ضرب تحت الحزام .. حين تعلمت أوروبا أن تقعد عنفها - محمد غاني - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الخميس، 6 أغسطس 2026

ضرب تحت الحزام .. حين تعلمت أوروبا أن تقعد عنفها - محمد غاني

مباراة ملاكمة على لوحة قماشية، رُسمت عام 1737

أول تصوير لمباراة ملاكمة على لوحة قماشية، رُسمت عام 1737 في لندن على يد الفنان الدنماركي أندرياس مولر


في السادس عشر من يناير 1725، التقى في «أوكسفورد رود» بلندن مجذافيٌ من البندقية وسائق ماشية إنجليزي ضخم، عاريي الصدر، حاسرَي الرأس، بقبضتين بلا لفافة ولا وقاء. لم يكن الحدث اقتتالًا عارضا في زقاق، بل عرضا معلنا عنه منذ أيام، اجتمع له نحو ألف متفرّج: أرستقراطيون بالشعر المستعار والقبعات المثلثة، وحرفيون وكتاب وممثلون ورسامون، وقد راهنوا بمبالغ ضخمة. من هذا المشهد ينطلق يورغن أوفرهوف، أستاذ تاريخ التربية بجامعة مونستر، إلى موضوع أوسع من الملاكمة نفسها: كيف انتقل اقتتال القبضة من فوضى مفتوحة إلى نشاط محكوم بلائحة مكتوبة، وما الذي يعنيه ذلك في تاريخ تنظيم النشاط الإنساني.

من الفتك إلى المباراة

لم يكن اقتتال القبضة في إنجلترا، قبل ذلك بقليل، خاضعا لضابط يذكر. يكفي أن نقرأ دليلا صدر سنة 1713 لسير توماس باركينز، يصف نطح الرؤوس وضربات المرافق وأساليب الخنق، لنُدرك أنّ ما كان يجري لم يكن «رياضة» بالمعنى المتعارف عليه اليوم. وقد وقعت وفيات في الحلبات بين سنتَي 1700 و1740، ولم يكن ثمّة ما يمنع خصما من الإجهاز على من سقط.

على هذه الأرضية بنى جيمس فيغ حضوره: افتتح سنة 1719 «مدرجه» الخاص في أوكسفورد رود، وجاب الأسواق والشوارع والحدائق بأكشاك متنقّلة يستقطب بها الجمهور، وتباهى بأنه يقاتل أي رجل في إنجلترا. فاز في أكثر من مئتي نزال، وحضر مبارياته رئيس الوزراء روبرت والبول والساخر جوناثان سويفت، ورسمه ويليام هوغارث، وذكره هنري فيلدنغ وألكسندر بوب، حتى بلغ صيته بلاطات أوروبية. لكن فيغ، على براعته في تحويل النزال إلى صناعة استعراضية، لم يضع له قواعد.

سبع قواعد

هنا يدخل جاك بروتون. في 13 مارس 1743 افتتح في أوكسفورد رود حلبة خاصة صُمّمت للتقليل من خطر الإصابة، ثم وضع بعد أشهر، في 16 غشت من السنة نفسها، أوّل مدونة قواعد مكتوبة للملاكمة. سبعة بنود تبدو اليوم بديهية، وكانت يومئذٍ تحوّلا نوعيا:

يمنع ضرب الخصم الساقط.

من بقي على الأرض أكثر من نصف دقيقة يعد مهزوما.

لا يصعد إلى المنصة سوى المتباريَين والحكم.

يختار المتباريان الحكمَ باتفاق، ويكون قرارُه ملزما.

لمساعد الملاكم أن يعلن هزيمة صاحبه، ولكن لا يجوز له أن يُكرهه على الاستسلام.

يسلم الجعْل إلى الفائز علنا.

تحظر الضربات تحت خطّ الحزام حظرا صارما.

وأوصى بروتون فوق ذلك باستعمال قفازات محشوة ولفائف واقية في التمرين. وقد ظلت هذه القواعد سارية عقودا، حتى حلت محلها قواعد «حلبة لندن» سنة 1838، ثم قواعد الماركيز أوف كوينزبري سنة 1865 التي ما تزال في جوهرها قائمة إلى اليوم.

القاعدة بوصفها بنية: الحكم والحدّ والإلزام

أذكى ما في قراءة أوفرهوف أنه لا يقف عند تاريخ رياضي، بل يقرأ في المدوّنة بنيةً تنظيمية عامة. فبعد خمس سنوات فقط من قواعد بروتون، نشر مونتسكيو «روح القوانين» (1748) مؤسِسا لمبدأ فصل السلط: تنفيذية وتشريعية وقضائية، تعمل مستقلّة ويراقب بعضها بعضا. ويرصد المقال قرابة بنيوية بين النصّين: في كليهما توضع للقوة حدود من خارجها، ويقوم طرف ثالث محايد فوق المتنازعَين، ويكون حكمه نافذا.

على أنّ هذه المقاربة تظل قراءة تأويلية لا علاقةَ سببية موثّقة؛ فليس في المصادر ما يثبت تأثرا مباشرا في أي من الاتجاهين، والأرجح أنّ الأمر يتعلق بمناخ فكري وثقافي مشترك أنتج في مجالين متباعدين استجابة متشابهة لمشكلة واحدة: كيف يدار نزاع دون أن ينقلب إلى إفناء.

من الحلبة إلى بقيّة الميادين

ما لا خلاف عليه هو الأثر النموذجي للمدوّنة. فقد صارت الرياضات المنظمة تحتذي المثال ذاته: قواعد سباق التجديف بين جامعتَي أوكسفورد وكامبريدج سنة 1829، وأولى قواعد كرة القدم في كامبريدج سنة 1848، وبطولة ويمبلدون للتنس سنة 1877 بلوائحها التي شملت حتى لباس اللاعبين  واشتراط البياض الكامل ما يزال ساريا للرجال والنساء معا.

ويضع أوفرهوف في السياق نفسه معاهدة سنة 1785 بين فريدريك الثاني ملك بروسيا وبنيامين فرانكلين، وقد تضمّنت لأول مرة في نص تعاهدي حدًا أدنى من المعاملة الإنسانية لأسرى الحرب. ويعدها المقال إرهاصا مبكرا لاتفاقيات لاحقة في المجال نفسه. ومن الإنصاف التنبيه إلى أن هذا الربط يظل اجتهادا تصنيفيًا؛ فالباحثون في تاريخ القانون الدولي يختلفون في تحديد بدايات هذا التقليد وفي مدى استقامة خطّ تطوّره.

الأدب مهد للائحة

يلفت المقال إلى أنّ التحول لم يكن قانونيا فحسب، بل وجدانيا. ففي منتصف القرن الثامن عشر تبدلت الحساسية السائدة: صارت مشاهد القسوة تثير النفور بدل الإعجاب. وروايات صمويل ريتشاردسون الرسائلية «باميلا» و«كلاريسا» ومعها أعمال هنري فيلدنغ، رسخت التعاطف ورهافة الشعور بوصفهما قيمتين اجتماعيتين. أي أن الأدب سبق اللائحة: يصعب تصور قبول واسع لقاعدةٍ تحمي الخصم الساقط، لو لم يكن الجمهور قد تدرب أوّلا على أن يشعر بألمه.

مواضعُ نظر

تقوم المقالة على خطّ سردي متماسك: من الفوضى إلى القاعدة، ومن القاعدة إلى صيغة أكثر انضباطا للمنازلة. وهو خط وجيه، لكنه يستدعي ثلاث ملاحظات تغني القراءة:

الأولى: القاعدة لم تلغ الاشتباك، بل أطرته. فحظر الضرب تحت الحزام جعل ما فوقه مباحا ومقبولا ومربحا. وقد ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، في أطروحته عن «سيرورة التمدن»، إلى أن ما جرى في العصر الحديث ليس تناقصا في كمّية العنف بقدر ما هو إعادةُ توزيعه وتنظيمه وتحويله إلى استعراض مراقَب. وهي أطروحة نافذة، غير أن مؤرخين آخرين ناقشوها وقدموا معطيات كمّية على تراجع فعلي في معدلات العنف بين الأفراد عبر القرون؛ والمسألة ما تزال محل سجال مفتوح في الأدبيات التاريخية.

الثانية: خلف اللائحة كان يقف اقتصاد الرهان. فالمبالغ الكبيرة الموضوعة على النتائج هي ما استدعى حكما محايدا وقرارًا ملزمًا وتسليمًا علنيًّا للجعل. وهذا لا يبطل الأثر الوقائي للقواعد، لكنه يوضح أنّ دوافع التقنين كانت مركبة، وأنّ حماية سلامة المتباريين تقاطعت مع حماية انتظام المعاملة المالية.

الثالثة: مفارقة واضع القانون نفسه. فبروتون اعتزل سنة 1750 إثر هزيمة قاسية أصابت عينه حتى فقد البصر أياما ولم يستطع مواصلة النزال. ودفن لاحقا في وستمنستر آبي، وأُدرج سنة 1990 في قاعة مشاهير الملاكمة العالمية. رجل سن القاعدة، ثم أوقفه العنف الذي سعى إلى ضبطه  وهي صورة تختصر حدود ما تستطيع اللوائح ضمانه.

خاتمة

تفتح المقالة سؤالا ولا تغلقه: لماذا صارت لدينا اليوم مدونات قواعد هي الأضخم والأكثر تفصيلا في التاريخ، في الرياضة كما في سواها، ومع ذلك يظلّ الخرق ممكنا وميسورا؟ لعلّ عناصر الجواب حاضرة في نصّ بروتون ذاته، لا بوصفها فلسفة مقصودة بل بوصفها شروطا عملية: حكم يعلو الطرفين، وقرار ملزم، وجمهور اكتسب حساسية تجعله يستنكر الضربة الغادرة. فالنص وحده لا يكفي؛ إذ تظل اللائحة حبرا ما لم تسند بجهاز ينفذها وبثقافة تحتضنها.


** قراءة تحليلية مبنيّة على مقالة  «Nicht unter die Gürtellinie» ليورغن أوفرهوف، «دي تسايت»، العدد 37، 28 غشت 2025، ص 31 ، مع تعقيبات نقدية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق