![]() |
لم تعد الصورة الساذجة التي تختزل الهامش في كونه جزءا مهملا يعجز عن
مجاراة الجوهر المعياري، قادرة على تفسير
ما يحدث فعلاً داخل تلك الأمكنة البعيدة عن سلطة القرار والتمثيل. فسيميولوجياً، لا
يُعدّ ذلك المنسي مجرد مساحة جغرافية تقع على الأطراف، بل يمكن اعتباره شبكة كثيفة
من العلامات والإشارات والذكريات والممارسات اليومية التي تحاول إنتاج دلالة خاص بها،
أو مفهوما مضاداً لما يريد المركز فرضه باعتباره المحتكر الشرعي والوحيد لهذا
الحيز.
إن التفاصيل الصغيرة، من جدار متآكل، ومقهى شعبي، وبيت قديم، وشارع ضيق، ولهجة
محلية، وحتى الصمت نفسه الذي يسكن بعض الأمكنة، تتحول بشكل ما إلى نصوص غير مكتوبة
يمكن قراءتها بوصفها آثاراً لصراع طويل بين أنساق مختلفة (نسق السلطة، نسق المجتمع،
نسق الذاكرة، نسق الرغبة، نسق الحياة اليومية).
يمكننا القول إذن
إن الهامش لا يبحث عن المعنى في الأشياء كما تبدو، بل يواصل الحفر فيما تخفيه وراء
وظيفتها الظاهرة، فالباب الذي يغلق أمامي ليس دائماً مجرد باب، والحي القديم الذي
أسكنه ليس مجرد تراكم عمراني، والصورة المعلقة في بيت الجار الفقير ليست مجرد
زينة. تحمل كل هذه العناصر في تفاصيلها تاريخاً اجتماعياً، وتكشف عن علاقات القوة
وأشكال الانتماء، وعن الخوف والرغبة والنسيان. وربما من الأهمية بمكان أن نعتبره
المكان الذي تُحفظ فيه الأشياء التي لا يستطيع المركز دمجها بسهولة داخل روايته
الرسمية؛ فهناك، في تلك الأجزاء الصغيرة المهملة التي لا تستحق عادة أن تُدوَّن،
يمكننا أن نعثر على تاريخ آخر يكتب بآثار الأقدام، ورائحة الخبز، وأسماء الأزقة،
وندوب الجدران، وحكايات العجائز، وأغاني النساء، وأحاديث المقاهي، بعيداً عن سلطة
المراسيم والخطب والاحتفالات الكبرى.
من
جغرافيا الإقصاء إلى جغرافيا المعنى
لطالما عُهِد بأن
المركز كان قادرا على تعريف الهامش أكثر مما كان الهامش نفسه قادراً على تعريف ذاته؛
فهو الذي يحدد: هذا متقدم وذاك متأخر، هذا راقي وذاك شعبي، هذا علم وتلك خرافة. إن
السلطة التي يحتكرها لا تمارس على الأشياء فحسب، بل تمارس أيضاً على اللغة التي نصف بها تلك الأشياء. فالخطر الحقيقي لا ينبع من الهيمنة التي تمنعك من الكلام، بل من تلك
القوة التي تمنحك كلمات جاهزة تتكلم من خلالها عن نفسك. وحين تتبنى تلك اللغة، تكون
قد أكملت المهمة على أكمل وجه، وأقصيت نفسك بنفسك عن سلطة القرار، ولم تعد بحاجة إلى
شرطي خارجي كي تشعر بأنك أقل قيمة، إذ إنك تحمل ببساطة داخل وعيك المعيار الذي يدينك.
لكن المقاومة مستمرة بدون ضوضاء، فالحي الشعبي الموسوم بأنه منطقة عشوائية من طرف الخطابات الرسمية قد يكون أرشيفا حيا لعقود من التضامن و القرابة و العمل و الهجرة و الاحتفال و الحزن بالنسبة لسكانه، و البيت القديم الذي نخاله مجرد بناء متداع قد يكون بالنسبة للعائلة المترامية الأطراف ذاكرة متجسدة، تحفظ أصوات الراحلين و ملامح الطفولة و مواسم الأعراس و الجنائز بين جدرانه. لذلك علينا أن نعترف بأن إعادة تسمية المكان هي عملية سياسية و ثقافية في العمق قبل أن تكون مسألة لغوية بريئة. فحين يتحول «الحي» إلى «بؤرة»، أو «السوق» إلى «فوضى»، أو «الشارع الشعبي» إلى «فضاء متخلف»، فإننا هنا لا نصف الواقع فحسب، بل نعيد إنتاج علاقة معينة به.
ومن هنا يمكن
النظر إلى الهامش باعتباره جغرافيا متنازع عليها. إنه مكان يعيش فيه أكثر من معنى
في الوقت نفسه. فالشارع الذي تراه السلطة فضاء يحتاج إلى التنظيم قد يراه سكانه
فضاء للعيش؛ والسوق الذي تعتبره الإدارة مشهدا غير منظم قد يكون بالنسبة إلى
البائعين نظاما اقتصاديا له قواعده وعلاقاته؛ والمقهى الذي يبدو للمراقب الخارجي
مكانا للثرثرة قد يكون مؤسسة اجتماعية تؤدي وظائف سياسية وثقافية لا تقوم بها
المؤسسات الرسمية. إن كل فضاء يحمل في داخله صراعا بين قراءات متعددة،
والسيميولوجيا تستطيع أن تجعلنا نرى هذا الصراع بدل الاكتفاء بوصف سطحه.
المكان بوصفه نصا مفتوحا
حين ندخل إلى
مكان ما، فإننا لا ندخل إلى مساحة محايدة. نحن ندخل إلى نص مكتوب بطريقة أخرى.
ترتيب البيوت، ارتفاع الجدران، اتساع الشوارع، أسماء الأزقة، مواقع المقاهي، شكل
المحلات، اللافتات، الكتابات على الجدران، حتى طريقة إضاءة الشوارع، كلها علامات
تقول شيئا عن المجتمع الذي أنتجها. المدينة في هذا المعنى ليست مجرد هندسة، وإنما
لغة. وهي لغة لا تتحدث بجمل واضحة، لكنها تتكلم من خلال الترتيب والتوزيع والحذف
والإبراز.
ولعل أكثر ما
يثير الانتباه أن الأماكن الهامشية غالبا ما تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بطبقات
الزمن. ففي المركز، تعمل مشاريع التحديث باستمرار على تنظيف الذاكرة من آثارها
المادية. تهدم بناية قديمة، يختفي معها جزء من تاريخ العائلة. يختفي اسم شارع،
فيختفي معه معنى ارتبط بأجيال. يستبدل السوق التقليدي بمركز تجاري حديث، فتتغير
ليس فقط طريقة البيع والشراء، وإنما طبيعة العلاقات التي كانت تنشأ حول السوق.
هكذا يصبح التحديث، في بعض الحالات، عملية لإعادة هندسة الذاكرة نفسها.
أما الهامش
فيحتفظ، ولو بصورة ناقصة ومهددة، بما يسعى المركز إلى تجاوزه. لذلك قد يكون الجدار
المتشقق أكثر صدقا من واجهة بناية حديثة مصقولة. التشقق هنا ليس عيبا عمرانيا فقط؛
إنه أثر زمني. إنه يقول إن المكان عاش قبل أن يصل إليه خطاب الحداثة، وإن هناك
حياة سبقت الصورة التي يراد للمكان أن يظهر بها. إن قراءة الهامش سيميولوجيا تعني،
في أحد مستوياتها، تعلم قراءة هذه الآثار الصغيرة بوصفها علامات على زمن لا يزال
موجودا في الحاضر.
الذاكرة اليومية: التاريخ الذي لا يكتب في الكتب
هناك نوع من
الذاكرة لا تحفظه الأرشيفات الرسمية، ولا يجد طريقه إلى الكتب المدرسية، لكنه يبقى
حاضرا في الحياة اليومية. إنها الذاكرة التي يمكن أن نسميها «الذاكرة
الصغيرة»:
أسماء الأشخاص الذين رحلوا، قصة الدكان القديم، الحادثة التي وقعت في الزقاق،
أغنية كانت ترددها النساء، مكان كان يجتمع فيه الأطفال، شجرة قطعت ذات صباح، بيت
هدم فجأة، أو مقهى كان يجلس فيه المثقفون والمناضلون والبطالون والغرباء.
هذه التفاصيل
تبدو صغيرة أمام الأحداث الكبرى، لكنها في الحقيقة تكشف كيف يعيش التاريخ داخل
الأفراد. فالتاريخ الرسمي يقول إن مدينة ما شهدت حدثا سياسيا في سنة معينة، بينما
تقول الذاكرة اليومية إن الناس كانوا في ذلك اليوم واقفين أمام المخابز، أو
يتهامسون في المقاهي، أو يغلقون أبوابهم خوفا، أو ينتظرون خبرا لا يعرفون مصدره.
بين الروايتين مسافة كبيرة. الأولى تكتب الحدث من الأعلى، والثانية تستعيده من
الداخل.
ولذلك فإن
الذاكرة اليومية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد حكايات شعبية أو شهادات
عاطفية. إنها شكل من أشكال المعرفة الاجتماعية. صحيح أنها قد تكون ناقصة،
وانتقائية، ومشحونة بالحنين، بل وقد تكون متناقضة من شخص إلى آخر، لكن هذا لا يقلل
من قيمتها. فحتى الخطأ في الذاكرة يحمل معنى. حين تتذكر جماعة حدثا بطريقة معينة،
فإنها لا تقول فقط ما حدث، بل تقول أيضا كيف تريد أن تفهم ما حدث. الذاكرة ليست
مستودعا للماضي، وإنما ممارسة مستمرة لإعادة بناء الماضي من موقع الحاضر.
وهنا يظهر الصراع
بين الأنساق بوضوح. فهناك نسق يريد أن يجعل الماضي منتهيا، وهناك ذاكرة يومية ترفض
أن ينتهي. هناك خطاب رسمي يريد تقديم صورة موحدة للمكان، بينما تستمر الذاكرة في
إنتاج صور متعددة ومتعارضة. هناك من يريد تحويل المدينة إلى واجهة، بينما يصر
السكان على الاحتفاظ بأزقتها وذكرياتها وأسمائها القديمة. لذلك فإن الصراع على
المكان هو في الوقت نفسه صراع على الذاكرة، والصراع على الذاكرة هو صراع على الحق
في تعريف الذات.
العلامة الهامشية ومقاومة المعنى
لا تحتاج
المقاومة دائما إلى شعارات سياسية أو احتجاجات معلنة. أحيانا تكون المقاومة أكثر
هدوءا، وتختبئ في طريقة استخدام الناس للمكان. قد يحول الشباب جدارا مهملا إلى
مساحة للكتابة والرسم، وقد يتحول مقعد صغير في حي شعبي إلى نقطة لقاء يومية، وقد
يصبح مقهى متواضع مكانا لتبادل الأخبار والنقاش السياسي، وقد تستعيد مجموعة من
النساء وصفة قديمة أو أغنية منسية فتمنحها حياة جديدة.
هذه الممارسات
تبدو بسيطة، لكنها تكشف عن قدرة الإنسان على إعادة إنتاج المعنى من خارج المؤسسات.
فالسلطة تستطيع أن تنظم الفضاء، لكنها لا تستطيع دائما التحكم في الطريقة التي
يستخدمه بها الناس. يمكنها أن ترسم الشوارع، لكنها لا تستطيع أن تحدد كل الحكايات
التي ستنشأ فيها. يمكنها أن تغير اسم الحي، لكنها لا تستطيع بسهولة محو الاسم الذي
يستمر السكان في استعماله. ويمكنها أن تهدم مقهى، لكنها لا تستطيع هدم الذاكرة
التي تكونت حوله.
إن العلامة
الهامشية، في هذا السياق، ليست بالضرورة علامة احتجاجية صريحة. قد تكون مجرد
استمرار في عادة قديمة، أو احتفاظ باسم شعبي، أو رفض لا واع لاستعمال مكان
بالطريقة التي خطط لها المركز. ولهذا فإن سيميولوجيا الهامش تحتاج إلى عين مختلفة:
عين لا تبحث فقط عن الشعارات الواضحة، وإنما تنتبه إلى التفاصيل التي تبدو بلا
أهمية. فالمعنى الاجتماعي كثيرا ما يختبئ في الأشياء التي اعتدنا رؤيتها إلى درجة
أننا لم نعد نراها.
صراع الأنساق في الحياة اليومية
حين نتحدث عن «الأنساق»
فإننا لا نقصد فقط المؤسسات الكبرى، وإنما مجموع القواعد والقيم والتصورات التي
تنظم الحياة الاجتماعية وتحدد ما يعتبر طبيعيا ومقبولا وممكنا. هناك نسق ديني،
ونسق سياسي، ونسق اقتصادي، ونسق عائلي، ونسق ثقافي، ونسق لغوي، وكل واحد منها
يحاول أن يفرض نوعا من النظام على العالم. غير أن الإنسان لا يعيش داخل نسق واحد؛
إنه يتحرك باستمرار بين أنساق متداخلة، وأحيانا متناقضة.
الهامش هو أحد
الأماكن التي تظهر فيها هذه التناقضات بحدة. ففيه يلتقي القديم بالجديد، والريف
بالمدينة، المحلي بالعالمي، التقليدي بالحديث، اللغة الرسمية باللهجة الشعبية،
الثقافة المدرسية بالثقافة الشفوية. ولذلك فإن الهامش ليس بالضرورة أكثر محافظة من
المركز كما يقال أحيانا، وليس بالضرورة أكثر ثورية أيضا. إنه بالأحرى مكان للتفاوض
المستمر بين القوى المختلفة.
قد نجد شابا
يستخدم هاتفه الذكي ويتابع ثقافة عالمية واسعة، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بعادات
عائلية شديدة القدم. وقد نجد امرأة تتحدث بلغة حديثة عن استقلالها، لكنها تستعمل
في حياتها اليومية شبكة من الرموز التقليدية. وقد نجد عاملا يعيش اقتصاديا على
هامش المدينة، لكنه يمتلك معرفة دقيقة بتفاصيلها وشبكاتها وعلاقاتها أكثر من كثير
من سكان المركز. هنا لا يعود الهامش حالة واحدة، وإنما يصبح منطقة تماس بين عوالم
متعددة.
ومن هذه الزاوية،
فإن الحياة اليومية تبدو كأنها نفق خفي تمر عبره الأنساق من بعضها إلى بعض. لا
تظهر الصراعات دائما في شكل مواجهة مباشرة، بل تتسلل إلى طريقة الكلام، واللباس،
واختيار المكان، وتربية الأطفال، واستخدام الهاتف، وحتى إلى طريقة النظر إلى
المستقبل. الإنسان قد يقاوم نسقا من دون أن يعلن ذلك، وقد يعيد إنتاج نسق آخر من
دون أن يدرك أنه يفعل ذلك. ولذلك فإن قراءة الحياة اليومية تحتاج إلى حساسية
تتجاوز الحكم الأخلاقي المباشر إلى فهم البنية التي تجعل السلوك ممكنا.
الهامش ليس بريئا
غير أن الدفاع عن
الهامش لا ينبغي أن يتحول إلى أسطورة رومانسية. فالهامش ليس دائما فضاء للمقاومة
والحرية والصفاء. إنه قد ينتج بدوره أشكالا من السلطة والإقصاء. قد يكون الحي
الشعبي شديد التضامن، لكنه قد يكون أيضا شديد الرقابة على أفراده. وقد تكون
الذاكرة الجماعية وسيلة للحفاظ على الهوية، لكنها قد تتحول إلى أداة لإقصاء من لا
ينتمي إلى الرواية الغالبة. وقد يكون المقهى فضاء للنقاش، لكنه قد يتحول إلى مكان
يعيد إنتاج الصور النمطية نفسها التي ينتقدها.
هذه النقطة
ضرورية لأن السيميولوجيا لا ينبغي أن تبحث عن «خير»
في الهامش مقابل «شر»
في المركز. وظيفتها ليست قلب الثنائية فقط، بل تفكيكها. فالمركز والهامش ليسا
جوهرين ثابتين؛ قد يصبح شخص ما مركزا في سياق ومهمشا في سياق آخر. وقد يكون المكان
نفسه مركزا بالنسبة إلى جماعة وهامشا بالنسبة إلى جماعة أخرى. إن السلطة تتحرك،
والمعنى يتحرك، والمواقع تتغير.
ولهذا فإن القيمة
الفكرية للهامش لا تكمن في كونه بديلا مثاليا عن المركز، وإنما في كونه يكشف هشاشة
فكرة المركز نفسها. حين نكتشف أن ما يسمى «المركز»
يحتاج باستمرار إلى الهامش لكي يعرف نفسه، ندرك أن العلاقة بينهما ليست علاقة طرف
قوي بطرف ضعيف فحسب، وإنما علاقة اعتماد متبادل. المركز يحتاج إلى وجود الهامش حتى
يظل مركزا، والهامش قد يعيد تعريف المركز من خلال رفضه أو تجاهله أو إعادة استخدام
رموزه.
نحو قراءة مختلفة للمدينة والإنسان
ربما يكون أهم ما
تقدمه سيميولوجيا الهامش أنها تعلمنا أن نقرأ ما اعتدنا المرور أمامه دون انتباه.
أن نتوقف أمام الكتابة الباهتة على جدار، وأن نسأل لماذا بقيت. أن ننتبه إلى اسم
شارع لا يزال الناس يستعملونه رغم تغييره رسميا. أن نستمع إلى حكاية عجوز عن بيت
هدم منذ سنوات. أن نسأل لماذا يجتمع الناس في مكان معين رغم وجود أماكن أكثر
حداثة. أن نفهم لماذا يصر شخص على الاحتفاظ بشيء يبدو للآخرين عديم القيمة.
هذه القراءة لا
تبحث عن المعنى في الكتب وحدها، وإنما في الحياة. وهي بذلك تفتح إمكانا آخر للفكر:
أن يصبح قادرا على الإصغاء إلى الأشياء الصغيرة. فالفلسفة حين تنفصل تماما عن
اليومي تصبح معرضة لأن تتحول إلى بناء مفاهيمي مغلق، بينما الحياة اليومية مليئة
بمفاهيم لم تصغ بعد. هناك في الأسواق والمقاهي والأحياء الشعبية والمنازل القديمة
معرفة اجتماعية لا تزال تنتظر من يقرأها.
إن الهامش، في
النهاية، ليس نهاية الخريطة، بل أحد الأماكن التي تبدأ منها الخريطة من جديد. وما
يبدو لنا هامشا قد يكون، من زاوية أخرى، مركزا لخبرة إنسانية كثيفة لم تستطع
المؤسسات أن تمنحها اسمها بعد. إن الجدران تحفظ ما ينساه البشر، والأمكنة تحتفظ
بما تحاول الذاكرة الرسمية محوه، والعادات اليومية تحمل أحيانا احتجاجات أكثر عمقا
من الشعارات.
ولعل السؤال
الأهم ليس: أين يقع الهامش؟ بل: من يملك حق تعريفه؟ ومن يقرر أن هذا المكان هامشي،
وأن هذه الذاكرة ثانوية، وأن هذه اللغة أقل قيمة، وأن هذه الحكاية لا تستحق أن
تروى؟ حين نطرح السؤال بهذه الطريقة، يتحول الهامش من موضوع للدراسة إلى أداة نقد.
يصبح مرآة تكشف الطريقة التي يصنع بها المجتمع مركزه، والطريقة التي يوزع بها
الاعتراف، والطريقة التي يمنح بها بعض الأصوات حق الكلام ويحرم أصواتا أخرى منه.
إن سيميولوجيا
الهامش، بهذا المعنى، ليست مجرد دراسة للعلامات الموجودة في الفضاءات المنسية،
وإنما هي محاولة لفهم الصراع العميق حول من يملك المعنى. إنها قراءة للمدينة
باعتبارها نصا متعدد الأصوات، وللذاكرة باعتبارها ساحة صراع، وللحياة اليومية
باعتبارها مسرحا تتحرك فوقه الأنساق دون أن تعلن عن نفسها. وفي هذا المستوى تحديدا
يصبح الهامش أكثر من موقع اجتماعي أو جغرافي؛ يصبح طريقة في النظر.
فحين نقرأ
الهامش، نحن لا نكتشف فقط ما أخفاه المركز، بل نكتشف أيضا أن المركز نفسه لم يكن
يوما مكتفيا بذاته. وراء كل مركز هامش يمده بالموارد والعمال واللغة والذاكرة
والصور التي يبني بها شرعيته. ووراء كل هامش مركز صغير يمارس سلطته الخاصة. وبين
الاثنين تتحرك الحياة، لا باعتبارها نظاما منسجما، وإنما باعتبارها تفاوضا دائما
على المعنى.
لهذا فإن النظر
إلى الهامش بوصفه «نفقا
خفيا لصراع الأنساق»
ليس استعارة مجانية. النفق هو ذلك المسار الذي لا يظهر على سطح المدينة، لكنه يصل
بين مناطق تبدو منفصلة. وكذلك الذاكرة اليومية والممارسات الصغيرة: إنها أنفاق تحت
سطح الخطاب العام، تمر عبرها الرغبات والمخاوف والاحتجاجات والتقاليد والأحلام. قد
لا نراها، لكن آثارها تظهر في كل مكان. وفي اللحظة التي نتعلم فيها قراءة هذه
الآثار، يتغير معنى المكان نفسه؛ فلا يعود الهامش مجرد فضاء بعيد عن الضوء، بل
يصبح مكانا آخر للضوء، ضوءا أقل صخبا، وأكثر التباسا، لكنه ربما أكثر قدرة على كشف
ما يحدث فعلا تحت سطح المجتمع.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق