختارها بل هي التي تختاره وتناديه بألوانها: الزجاجي اللامع، البلاستيكي الأزرق الغامق، الأبيض الشفاف الذي يشبه الثلج المذاب. لكل قارورة صوتها الخاص حين تلامس الأخرى في الكيس، خشخشة معدنية جافة كأنها تتهامس بحكاياتها. هناك في صمته الطويل يسمعها بوضوح يفوق ضجيج المدينة وصخب السيارات والعربات والأصوات البشرية التي لا تعني له شيئا. إنها تهمس له عن الأيدي التي حملتها وعن الشفاه التي لامست فوهتها، عن اللحظات التي كانت فيها مركز عالم صغير قبل أن تصبح مهملة تبحث عن قبضة دافئة تشعر بها من جديد. في تلك اللحظات ينسى خليل جوعه وألم ظهره الملتوي كجذع شجرة عجوز، ينسى برد الصباح الذي يسري في مفاصله كسم دافق. إنه غارق في تأمل وجودي، يتساءل عن هذه الرحلة العجيبة التي تقود الأشياء من حالة الامتلاء إلى حالة الفراغ، وكيف أن الإنسان يسلك الدرب نفسه، يولد ممتلئا بالحياة ثم يفرغ تدريجيا حتى يصير مجرد غلاف هش.

 

عند الظهيرة يتوقف بالقرب من نافورة جافة في ساحة مهجورة. يجلس على حافتها الباردة ويفتح كيسه، يخرج القوارير واحدة تلو الأخرى، يرتبها في صفوف كجنود منهزمين. شمس الظهيرة التي تتسلل خجولة بين الغيوم تضرب على البلاستيك فتخلق بقعا ضوئية ترقص على جلده الأسمر المجعد. ينظر إليها بإمعان كأنه يقرأ كتابا مفتوحا على مصراعيه. في هذه القارورة الخضراء التي كانت تحمل ماء منكها بنكهة الليمون يرى انعكاس فتاة كانت تشرب منها مسرعة في محطة مترو، شعرها المنسدل يغطي وجهها وهي تهرول خوفا من فوات قطار العودة، وفي تلك البنية الصغيرة التي تضمنت مشروبا طاقويا يخيل إليه رجلا في بدلة رسمية جلس على مقعد في الحديقة، فك الغطاء بضجر وارتشف السائل الأصفر بنظرات متعبة ثم تركها هناك كدليل على دقيقة مهدورة من عمره الثمين. هكذا يبني خليل تاريخا موازيا لأشخاص لا يعرفهم، أبطال مجهولون تركوا بصماتهم على هذه القوارير التي باتت بين يديه. إنه حارس الذاكرة البلاستيكية وأمين القصص المهملة. هناك في صمت الساحة يصغي إلى خرير ماء غائب يخترع نافورة تتفجر مياهها في داخله بينما تنعكس أشعة الشمس على البلاستيك كمرايا مبعثرة تضيء عتمة روحه للحظة عابرة.

 

بعد الزوال يتجه نحو المصنع الصغير في أطراف المدينة حيث تقوم آلة ضخمة بسحق القوارير وتحويلها إلى كتل مضغوطة تباع كمواد خام. هذا هو موعده اليومي مع الواقع، أن يسلم ما جمعه ويستبدله بثمن زهيد بالكاد يكفي لشراء رغيف خبز وعلبة سردين لكنه لا يشعر بالمرارة بل بالنوع المعتاد من الرضا كأنه يؤدي دوره في دورة الكون، يأخذ ما تخلى عنه الآخرون، يعيد تشكيله ويمنحه حياة ثانية، ربما مقعد بلاستيكي أو أنبوب ماء أو حتى لعبة ملونة لأطفال لا يعرفون أن أصلها كان قارورة ملقاة في وحل. يشاهد الآلة وهي تبتلع القوارير، تطحنها بلا رحمة والأصوات التي تصدر عنها تشبه صرخات مكتومة كما لو أن لكل قارورة روحا تئن عند الفناء. يعبس قليلا ثم يبتسم لأنه يعرف أن الموت هنا ليس نهاية بل تحولا وأن البلاستيك مثل الذاكرة لا يموت بسهولة بل يتحلل إلى جزيئات صغيرة تظل عالقة في التراب والماء والهواء، تنتظر أن تبتلع مرة أخرى في دورة لا تنتهي. يحصل على نقوده المعدودة، يضعها في جيبه الداخلي ويخرج من المصنع وهو يشعر بثقل القوارير التي تركها خلفه لكن ثقلا آخر يخف عنه كأنه خلع رداء من جلد مصطنع.

 

يمسك بقطعة الخبز، يمضغها ببطء شديد ويعصر بين أسنانه كل طعم النشا المحترق ثم يشرب جرعة من ماء الصنبور من نافورة عمومية لا تزال تعمل رغم إهمال البلدية. يجلس على رصيف متآكل، يرفع رأسه إلى السماء التي بدأت تتدرج لتكتسي لونا خوخيا يمتزج بزرقة الغسق، غادرتها شمس النهار إلى حيث تختفي في هذا المساء. تختلف المدينة، تخلع قناع الضجيج وتلبس رداء الأصوات الخافتة، نباح كلب بعيد، أذان يمزق الهواء من مئذنة قديمة، صرير باب يغلق في شقة مجاورة. وخليل يبقى هناك جالسا كتمثال منسي يفكر في الطريقة التي صار بها. هو نفسه قارورة بلاستيكية شفافة يكاد الآخرون يرون ما بداخلها لكنهم لا يبذلون جهدا للنظر. سيرته كلها مكتوبة على سطحه الخارجي بتجاعيد وجروح وبقع لا تمحى، هنا موضع ضربة تلقاها من صبي ساخر وهناك أثر نوم على مقعد حديقة وفي الأسفل بصمة إصبع قديمة تعود لامرأة ربما كانت تحبه وربما كانت مجرد عابرة ككل العابرين. لا يبكي لأن عينيه جفتا منذ زمن، لكن شيئا ما يتسرب من داخله إلى الخارج، ليس دمعا بل إحساسا بأن الزمن الذي يجمعه مع القوارير هو زمن ميت، كل يوم يمر يضيف غبارا جديدا على ذاكرته ويجعل ملامح وجهه أكثر تشابها مع تلك القوارير التي يتلمسها.

 

يعود إلى كوخه الصغير في نهاية يوم طويل، كوخ بناه من ألواح خشبية وأغطية بلاستيكية قديمة. يضيء شمعة صفراء، يضعها على صندوق مقلوب تتمايل ظلاله على الجدران كأشباح تحاول أن ترقصثم يخرج من تحت فراشه القليل من القوارير التي لم يبعها تلك التي اختارها لنفسه، المميزة بلونها أو بشكلها أو بنقش غريب عليها. يرتبها على الرف الخشبي المقام بدقة وكأنها كتب ثمينة في مكتبة خاصة. كل قارورة تحمل له قصة مختلفة، ذاكرة مختزلة ليوم ما. هناك قارورة وجدها بجانب جسر قديم كانت لا تزال تحتفظ بقطرة مطر داخلها، تلك القطرة أصبحت رمزا لأكثر اللحظات عذوبة في حياته، حين توقف عن الجمع للحظة وأخذ يتأمل انعكاس القمر على الماء الملوث. وهناك أخرى شفافة تماما كأنها غير موجودة يضعها في المنتصف، لأنه يحب فكرة الفراغ الكامل، الفراغ الذي يجعله يتساءل: هل كان هناك شيء بداخلها قط؟ أم أنها ولدت فارغة كي تعلم البشر معنى العدم؟ يجلس أمام رفه الصغير ويحدث قواريره كما يحدث رفيقا عزيزا، يخبرها عن همومه الصغيرة، عن ألم ظهره الذي يزداد سوءا، عن الخوف الغامض من أن يموت في يوم ما ولا يجد من يلتقط قواريره ويكمل مسيرته. في تلك اللحظات لا يشعر بالوحدة أبدا لأن محيطه من البلاستيك يمنحه دفئا غريبا كأنه وسط عائلة كبيرة من الأوعية الفارغة التي تفهم لغته الصامتة وترد عليه بصدى خافت يتردد في جوف الكوخ كأنه تنهيدة من عالم آخر.

 

يمر الوقت ولا يعرف خليل كم سنة مضت على هذه الحياة فالأيام كالقوارير المصفوفة في السوبرماركت، تتشابه في أشكالها لكن كل يوم يحمل بصمته الخاصة إذا ما تعمدنا النظر. في إحدى لياليه المثقلة بالهموم، بينما كان ينام على فراشه المتواضع راوده حلم عظيم لا نظير له. رأى نفسه قارورة بلاستيكية عملاقة شفافة من الداخل والخارج وكان الناس يمرون بجانبه، يرمون فيه كل ما لا يرغبون به، كلمات جارحة، أحلاما محطمة، صورا قديمة، دموعا متبخرة وكان هو يبتلع كل ذلك بصمت ويمتلئ رويدا رويدا حتى صار ثقيلا لا يطاق ثم جاء طفل صغير رفعه بكلتيهما ونظر إليه طويلا ثم همس في أذنه: أنت لست فارغا، أنت كنز لا يراه الكبار. استيقظ مذعورا على وقع تسارع نبضات قلبه وجلس على فراشه يحدق في الظلام محاولا أن يستجلي غوامض حلمه. هل كان ذلك رسالة من روحه تخبره بأن ما يفعله ليس مجرد التقاط لما نبذ بل هو إنقاذ للمعاني الضائعة وإعادة تدوير للجمال المختبئ في القبح؟ نهض مسرعا، أمسك بقارورة زرقاء من رفه وضغطها على صدره، شعر ببرودتها تخترق جلده لكنها كانت برودة شافية كأنها تبرد حمى الوجود. خرج إلى الخارج والسماء مازالت سوداء كالحبر، وقف في وسط الزقاق ورفع القارورة نحو القمر فرأى انعكاس الضوء يتكسر على سطحها ليشكل طيفا صغيرا على الأرض يشبه خريطة لدرب التبانة. أدرك في تلك اللحظة أنه كان يعيش حياته في اتجاه معاكس يبحث عن المعنى في القاع بينما كان يطفو على السطح متخفيا في تلك الشظايا البلاستيكية التي يظنها الناس نفايات لكنها تحمل في هندستها الكونية، في انحنائاتها، في شفافيتها، كل أسرار العصر: سرعة الحياة، سطحية العلاقات، شهوة الاستهلاك وخيبة الإهمال.

 

هكذا، مع بزوغ فجر جديد ينطلق الرجل من جديد في رحلته، يمضي بغير الملامح التي عرف بها. خطوته أخف، عيناه أكثر لمعانا كأنه تزود بقارورة أمل جديدة لا ترى. يجمع القوارير ويغمغم بكلمات لا يسمعها أحد، ربما هي قصيدة يكتبها لهمس البلاستيك، ربما هي دعاء للأرواح التي تركت بصماتها عليها. يعبر المدينة كأنه يحمل صليبا من زجاجات شفافة، كل واحدة منها هي محطة في رحلة الخلاص، من جبل النسيان إلى بحر الذاكرة. حين يصل إلى المصنع في ذلك اليوم لا يسلم كل ما جمعه بل يبقي على قارورة واحدة في جيبه، قارورة صفراء صغيرة اختزنت في جوفها عبق طفولة منسية ومذاق فاكهة. ينظر إليها كأنها مرآة يرى فيها وجهه المشوه قليلا لكنه مبتسما. يهمس لها: أنت سيرتي، أنت كل ما تبقى مني. ثم يضعها في جيبه الداخلي حيث القلب ويواصل الطريق كحارس للضوء الذي ينعكس على البلاستيك وكشاهد على أن الأشياء المهملة هي وحدها التي تحتفظ بجوهر الزمن عندما يتخلى عنه الجميع. وفي النهاية لا يهم إن كان أحد سيقرأ سيرته أو لا لأن القوارير التي جمعها على مدى السنين أصبحت هي سيرته مكتوبة بلغة الانحناءات والشفافية والفراغ المقدس، لغة لا يفهمها إلا من تعب وسار على حافة الهاوية حاملا كيسا من الخيش وقلبا أثقل من كل البلاستيك الموجود في العالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق