مستقبل العقل ... ما بعد الإنسان عند ميشيو كاكو - حسن عجمي - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الخميس، 7 ديسمبر 2017

مستقبل العقل ... ما بعد الإنسان عند ميشيو كاكو - حسن عجمي


يطرح الفيزيائي ميشيو كاكو نظرية علمية مثيرة مفادها أن العقل ليس سوى كمبيوتر متطور. وعلى ضوء نظريته يتنبأ بالتطورات العلمية في المستقبل. لكن ما هي النتائج الفلسفية الأساسية المترتبة عن هذه النظرية؟

يعتقد ميشيو كاكو أن المستقبل القريب يحمل مفاجآت عدة، منها إمكانية تسجيل ذكرياتنا واستعمالها كأشرطة فيديو، ونشوء روبوتات واعية شبيهة بالإنسان سترافقنا في حياتنا، وإمكانية تحميل وعينا في آلات متطورة، ما يحقق إمكانية أن يحيا وعينا إلى الأبد. وهذا المستقبل حتمي ويتضمن معالم عصر ما بعد الإنسان. يؤكد كاكو أن معضلات الوعي الإنساني سوف تُحَل على ضوء التطورات العلمية في حقل علوم تكنولوجيا النيورونات. بالنسبة إليه، العقل مجموعة برامج كمبيوترية معتمدة على النيورونات، أي الخلايا العصبية في الدماغ. هذا يعني، كما يقول كاكو، أن العقل مجرد كمبيوتر مصنوع من خلايا بيولوجية. وبذلك فهم العقل ليس سوى مسألة هندسية. يضيف كاكو قائلاً «إن القوانين المتحكمة بالكمبيوترات معروفة. وبذلك سنتمكن قريباً من التحكم بالوعي كما نتحكم اليوم بالإلكترونات الموجودة في الكمبيوتر» (Michio Kaku: The Future of the Mind. 2014. Doubleday).

لقد تمكن العلماء من رسم ما يحدث في الدماغ البشري حين يشاهد العقل هذه الأفلام والمشاهد أو تلك. ولذا خريطة تصرف الدماغ معروفة علمياً. وبذلك يستنتج كاكو أنه من الممكن التنبؤ بما يفكر ويرى العقل، من خلال النظر فقط إلى النيورونات الدماغية وتصرفها. فالخلايا العصبية تضيء حين نشاهد هذا المشهد أو ذاك ما يجعل من السهل دراستها علمياً، وربط ما يضيء من النيورونات بما نشاهد أو نفكر. على هذا الأساس، من الممكن علمياً، كما يؤكد كاكو، تسجيل ذكريات وأفكار فرد ما وزرعها في دماغ شخص آخر من خلال التحكم بعمل النيورونات، كما ستتمكن الكمبيوترات المتطورة المتصلة بأدمغتنا من قراءة أفكارنا وإرسالها إلى هذا المتلقي أو ذاك. من المنطلق نفسه، من الممكن علمياً إعادة صوغ عقولنا وتحميلها في آلات كمبيوترية متطورة تبقى في الوجود بعد موتنا بيولوجياً. هذا لأن عقولنا ليست سوى برامج كمبيوترية معتمدة على النيورونات، أي الخلايا العصبية التي من الممكن التحكم بها (المرجع السابق).

لكن الكون المادي ليس سوى معلومات؛ فالحقائق والأحداث والعلاقات في ما بينها ليست سوى مجموعات من المعلومات، وعمليات تبادل للمعلومات، كما تقول إحدى النظريات العلمية الحديثة. (Paul Davies and Niels Gregersen (Editors): Information and the Nature of Reality. 2010. Cambridge University Press ). هكذا الكون نظام معلوماتي كالكمبيوتر. ولنسلّم بأن العقل كمبيوتر. لكن الكمبيوتر يتكوّن من برامج لحفظ المعلومات وتبادلها وإنتاجها. بذلك العقل نظام معلوماتي يتشكّل من معلومات وعمليات تبادل لها. الآن، بما أن العقل نظام معلوماتي كالكون المادي تماماً، إذن من الطبيعي أن يوجد العقل في هذا الكون المادي. كما من الطبيعي أن يتفاعل العقل مع جسده الحي لكونهما يتكوّنان من الطبيعة ذاتها ألا وهي المعلومات. ومن الطبيعي أيضاً أن ينجح العقل في معرفة الكون بسبب أن العقل والكون ليسا سوى معلومات وتبادل لها.

من هنا، تنجح النظرية القائلة إن الكون والعقل مجرد أنظمة معلوماتية في تفسير لماذا يوجد العقل وكيف من الممكن أن يتفاعل مع الجسد الحي ويتمكن من معرفة الكون. وبذلك تملك هذه النظرية في العقل والكون قدرة تفسيرية كبرى ما يدعم صدقها. والحياة أيضاً نظام معلوماتي؛ فالجينات البيولوجية التي تتشكّل منها الكائنات الحية ليست سوى معلومات متوارثة. وبما أن الكون المادي والحياة أنظمة معلوماتية كالكمبيوتر، إذن من المتوقع أن توجد الحياة في عالمنا المادي وأن تنشأ الحياة من المادة. هكذا ينجح هذا النموذج المعلوماتي في تفسير إمكانية نشوء الحياة من المادة ولماذا توجد الحياة أصلاً. كون من دون عقل وحياة كون من دون وجود.


ـــــــــــــــــــــــــــــــ

السفير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق