سِمّيل... معموديّة الدم - آدم دانيال هومه - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الجمعة، 7 أغسطس 2026

سِمّيل... معموديّة الدم - آدم دانيال هومه

سِمّيل... معموديّة الدم - آدم دانيال هومه

كانت تطلُّ عليَّ من شرفة الريح
تتوهّج في عينيها النجومُ الساطعة فوق أسطح الليل
ومن جرح قلبها ينهض الوطن الجريح،
ينزف دماً على طريق جلجلة العذاب.

فالوطن يكون أجمل حين يرتدي حُلّة الإعصار
ويتطهّر من ذنوبه بمعموديّة النار.

سِيمّيلُ...

يا جرحاً معلّقاً على أهداب السابع من آب
يا دمعةً آشوريّة ما جفّفتها أصابع السنين
ولا استطاعت رياح النسيان أن تمحوها من ذاكرة التراب.

أيُّ ليلٍ ذاك هبط على قراك الوادعة
فأطفأ قناديل البيوت
وأرعب سنابل الحقول
وترك الأمهات يحملن أطفالهنّ إلى السماء
ويفتّشن بين الرماد عن ضحكةٍ
كانت منذ قليل تملأ الدار ربيعاً؟

أيُّ وحشٍ استيقظ في ضمير الزمان
فاستباح خبز الفقراء
وذبح صلاة الشيوخ
وكسّر أجنحة الحمائم فوق عتبات الكنائس؟

كان الرصاص يحرث صدور الرجال
وكانت السيوف تكتب فوق الجباه تاريخاً من الخيانة
وكان الموت يمشي مزهوّاً بين الأزقّة كأنّه سيّد البلاد.

لكنّكِ، يا سِمّيلُ...لم تنحني!

وقفتِ عاريةً إلا من كبرياء آشور
وغسلتِ وجهك بالدم
ثم رفعتِه نحو الشمس وقلتِ:

أنا ابنةُ الذين علّموا الحرف أن ينطق
ورفعوا على ضفاف دجلة منائر الحكمة
وشادوا لنينوى أبواباً من المجد لا تأكلها النيران.

 

أنا ابنةُ الثور المجنّح
يحرس في دمي بوابات الوطن
وابنةُ النسر الذي كلّما قصّوا جناحيه
أنبت من جراحه ألف جناح.

ظنّوا بأنّ الرصاص سيغتال أسماءنا
وأنّ المقابر ستبتلع أصواتنا
وأنّ الدم الآشوري
سيضيع في شقوق الأرض بلا شاهد ولا عنوان.

لكنّ الدم لم يمت
بل صار نهراً يمرُّ في عروق الأجيال
وصارت كلُّ قطرةٍ منه جرساً يوقظ الغافلين
وصارت كلُّ أمٍّ ثكلى أيقونةً من نور
وكلُّ طفلٍ مذبوح نجمةً لا تغيب عن سماء آشور.

يا شهداء سِمّيل...

يا من عبرتم بوابة الخلود حفاةً
تحملون على أكفّكم سنابل الأرض
وفي عيونكم بقايا صورة الوطن...

ناموا بسلام
فإنّ أسماءكم مكتوبةٌ على جبهة الفجر
وحروفكم محفورة في ذاكرة الحجر
وصلاتكم ما تزال ترفرف فوق كنائسنا
كأسراب حمامٍ أبيض
وتنثر الطمأنينة فوق القلوب المنكسرة.

ناموا بسلام
فنحن لم ننسَ
ولن نبيع حكايتكم في أسواق الصمت
ولن نساوم على حفنة تراب شربت دماءكم
ولن نقول للقاتل: كان ما كان
فقد مضى الزمان!

فالجرح الذي لا يُروى يتحوّل إلى منفى
والدم الذي لا يُذكر يصبح موتاً مرّتين
والشهيد الذي ننساه يموت وحيداً خلف جدران المقابر.

لذلك نحملكم في كلِّ سابعٍ من آب
شموعاً تضيء ليلنا
وبيارقَ تخفق فوق رؤوس أطفالنا
ونعلّم أبناءنا أنّ آشور ليست حكايةً نامت بين صفحات الكتب
ولا تمثالاً كسيراً في متحف الغزاة.

آشور نبضٌ لا يهدأ في الصدور
وخبزٌ مقدّس تعجنه الأمهات بالدموع
وأرضٌ إن غادرناها سكنت فينا
وإن حُرمنا منها عادت إلينا في الأحلام.

آشور أمٌّ تشيّع أبناءها شهيداً إثر شهيد
ثم تمسح دمعها
وتقف من جديد أشدَّ صلابةً من الجبال.

وسِمّيل ليست مقبرة... بل قيامةُ شعب
وليست مأتماً عابراً بل صرخةٌ تعبر القرون:

نحن هنا...

مهما تكاثر حولنا سماسرة الموت
ومهما اقتلعوا من حدائقنا زنابق الفجر
سيطلع من بين الرماد ربيعٌ آشوريّ
وتنهض من تحت الركام نخلةٌ تحمل أسماء الشهداء.

سنعود ولو على أجنحة الدعاء
ولو عبر دروبٍ رصّعتها عظام أجدادنا
سنعود إلى نينوى
إلى دجلة... إلى الخابور والزاب الكبير
إلى كلّ قريةٍ خبّأت تحت ترابها مفتاح بيتٍ آشوري
ينتظر أصحابه.

وفي السابع من آب
حين يفتح الفجر عينيه سنسمع أجراس الشهداء
تدقّ في أعماقنا
وسنرى سِيمّيل تخرج من جرحها بثوبٍ من نور

وعلى جبينها إكليل من نجوم السماء.

سترفع كفّيها فوق رؤوسنا
وتقول بصوت يسمعه الأحياء والموتى:

أنا لم أمت...

أنا الدم الذي صار راية
والجرح الذي صار وطناً
والقبر الذي أنبت شعبا
والصرخة التي ستظلّ تزلزل عروش الطغاة.

أنا سِمّيل...

ذاكرةُ آشور ومعموديّةُ بقائها ووعدُ الشهداء
بأنّ الشمس مهما طال احتجابها
ستشرق ذات فجر من عيون أبنائها.

فسلامٌ عليكم يا شهداء السابع من آب
يوم وُلدتم في الخلود
وسلامٌ على دمائكم ما هبّت الريح فوق نينوى
وما جرى دجلة حاملاً إلى البحر ترانيم آشور.

وسلامٌ على سيِمّيل
مذبحاً... ومذبحاً
جرحاً وقيامة
ذاكرةً لا تشيخ
ووطنًا لا يموت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق