الفردانية بوصفها شكلًا من الجماعاتية – حسين إسماعيل - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الثلاثاء، 19 مايو 2020

الفردانية بوصفها شكلًا من الجماعاتية – حسين إسماعيل


قُدّمتْ هذه الورقة في مؤتمر برامج الدراسات العليا للآداب بواشنطن دي سي، 2019م

في الاستخدام الشائع لمفردتي الفردانية والجماعاتية، يوضع كل مفهوم قبال الآخر بوصفه نقيضًا له.تُصور الفردانية بأنها إعطاء الأولوية للفرد ومصالحه ضد الجماعة، وتصور الجماعاتية بأنها تقديمُ مصالح المجتمع أو الجماعة على مصالح الفرد. نجد أصداء هذين التصورين الشائعين مثلًا في السطور الأولى لمدخل كل مفهومٍ على ويكيبيديا العربي. في مُدخل الفردانية، نجدها فلسفةً تدعو لإعلان شأن القيمة المعنوية للفرد بوصفها قيمةً مستقلة بذاتها، كما تدعو لـ “ممارسة أهداف الفرد ورغباته” بما لا يتواءم مع الجماعة[1]. وعلى الجانب الآخر، توصف الجماعاتية بأنها فلسفةٌ تشدد “على أهمية التواكل المتبادل بين أفراد المجتمع”، وتدعو لـ “إعطاء أولويةٍ لأهداف المجتمع كافةً فوق أهداف الفرد[2]. نجد ذات الأصداء في تعريف قاموس ميريام-ويبستر للفردانية [3] و الجماعاتية [4] كذلك، إذ يتمحور كل منهما حول الصراع بين ما هو فردي وما هو جماعاتيّ. 
من خلال كل ذلك، يبدو من المعقول اعتبار الفردانية والجماعاتية نقيضين يستحيل التوفيق بينهما، إذ تدعو كل فلسفةٍ لإعطاء الأولوية لما تحاول الأخرى تثنيته. فوفقًا لهذه التصورات الشائعة، بما أن الفلسفتين تنطلقان من صراعٍ “طبيعي” بين الفرد والمجتمع، لا شك وأن الصراع بينهما صراعٌ أزليّ طبيعي هو الآخر. والحقيقة أن كل هذا صحيحٌ إلى حدٍّ ما، على الأقل في سياق التصورين وفي ظل أسسهما. لكن سرعان ما تتضح هشاشة الكونية المزعومة لمثل هذه الافتراضات وقتما وُضعت موضع البحث. أزعم أن التناقض بين مفهومي الفردانية والجماعاتية الشائعين ليس تناقضًا حقيقيًا، بل هو تناقضٌ ظاهري، وأنهما في الحقيقة لا يعدوان كونهما وجهين للعملة نفسها. وبالإضافة لاعتقادي بمغلوطيتهما، أزعم أن التصورين ينزعان السياقات السياسية عن الظواهر ويجردانها من تاريخانيتها في مقابل الإعلاء –ولو ضمنيًا- من شأن الظواهر التي تبلورت في بعض مناطق غرب أوروبا والإعلاء من شأن تجربتها التاريخية. يؤدي هذا الأمر في نهاية المطاف لتعميم ما لا يمكن تعميمه، كما يؤدي لإساءة توظيف الأدوات التحليلية للظواهر الاجتماعية.
لا شك أن زعمًا بهذا الحجم يستوجب طرحًا يوازيه، طرحًا يتطرق لا لتطور مفهومي الفردانية والجماعاتية وحسب، بل للمركزية الأوروبية وعلموية الفلسفة والخطابات الاستعمارية والعلاقة بين مفهوم الفرد وهيمنة النظام الرأسمالي في القرون الثلاثة الأخيرة كذلك. لكن مثل هذا الطرح خارجٌ عن نطاق المقالة، وهو مشروع أضخم من أن يُختزل في كتاب وحيد حتى. ما سأحاوله هنا، في المقابل، هو مقاربة مفهومي الفردانية والجماعاتية فلسفيًا من أجل تفكيك “حتمية” الصورة الشائعة عنهما وتفنيد كونيّتهما. بعبارة أخرى، سأحاول بشكلٍ عام استعراض الإشكالات التي يقوم المفهومان عليها أولًا، وفك الارتباط بينهما وبين ما يسمى بالطبيعة البشرية أو الفطرة التي تتكون المجتمعات نتيجةً لها ثانيًا. وفيما سأعرج بشكلٍ وجيز على نقاط أخرى، تنصبّ أطروحة هذه المقالة بشكلٍ رئيسي على تفنيد حتمية المفهومين وتفنيد دعوى استخدامهما كأداتين صالحتين لكل زمان ومكان.
كما أسلفتُ ذكرًا، تقوم الصورة الشائعة للفردانية على تقديم الفرد ومصالحه على الجماعة. في هذا التصور، يبدو مفهوما الفرد والجماعة واضحين وبديهيين لدرجة أنهما لا يحتاجان إلى شرح؛ الفرد فرد، والجماعة جماعة. لكن الحقيقة أنهما مُحمّلان مسبقًا بالافتراضات والتضمينات التي تحمل بذور الفردانية وتُبشّر بطبيعيتها. في سبيل تبيان ذلك، أطرح السؤال التالي: ما هو الفرد؟ أو بشكل أدق، ما الذي يجعلنا نقول إننا أفراد؟ ما هو الحدّ المائز بين كوني فردًا وكونك فردًا آخر؟
مجددًا، يبدو الجواب واضحًا: بشكلٍ عام، أنا فرد (ولنترك الإشكالات المتعلقة بالأنا جانبًا لبرهة) لأنني أستطيع الإشارة لنفسي، لأنني أستطيع الوقوف أمام المرآة مع أفراد آخرين وتمييز نفسي عنهم، ولأنني أستطيع قول (أنا) دون أن يشاركني أحدٌ في أناي.
هنا يكمن الإشكال الأول. يحمل هذا التصور البديهي عن الفرد بُعدَين لا بد من التمييز بينهما. البعد الأول هو البعد الجسدي، وأعني به الجسد الفسيولوجي بكل ما له وما عليه. ليس الإنسان وحده من يمتلك هذا البعد الجسدي، بطبيعة الحال، بل أن المخلوقات الأخرى هي الأخرى تمتلكه. أما البعد الثاني فهو ما يمكن تسميته بالبعد الذاتي (أو ما قد يسمى البعد الروحي أو ما أشبه). يقوم هذا البعد على تصورٍ نظري محددٍ عن الذات، عن تصوري عما يجعلني أنا أنا نظريًا. ومثلما أن التمييز بين فردين مختلفين ممكن على المستوى الجسدي المادي، فالتمييز بين ذاتين مختلفتين مقرونٌ برسم حدود اللا-ذات، أي حدود الآخر. مهما كانت تسميته، يبدو هذا البعد إنسانيًا بحتًا –على الأقل حتى الآن-، أي أنه إحدى خواص كوننا إنسًا.
إذن، أي تعريفٍ للفرد يستبطن المزاوجة بين بُعدين مختلفين، بعدٌ جسدي وبعدٌ ذاتي. لكن فيما يمكن تعريف البعد الأول ماديًا، أي بقولبته في الزمان والمكان، يستحيل تعريف البعد الذاتي بالطريقة نفسها. وليست الاستحالة وليد تسامي الروح أو ما أشبه، بل هو ناتجٌ عن حقيقة أن البعد الذاتي اجتماعي بالضرورة؛ يستحيل تعريف الذات أو تصورها خارج إطار المجتمع، خارج إطار التخالط البشري. أي تعريفٍ للذات على المستوى النظري يتضمن سأوضح هذه النقطة أكثر في معرض الحديث عن التطبع الاجتماعي.
هذا لا يعني أن البعدين الجسدي والذاتي منفصلان عن بعضهما. يمكن بالطبع تناولهما فلسفيًا كما لو أنهما كذلك، ولا إشكال في ذلك طالما اقتصر الأمر على مستوى المقاربة أو التحليل. لكنهما في الحقيقة مرتبطان ببعضهما جوهريًا؛ حيثما توجد ذاتٌ يوجد جسد، وكلما أشرت لـ”أناي” –على الأقل في التصور الشائع-، فأنا أشيرُ لما لا يتجاوز حدود جسدي مهما كان تصوري عن نفسي. لكن ما يهم هنا ليس حدود هذين البعدين ولا ترسيم الفروقات بينهما، بل تبيان الترابط الجوهري بينهما في أي تعريفٍ للفرد.
والحقيقة أن هذه الإشكالية في تعريف الفرد والعلاقة العضوية بين البعدين الجسدي والذاتي إحدى النقاط التي يستفتح بها إيغلتون كتابه المادية[5]. ففي سبيل الرد على الفلسفات المثالية، يحاول إيغلتون تسليط الضوء على الخلل المعرفي الناجم عن إغفال الجسد (أو مادية الجسد) في عملية التفلسف. على حد زعمه، يُفترَضُ جعل الجسد نقطةَ انطلاقٍ فلسفيةٍ لأن انتماءنا للجنس البشري وتمايزنا عنه في الآن نفسه يتقاطعان في هذا الجسد. بعبارة أخرى، نفس الجسد الذي يجعلنا أفرادًا يجعلنا جزءًا من جماعة أيضًا، وإدراك هذا الأمر محوريّ في أي محاولة للتفلسف لأن التفلسف يتضمن جزءًا من ذواتنا وجزءًا من لا-ذواتنا. وبالإضافة لذلك، كون الجسد بهذه المحورية يشي بأهميته في تشكيل الذات أساسًا، وبالتالي لا يصح تناولها بمعزلٍ عنه.
ما الذي يعنيه كل ذلك؟ أو بالأحرى، ما أهمية هذا التمييز بين البُعدين الجسدي والذاتي، على الأقل على مستوى التنظير؟ هناك جوابٌ أولي: لأن إغفاله يؤدي لتصورٍ مغلوطٍ لا عن الفرد وحسب، بل عن المجتمع كذلك. أستشهد هنا بمفهوم الفرد كما يتجلى في فلسفة آين راند الموضوعانية، أو على الأقل كما يتجلى في كتابها فضيلة الأنانية[6]. هناك خلطٌ واضح في طرحها بين مستويي الوجود الجسدي والذاتي. فحسبما تقول، ما يحتاجه الفرد من أجل البقاء على قيد الحياة لا يختلف جذريًا عما يحتاجه ليعيش حياةً كريمةً أو ليعيش سعيدًا. بل تذهب راند للقول بأن المنظومة الأخلاقية الموضوعانية تستهدف أصلًا إرشاد الإنسان للأخلاق التي يجب عليه التحلي بها في سبيل البقاء على قيد الحياة وتحقيق الغاية من حياته كما لو أن الأمرين سواسية. وليس من المستغرب أن تكون منظومتها القيمية بحد ذاتها قائمةً على مبدأ حفظ النفس الذي يستبطن في فلسفتها مفهومًا محددًا للسعادة، وهي ذات السعادة التي أشارت بعدم إمكانية تحققها إلا تحت المنظومة الرأسمالية.
كما أنه ليس من الصعب التنبه للإشكالات المحيطة بمثل هذا الطرح. خلطُ آين راند المغلوط ناتجٌ عن إغفال حقيقة البُعدين الجسدي والذاتي وعضوية علاقتهما، وهذا ما أدى لخلطها بين ما يحتاجه الفرد من أجل الحفاظ على كلٍّ من جسده وذاته أولًا، وأدى لتصوير العلاقة بين الذات والجسد على أنها علاقة سيد بعبد ثانيًا.
من الخطأ المساواة بين البُعدين. يمكن أن نقول أنّ تناول الطعام مسألة حياةٍ أو موت، هذا بديهي. لكن هل يمكننا اعتبار تكديس الثروات –وهو أحد مفاهيم السعادة الموجودة- مسألة حياة أو موت كذلك؟ هل يمكن القول إن مشاهدة جميع مباريات الدوري السعودي أمرٌ ضروري للبقاء على قيد الحياة؟
يتضح من خلال هذين المثالين الساذجين أن اختزال وجود الفرد في بعده الذاتي أو تصوير وجود الذات والغاية من وجودها كما لو أنهما أمران مستقلان وقائمان بحد ذاتهما أمرٌ خطير. والحقيقة أن مماهاة آين راند للبعدين الجسدي والذاتي يرافقها تصورٌ خاطئ عن المجتمع أيضًا. فحسبما تقول راند أيضًا، ليس المجتمع إلا جمعًا من الأفراد، وليس هناك أي جانبٍ متسامٍ فيما يتعلق بالمجتمع، أي أنه ليس هناك قيمٌ اجتماعية ولا أخلاقٌ اجتماعية ولا أي شيءٍ من هذا القبيل. كل شيء ينطلق من الفرد في المقام الأول والأخير، وكل ظاهرةٍ متساميةٍ -ظاهريًا- مجرد وهمٍ.
يمكن تفنيد هذا الادعاء من ثلاثة جوانب: أولًا، لا يصح تعريف الأشياء باختزالها لمكوناتها. لو صح ذلك لتساوت الموجودات من حيث كونها كلها مجموعةً من الذرات، ولكنا نحن وورق العنب من هذا الباب سواسية. لكن ماهية أي ظاهرة، أو ما يجعلها مختلفةً عن غيرها إن صح القول، تستوجب إدخال الجانب التصوري أو الجانب النظري في تحليلها. تعريف الفرق بين أي أمرين يستلزم إلمامًا ولو عامًا عن التصور النظري لحدود كل منهما.
وبالإضافة لذلك، لو وافقنا تعريف راند للمجتمع بأنه جمعٌ من الأفراد، نجد أن من المستحيل وجود أي مجتمعاتٍ متباينة على أرض الواقع؛ لن يكون هناك مجتمع عربي “بدائي ووحشي” في الشرق الأوسط قبال مجتمعٍ إسرائيلي متحضر -كما أشارت في إحدى مقابلاتها- لأنه لا وجود لكينونةٍ اسمها مجتمع في المقام الأول، بل وحدهم الأفراد موجودون[7]. الإشكال الذي وقعت فيه آين راند ناجمٌ عن اعتمادها البُعد الجسدي المادي كما لو أنه المعيار الوحيد ومصدر المعنى السابق لوجود المجتمع.
ثانيًا، بناء على ما طرحتُه أعلاه حول البعد الذاتي، يجب تسليط الضوء على المخاطر المترتبة على افتراض أن الفرد يوجد “سابقًا” للمجتمع، أو أنه يوجد بمعزل عنه. ينتج الخطأ جزئيًا من الاعتقاد بأن هناك طبيعةً إنسانية لا-اجتماعية، أي من الاعتقاد بأن الذات قائمةٌ كمفهومٍ لا دخل للجانب الاجتماعي فيه. أحتاج لبحث علاقة هذا التصور بنظريات حالة الطبيعة وافتراض جوهرٍ مطلق للذات البشرية قبل-اجتماعية لمعرفة إشكالات الأمر أكبر، ولكني أعتقد مبدئيًا أن مثل هذه النظريات تفترض شكلًا ونمطًا معينين للمجتمع والتطبع الاجتماعي كما لو أنهما مرحلةٌ محددة من التطور البشري، نافيةً بذلك أن تكون أشكال التخالط الاجتماعي قبلها ذات معنى اجتماعي.
يتطلب تفنيد هذه الفكرة التعريج على مفهوم التطبع الاجتماعي (Socialization)، وهو أحد الأسس التي تتشكل فيها الذات أساسًا. لا أعني بالتطبع الاجتماعي مجرد التخالط أو التعايش، أي التواجد بجوار الآخرين وعيش حياة خاصة في وسطهم. مفهوم التطبع أكبر من ذلك، فهو يشمل إقبالنا على وجودٍ اجتماعي سابق لنا، على “جمع” بشري إن صح التعبير. يصوغ لنا هذا الجمع الأدوار التي تساهم في تشكيل سلوكنا في ذات الوقت الذي يشركنا في ما يمكن تسميته بعالم المعاني، وانخراطنا في عالم المعاني هو ما يؤهلنا لإدراك ما حولنا.
أعود مجددًا للاستشهاد بموضوعانية راند لتوضيح الفكرة أكثر. تقوم فلسفة راند على افتراض أننا قادرون على إدراك العالم من حولنا بلا وسائط، أي أننا على اتصالٍ مباشرٍ مع العالم من خلال حواسنا وقادرون بالتالي على عقلنته وإدراك معانيه. وبناءً على ذلك، تعتقد راند أن من الممكن التوصل إلى أخلاقٍ موضوعانية، أي العيش في هذا العالم وفق الصلاح الذي يُمليه العقل علينا، إذ أن العقل عندها مَلَكة تمييز وتكامل المحسوسات.
لكن هذا الافتراض ناقص؛ الإحساس شيء، وإدراكه أو وضعه في نسيج معانٍ شيء آخر. ينتمي هذا الإدراك لعالم المعاني الذي نُقبل على الوجود في كنفه، وهو يتجاوز تمييز راند البسيط بين ما هو “ضار” أو “نافع” فيما يتعلق بالحفاظ على النفس. الشمس بالنسبة لإنسانٍ يعيش في الصحراء تعني شيئًا مختلفًا بالنسبة لإنسانٍ يقطن الأماكن الباردة برغم أنها الشمس نفسها. هذا التباين في المعنى متأصّلٌ في عالم المعاني الاجتماعي، ولسنا نمتلك زمام تشكيله ولا نحتكره ذاتيًا.
ولعل الاستشهاد بأطروحة أنثوني جيدنز حول التطبع الاجتماعي في الحياة اليومية (أو تجليات التطبع الاجتماعي) ضروري هنا لتوضيح مدى تغلغل هذا التطبع[8]. حسبما يقول، حياتنا اليومية مُقيّدة بالقواعد. فحينما نتبادل الأحاديث مثلًا، نميل إلى مواجهة بعضنا، إلى الوقوف وجهًا لوجه. وبالإضافة لذلك، نلتزم بشكلٍ عام بآداب الحديث، من أخذ الأدوار في التكلم والإنصات، والكلام بنبرة صوتٍ تلائم السياق، وتبني لغة جسدٍ ودية، وغيرها من القواعد التي نكتسبها بحكم انخراطنا في المجتمع.
ويستشهد جيدنز أيضًا بفعل المشي. حين يخرج أحدنا للشارع، يتوقع أن الناس يمشون بطريقة محددة، أو بالأحرى بحيز من الطرق الداخلة ضمن مفهوم المشي. هذا يعني أن الركض يصبح أمرًا خارجًا عن المألوف، خارجًا عن القواعد (إلا حين يتعلق بممارسة الرياضة أو سياقات أخرى يصبح فيها “مبررًا”)، وكذا المشي جانبيًا أو إلى الوراء بدل المشي إلى الأمام.
وبالإضافة لذلك، حين نقود السيارة نلتزم -غالبًا- بذات القوانين ونتأدب بذات الآداب التي نعتقد أن الآخرين يلتزمون ويتأدبون بها. هذا ناجمٌ عن انتمائنا لنسيجٍ محددٍ من المعاني أثناء عملية قيادة السيارة.
من شأن هذه الأمثلة توضيح مقدار التطبع الاجتماعي وتغلغله في سلوكنا وحياتنا اليومية. ولكن هذا التطبع، كما أسلفتُ ذكرًا، يؤثر على تصورنا عن ذواتنا أيضًا. بشكل عام، لا توجد الذات إلا ضمن إطارٍ “مجتمعي”، أي أن التصور الذي نحمله عن ذواتنا لا يتشكل بواسطة معتقداتنا عن أنفسنا وحسب، بل من خلال التفاعل مع الـ”لا-ذوات” أيضًا، مع الآخرين. انخراطنا في الجمع البشري يعني انخراطنا في عالمٍ من المعاني، وذواتنا تتشكل في التفاعلات الناشئة ضمن هذا العالم.
لكن هذا الاستطراد لا يكفي. يستحيل تجاهل حقيقة أن في تعريف آين راند للمجتمع شيءٌ من الصحة؛ أي مجتمعٍ مهما كان يتكون في المقام الأول والأخير من أفراد، بغض النظر عن تصورهم لذواتهم. هذا ما يجر الحديث للجانب الثالث والأخير في تفنيد تصور راند المغلوط عن المجتمع: الترابط.
كل مجتمعٍ عبارةٌ عن جمع من الأفراد، هذا صحيح. لكن الترابط بين هؤلاء الأفراد بحد ذاته، أي أساس التجمع إن صح القول، سمةٌ أساسية في تحديد ماهية هذا المجتمع. هذا ما يُمكّن كلا منا على أن يكون جزءًا من عدة مجتمعات في الوقت نفسه، سواء كان انتماؤه لها اختياريًا (أي وفق اختياره الرابطة التي تُشركه في مجتمعٍ ما) أو مفروضًا (عبر الهويات التي لا يد للفرد في تحديدها). يمكن للشخص نفسه أن يُعرّف نفسه بأنه جزء من المجتمع السعودي في ذات الوقت الذي يعرف فيه نفسه بأنه شرقاوي دون أن تكون هاتان الهويتان حصريتين أو متناقضتين.
وهذا أيضًا ما يمكّن وجود روابط مختلفة بين أفراد ينتمون نظريًا لنفس المجتمع، إذ تنشأ بينهم تلك الروابط وفق ما يعيشونه يوميًا. بعبارةٍ أخرى، لا يتكون المجتمع من أفراد متجانسي الهوية الذين تربط بينهم رابطة وحيدة تكون هي الأساس، بل تتشكل بينهم روابط عديدة تتقاطع وتختلف. فعلى سبيل المثال، يمكن لمجتمعٍ ما أن يُعرّف من خلال تقاطع الروابط الجغرافية والدينية والمذهبية والعرقية بين الأفراد الذين يُزعم انتماؤهم إليه، مما يعني بالضرورة إقصاء كل من لا يمتلك إحدى الروابط عن هذا المجتمع حتى وإن امتلك بعضها. ولعل المثال الذي يحضرني حاليًا مرتبط بنشأتي في بيئةٍ قروية تمايز بشكلٍ حاد بين “أهل القرية” ومن هم ليسوا من أهلها، برغم تقاطع العديد من الروابط أحيانًا بين ابن القرية ومن ليس ابنها.
كانت السطور السابقة استفاضةً في الإشكالات النظرية المتضمنة بمفهومي الفرد والمجتمع، أي حول الفردِ بوصفه كينونةً قائمة بذاتها والمجتمعِ بوصفه مجرد تجمع لأفراد في بقعة معينة أو ما أشبه. لكن ما علاقة كل هذا بالفردانية والجماعاتية؟
الحقيقة أن معاينة المفهومين عن قرب يكشف أولًا انطلاقهما من التصور نفسه للفرد. أعود هنا للتصورين الشائعين عنهما: الفردانية تقديمٌ لمصالح الفرد على الجماعة، والجماعاتية تقديم مصالح الجماعة على الأفراد. الفرد في كلا التصورين واحد، إذ هو الفرد الذي يولد بحقوق ورغبات ومصالح “طبيعية” معينة، وهو الفرد الذي يستوجب عليه السعي نحو نمط حياة ومثل محددة. بعبارةٍ أخرى، الفرد هنا مفهومٌ يستبطن تصورين محددين للعلاقة بين البعد الجسدي والبعد الذاتي في كفة، والعلاقة بين الأفراد في كفة أخرى. هذا المفهوم هو ما يشكّل أساس الصراع بين الفرد والجماعة في المقام الأول، إذ هو ما يُعطي شرعيةً لتعارض المصالح بين الفرد والمجتمع في حال اعتبار أن المجتمع عائقٌ في سبيل تحقيق الذات وما إلى ذلك.
يطرح جون ستيوارت مل في كتابه عن الحرية أحد أوضح الأمثلة على ذلك. يستفتح مل كتابه بتعريف الحرية، أو الحرية الاجتماعية بالأحرى، بأنها حدود السلطة التي يمكن للمجتمع ممارستها بشكلٍ مشروعٍ على الفرد[9]. وفي الفصل الثالث المعنون بـ “الفردية بوصفها إحدى عناصر الرفاهية”، يمايز الفيلسوف الإنجليزي بين الحيز الخاص الذي يؤكد فيه المرء فرديته، والحيز العام الذي يتداخل الآخرون فيه. هذا الحيز العام هو الفضاء الذي يستوجب مراعاة الآخرين بشكلٍ أو بآخر. في الفصل الأول من الكتاب، يتحدث مل عن حرية الفكر والتعبير وما إلى ذلك بوصفها داخلةً ضمن الحيز الخاص، على خلاف الأفعال المترتبة عليها والتي قد تتسبب بالضرر للآخرين (وهذا ما يُدخلها في الحيز العام).
لستُ هنا بصدد تفنيد أو توكيد ما يذهب إليه الفيلسوف الإنجليزي، وجُلّ ما أريده من وراء هذا الاستعراض الوجيز هو إثبات وجود تصورات وحدود لما هو خاص أو عام كما لو أنهما يوجدان طبيعيًا، أي كما لو أنهما خاصيتان بديهيتان ترتبط حدودهما بالوجود البشري المادي دونما أي أبعاد أخرى. لكن الحقيقة أنهما خاضعان للظروف الاجتماعية-الاقتصادية، حالهما حال كل المفاهيم الفلسفية. لا يوجد “خاص” أو “عام” بمعزلٍ عن تموضعهما في السياقات التاريخية المادية.
ثانيًا، تكشف معاينة المفهومين أنهما يفترضان وجود التخالط الاجتماعي بغض النظر عن حدوده. بعبارةٍ أخرى، لا يستبطن المفهومان وجود المجتمع وحسب، بل الحاجة إليه كذلك. حتى الفردانية بأقصى تطرفاتها متعلقةٌ بتنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع أو إعادة صياغة الحياة الاجتماعية وفق تطلعات “الأفراد”، إذ يستحيل أن يوجد أحدهما بدون الآخر. بطبيعة الحال، النتيجة المنطقية لهذه العلاقة بين الفرد والمجتمع أنهما متفاعلان، أنهما يصوغان ويشكلان بعضهما.
كل هذا حتى الآن غير كافٍ للنقاش حول كون الفردانية والجماعاتية وجهان للعملة نفسها. حتى لو سلمنا جدلًا بأنهما ينطلقان من نفس التصور حول الفرد والمجتمع وأنهما يستبطنان نوعًا محددًا من العلاقة بينهما، تبقى حقيقة تعارضهما. هذا التعارض المزعوم هو النقطة التي أريد تسليط الضوء عليها فيما تبقى من السطور. ولكن قبل ذلك، لعل من اللازم تلخيص ما طرحتُه حتى الآن:
يرتكز مفهوما الفردانية والجماعاتية الشائعين بشكلٍ أساسي على مفاهيم من قبيل الفرد والمجتمع والعلاقة بينهما ومصالح كل منهما. تطرقتُ في بداية المقالة لمفهوم الفرد محاولًا توضيح بعض الإشكالات المترتبة على إغفال التمايز بين البعدين الجسدي/المادي والذاتي/الاجتماعي فيه. عرجتُ بعدها بشكلٍ سريع على خطورة إجحاف مفهوم المجتمع واختزاله في أحد مُكوناته، إذ أن ذلك يؤدي بشكلٍ أو بآخر لافتراض تشكّل روابط مطلقة بين أفراده أو لاعتباره متجسدًا إن صح التعبير. وفيما يتعلق بالعلاقة بين الاثنين، حاولتُ إخراج التفاعل عن التصور الخطي الساذج بأن الفرد يشكل المجتمع أو أن المجتمع مهيمن على الفرد، إذ أن تشكل الذات وتطبعها أعقد من اختزالها في إسقاطٍ للمصالح الفردية على المصالح الاجتماعية أو العكس.
ذكرت في مقدمة المقالة أن التناقض بين الفلسفتين تناقضٌ ظاهري، أي أنهما يتشاركان الجوهر نفسه، وحاولتُ إثبات ذلك من خلال بحث انطلاق الفردانية والجماعاتية من نفس المفاهيم والتصورات حول الفرد والمجتمع وما إلى ذلك. لكن هذا الافتراض يستلزم أيضًا إثبات أن الصراع بحد ذاته ليس صراعًا حقيقيًا كما يُصوّر، بل هو توفيقي أكثر منه تناقضي. سأطرح مثالًا توضيحيًا قبل التفصيل في هذه الفكرة أكثر. قد يقول قائل إن الإمبراطورية الرومانية سقطت بسبب الغزوات القوطية، فيما يقول آخر أنها لم تسقط بسبب الغزوات بقدر ما كان ذلك نتيجة ما أسماه بول كينيدي مثلًا “التجاوز الإمبريالي”. صحيحٌ أن القولين يختلفان في السبب، ولكنهما يتفقان أن هناك سقوطًا وإمبراطورية وغزوات أجنبية. بعبارةٍ أخرى، فيما يستنتج كلٌّ منهما أمرًا مختلفًا، يكرس كلاهما أن ما حدث هو “سقوط” فعلًا (على سبيل المثال، يمكن لمؤرخ أن يتناول ذات الأحداث كما لو أنها صعودٌ للقوطية)، وأن الكوارث طالت إمبراطورية رومانية (وليس مناطق مستقلة إلى حد ما)، وأن الغزاة كانوا من خارج حدود هذه الإمبراطورية بشكلٍ عام. لستُ هنا بصدد مناقشة هذه الافتراضات، وما أريده هو التمثيل فقط على أن الاختلاف أو التعارض حول النتائج لا يعني بالضرورة تباين المقدمات. ففي هذا المثال، يتشارك القائلان نفس الإطار والمُنطلقات والأدوات، ويختلفان في ترتيبها وحسب.
في حالة الفردانية والجماعاتية، أزعم أن كلا المفهومين يرسخان تصورات محددة عن الفرد والمجتمع والعلاقة بينهما، وهي ذات التصورات التي تجعل تعارض المصالح بينهما أمرًا ذا معنى في المقام الأول. السؤال هنا: أي فردٍ وأي مجتمع؟
أعود لما ذكرتُه في المقدمة: هما اللذان تطورا في سياق هيمنة المنظومة الرأسمالية ببعض مناطق غرب أوروبا (ومن ثم أمريكا) تاريخيًا، أو على الأقل في سياق التغييرات الاجتماعية التي رافقت التحولات الاقتصادية والسياسية في القرنين الثامن والتاسع عشر وبروز بعض دول غرب أوروبا كقوى مهيمنة. إنه الفرد المتضمن في إعلان حقوق الإنسان الفرنسي عام ١٧٨٩م[10]، والذي يمنح الإنسان حقوقًا “فطرية” تشمل الحرية والملكية الخاصة والأمان. وهو أيضًا الفرد المتضمن في إعلان الاستقلال الأمريكي عام ١٧٧٦م، وهو الذي يجعل “السعي وراء السعادة” حقًا طبيعيًا يكتسبه الإنسان بمقتضى إنسانيته[11]. من الضروري التنبه هنا إلى ترسيخ “الملكية الخاصة” و “السعي وراء السعادة” كحقين فطريين، إذ أن ما يشيران إليه مُصاغٌ ضمن المنظومة القيمية/الأخلاقية الآخذة في التشكل آنذاك، وهي نفس المنظومة التي كانت على أرضِ الواقع تقصي الملايين من البشر من تعريف الإنسان هذا[12]. بعبارةٍ أخرى، نجد أن التصور حول ماهية الفرد بحد ذاتها مرتبطٌ بالتغيرات والوقائع التي كانت تفكك أنماطًا اجتماعية سابقة وتبلور أخرى، وهذا جزءٌ مما أشار إليه كريستوفر بيلي في كتابه ولادة العالم الحديث، حيث قال بأن دول وإمبراطوريات القرن التاسع عشر تمتلك تطلعات ثقافية ومثالية مغايرة عما كانت تمتلكه الأنظمة القديمة، برغم اتساع مجال بحثه الذي شمل قارات العالم بأجمعها[13].
والحقيقة أن بوادر التغيرات في مفهوم الفرد والجماعة كانت آخذةً في التبلور حتى على المستوى الفلسفي. يمكن هنا الاستشهاد مجددًا بنظريات الحالة الطبيعية كما تجلت عند لوك[14] وهوبز[15] مثالين على ذلك. بغض النظر عن اختلافهما في توصيف الإنسان في حالة ما-قبل-المجتمع، إن صح التعبير، نجد نقطة انطلاقهما مُحملةً بالافتراضات المعاصرة لهما حول الفرد. والجدير بالذكر أن كلمة “فرد” بحد ذاتها كانت قد بدأت تكتسب معنى مختلفًا، إذ كانت قبل ذلك أقرب لأصلها اللاتيني المُنحدر من “اللا-انقسام”. لكن هذه النقطة تستلزم بحثًا أكبر مما يتسع له المجال هنا، ولذا أتركها لوقتٍ آخر.
على ضوء مفهوم الفرد والتخالط الاجتماعي الناشئ عنه، من البديهي أن يبدو الفرد والمجتمع نقيضان لبعضهما، وبالتالي من الطبيعي أن توجد فردانية وجماعاتية. لكن مجرد تقصي أبعاد مفهوم الفرد الذي تقوم عليه هذه المفاهيم كلها يكشف تموضعها في سياقات تاريخية محددة مرافقة لنشأة المنظومة الرأسمالية بأوروبا والسلطة التي تمكن بعض الأفراد من حيازتها على ضوء ذلك.[16] وبالإضافة لذلك، يمكن بشكلٍ أكبر فهم معنى أن يكون مجتمعٌ ما فردانيًا ومجتمعٌ آخر جماعاتيًا وقتما وُضع بعين الاعتبار أن هذين الوصفين مرتبطان بنمط العلاقات بين الأفراد أساسًا، أي أنهما مرتبطان في المقام الأول والأخير بهرمية وتراتيب القوى والعديد من العوامل المعقدة والمتشابكة في تخالط الناس ببعضهم البعض، سواء كان هذا التخالط مباشرًا أم لا، وسواء كان واعيًا أم لا[17].
تداول مفهومي الفردانية والجماعاتية كما لو أنهما متساميان عن الظروف الاقتصادية-الاجتماعية التي نشآ فيها يعني تصويرَ اللحظة التاريخية التي تبلورا فيها بأنها مطلقة وكونية، وهذا يعني قولبة العالم ضمن أدوات تحليلية محددة وتبني أطر مفاهيمية بوصفها مجردةً عن الواقع وصالحةً لتحليل كل الظروف[18]. بعبارةٍ أخرى، تصبح السياقات التي تطورت فيها الفلسفتان محطاتٍ تمر فيها كل المجتمعات في سياق “تقدمها”، مما يعني بدوره مركزة هذه السياقات واعتبارها معيارًا لغيرها من السياقات والظواهر[19]. ما أطرحه هنا يهدف ولو بشكلٍ بسيط لزعزعة هذه المركزية وإثبات أنها ليست مستقلةً عن التجليات التاريخية المادية.
لا يعني هذا بكل حالٍ بطلان المفهومين أو افتقارهما لأي فائدة. أحد الأهداف التي أرمي إليها من وراء هذه المقالة تحجيمَ استخدامهما، أي رسم الحدود بما يجعلُ توظيفهما مجديًا على المستوى النظري. أستحضر هنا فكرة الروابط الاجتماعية مجددًا. إذا كانت الفردانية والجماعاتية قد تبلورتا في سياق هيمنة النظام الرأسمالي والتغيرات الاجتماعية الناتجة عنها، فإن من الممكن توظيفهما في سياقٍ مُقارنٍ لبحث آثار هذه التغيرات فيما لا يقع بالضرورة داخل نطاق سياقات التبلور. بل يمكن توظيفهما، بالأحرى، في مقاربة هذه السياقات بحد ذاتها وفي كشف التفاعلات الروابطية. لعل الغالبية سمعت يومًا بالفكرة المنتشرة حول الفردانية المتطرفة بالولايات المتحدة الأمريكية مثلًا، والتي تتطرق لتفكك الأسر وارتفاع نسب الطلاق وتهمش الأصر الاجتماعية وما إلى ذلك. وفي الاستشهاد بهذه الفكرة يوضع “مجتمعنا” في قبالهِ مثالًا على المجتمع الجماعاتي النقي أو ما أشبه. بغض النظر عن صحة هذا التوصيف أو الإطار الذي يستند عليه، يمكن استخدام الفردانية والجماعاتية هنا لبحث الروابط بعينها، أي لبحث الأسباب التي تدفعنا لقول إن الروابط الأسرية أقوى وبحث الأسس التي تُعرّف بها هذه الروابط في المقام الأول، بالإضافة طبعًا لاستكشاف ماهية كل منهما والأدوار التي تلعبها التصورات عما هو فردي وما هو اجتماعي وأولوية فضاءات كل منها. أزعم أن هذه المقاربة ومثيلاتها أجدى في تقصي التقاطعات بين المجالات المختلفة من وصم مجتمعٍ ما بأنه فرداني أو جماعاتي كما لو أن هذين المفهومين أصيلان ومستقلان.
كانت السطور السابقة محاولةً لتسليط الضوء على الإشكالات المتضمنة في فلسفتي الفردانية والجماعاتية وعلى انطلاقهما من التصورات نفسها للفرد والمجتمع والعلاقة بينهما. في سبيل تقويض الخطابات الممركزة أوروبيًا وفي سبيل مقاومة الهيمنة الثقافية، لا بد من تحجيم الفئات التحليلية المُطلقة التي تستخدمها تلك الخطابات وما سار على نهجها.
الهوامش:
[5] Eagleton, T. (2017). Materialism. Yale University Press.
[6] Rand, A. (1964). The Virtue of Selfishness. Signet.
[8] Giddens, A. (1984). The Constitution of Society. University of California Press.
[9] Mill, J. S. (2015). On Liberty, Utilitarianism and Other Essays. Oxford: Oxford University Press.
[12] تحدثت عن الموضوع بشكل أكثر تفصيلًا هنا:
[13] Bayly, C. A. (2003). The Birth of the Modern World, 1780 – 1914. Wiley-Blackwell.
[14] Locke, J. (2016). Second Treatise of Government and A Letter Concerning Toleration. Oxford: Oxford University Press.
[15] Hobbes, T. (1994). Leviathan. Hackett Publishing Company; Underlined, Notations edition.
[16] Carr, E. H. What is History?. Vintage.
[17] المصدر السابق.
انظر أيضًا:
Foucault, M. Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings 1972-1977. Vintage.
Ball, S. Foucault, Power, and Education. Routledge.
Meadmore, D. The Production of Individuality through Examination, British Journal of Sociology of Education, Vol 14, No 1 (1993), pp. 59-73.
Realo, A. et al. Three Components of Individualism, European Journal of Personality. 16: 163-184 (2002).
[18] للمزيد حول تشابك الظواهر الداخلة في تكوين الفردانية والجماعاتية وعلاقتها بظروف محددة، يمكن الاطلاع على:
Bayly, C. A. The Birth of the Modern World: 1780-1914. Wiley-Blackwell. pp. 203-204.
Austen, Ralph A. Struggling with the African Bildungsroman, Research in African Literatures, Vol 46, No 3 (2015), pp. 214-231.
Carr, E. H. What is History?. Vintage. Chapter 2.
[19] إيدا بالمر. في التقدم والتغير التاريخي. المعنى



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق