المدرس والسياسة: جدلية المعرفة والسلطة بين إمكان القيادة واحتمالات السقوط - عبد السلام مسعودي - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الاثنين، 15 يونيو 2026

المدرس والسياسة: جدلية المعرفة والسلطة بين إمكان القيادة واحتمالات السقوط - عبد السلام مسعودي

في البدء كانت الكلمة... والفعل

منذ اللحظة الأولى التي تشكلت فيها المجتمعات الإنسانية، لم تكن المعرفة مجرد أداة للبقاء أو التكيف مع الطبيعة، بل تحولت سريعًا إلى ركيزة للتنظيم الاجتماعي وتوزيع النفوذ، إذ أدرك الإنسان المبكر أن من يمتلك مفاتيح تفسير العالم سواء أكان ساحرًا أم كاهنًا أم حكيمًا هو من يمسك بخيوط القوة الحقيقية، وهكذا وُلدت منذ البداية علاقة ملتبسة وديالكتيكية بين المعرفة والسلطة، علاقة لا تقوم على الفصل بقدر ما تقوم على التداخل والتغذية المتبادلة والنزاع الدائم. وفي قلب هذه الإشكالية، يقف المدرس كجسم غريب وضروري في آنٍ واحد: غريب لأنه يحمل همًا معرفيًا وأخلاقيًا لا يجد مكانه بسهولة في سوق المصالح والصفقات، وضروري لأن أي مشروع نهضوي أو تحرري لا يمكنه الاستغناء عن دوره المحوري في بناء الوعي الجمعي. غير أن السؤال الذي لم يجد إجابة قاطعة عبر التاريخ، ويبدو أنه يتجدد مع كل موجة تحول سياسي واجتماعي، هو: هل يمكن للمعلم الذي قضى عمره في تنشئة الأجيال على حب الحقيقة والالتزام الأخلاقي، أن ينتقل إلى فضاء السياسة حيث الحقيقة النسبية والمصلحة المتقلبة والصراع على النفوذ، دون أن يخسر جوهر رسالته أو يتحول إلى نسخة مشوهة من نفسه؟ إن هذا السؤال ليس سؤالًا مهنيًا ضيقًا حول كفاءات المعلمين، بل هو سؤال فلسفي وسوسيولوجي وتاريخي بامتياز، يعيد طرح الأطروحة الأفلاطونية حول "الحاكم الفيلسوف" في ضوء التجارب التاريخية الفاشلة والناجحة، ويفتح نقاشًا حول طبيعة السلطة ذاتها: هل السلطة تدنيس للفكر أم إتمام له؟ هل السياسة فن الممكن الذي يضطر المثقف إلى خيانة مثالياته، أم أنها الحقل الذي يمكن فيه للمعرفة أن تتحول أخيرًا إلى عدالة؟ وبناءً على ذلك، سيحاول هذا النص تفكيك هذه الإشكالية من خلال تتبع الأنسجة الفلسفية والاجتماعية التي تتداخل فيها شخصية المدرس مع منطق السلطة، منطلقًا من فكرة المدرس كفاعل في إنتاج الوعي الجمعي، ثم منتقلًا إلى تحليل طبيعة السياسة كمجال للصراع لا للحقيقة فحسب، ففاحصًا أسباب النجاح المحتملة للمعلمين في القيادة مقابل شروط الفشل وتجليات السقوط، مع الاستعانة بمنظري المعرفة والسلطة مثل ميشيل فوكو وبيير بورديو وماكس فيبر، وصولًا إلى استخلاصات معاصرة من تجارب تاريخية متنوعة.

 

المدرس باعتباره فاعلًا في إنتاج الوعي الجمعي: من نقل المعرفة إلى تشكيل العقل

إن اختزال دور المدرس في مجرد "ناقل للمعلومات" هو خطيئة معرفية وفلسفية. فالمعلم، سواء أدرك ذلك أم لا، يعمل داخل منظومة متكاملة من إنتاج المعنى، حيث الفصل الدراسي ليس فراغًا محايدًا، بل مسرح تتصارع فيه القيم، وتتشكل فيه التصورات، وتترسخ فيه التسلسلات الهرمية الرمزية. و بالعودة إلى المشروع الفلسفي لأفلاطون، نجد في "الجمهورية" تصورًا رائدًا للتربية كطريق نحو الخير والعدل. فالمعلم بالنسبة لأفلاطون ليس مجرد ماهر في تقنيات التدريس، بل هو الذي يقود النفس من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، وهو الذي يعد "حراس المدينة" الفلاسفة. هكذا، تصبح التربية مشروعًا سياسيًا بامتياز، لأنها تُنتج النفوس القادرة على الحكم أو على الأقل على الخضوع للحكم العادل. لم يغفل أفلاطون عن تباين الكفاءات، فاستبعد أن يكون كل معلمٍ حاكماً، غير أنه اشترط في الحاكم الحقيقي أن يتجذر فيه جوهر المعلم: مربياً للأخلاق، وبصيراً بالمعرفة، وراعياً أميناً لمصالح الأمة. من جهة أخرى، قدم لنا إميل دوركايم في نظريته السوسيولوجية للتربية أداة مفاهيمية لفهم هذه الوظيفة الخفية. فالتربية، في نظره، هي "فعل يمارسه جيل الراشدين على جيل غير مهيأ للحياة الاجتماعية"، وهي بهذا المعنى آلية أساسية لاستمرار المجتمع وإعادة إنتاج نفسه، ليس ماديًا فحسب، بل أيديولوجيًا وثقافيًا. المدرس هنا هو "أمين الجماعة" على نقل ليس فقط المعارف، بل القيم والمعايير والتصورات التي تضمن التماسك الاجتماعي. وهذا الدور يجعل منه فاعلًا سياسيًا لا واعيًا، لأنه يعيد إنتاج النسق المهيمن من السلطة الرمزية. أما بيير بورديو، فقد أضاف بعدًا نقديًا حادًا بتمييزه بين "رأس المال الثقافي" و"السلطة الرمزية". فالمدرس، بحسب بورديو، يحتكر جزئيًا إنتاج وتوزيع رأس المال الثقافي، وهو شكل من أشكال القوة التي قد لا تبدو كذلك لأنها متخفية خلف النزاهة المعرفية. إن ما يفعله المعلم، حين يمنح الدرجات، ويوزع التقييمات، ويحدد ما هو صحيح وما هو خطأ، هو ممارسة لسلطة رمزية هائلة، سلطة تشرع بعض الرؤى للعالم وتهمش أخرى، سلطة تصنع التسلسلات والتفوق والتخلف. هذا الاستبصار البورديوزي يفسر لماذا غالبًا ما يُنظر إلى المدرسين بازدواجية: احترام لقدراتهم المعرفية، وخوف أو حذر من قدراتهم على الحكم والتوجيه. هم يمتلكون سلطة دون أن يمسكوا بأجهزة القمع المباشر.

لكن، ثمة تناقض جوهري يعيشه المدرس في المجتمعات الحديثة. فبينما يمارس هذه السلطة الرمزية الهائلة داخل الفصل، غالبًا ما يكون في موقع اجتماعي متواضع، بل ومستضعف أحيانًا، خارج أسوار المدرسة. هو يبني عقول المستقبل لكنه لا يمتلك رفاهية الحاضر. هو يغرس قيم المساواة والعدل، بينما يعاني هو شخصيًا من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة. هذا الانفصام يجعله مرشحًا طبيعيًا لفهم التناقضات الاجتماعية، لكنه أيضًا يجعله أكثر هشاشة نفسية وأقل استعدادًا للدهاء السياسي الذي يتطلب مناعة ضد الرياء والمناورة.

 

السياسة باعتبارها مجالًا للصراع لا للحقيقة: قراءة في أنطولوجيا السلطة

إذا انتقلنا من عالم التعليم، حيث تسود الحقيقة والمبادئ والقيم الثابتة نسبيًا، إلى عالم السياسة، فسنصطدم بأنطولوجيا مختلفة تمامًا. السياسة، كما عرفها كارل شميت، هي "مجال تمييز الصديق من العدو"، وهي ليست حوارًا أكاديميًا يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، بل هي صراع وجودي حول السلطة والموارد والنفوذ. وحتى عندما يُستخدم فيها منطق الحوار، فذلك غالبًا ما يكون تكتيكيًا وليس غائيًا. في هذا السياق، تبرز عبقرية نيكولو مكيافيلي، الذي تجرأ على فضح "الواقع الفعلي" للحكم بدلًا من التغني بـ"المدن الفاضلة". في "الأمير"، يقدم مكيافيلي تشريحًا باردًا لطبيعة السلطة: الحاكم الناجح هو من يفهم أن الأخلاق وحدها لا تصنع الدول، وأنه مضطر أحيانًا للكذب، والخداع، وحتى القسوة إذا تطلب الأمر الحفاظ على النظام ومنع الفوضى الأكبر. مكيافيلي لا يدعو إلى الشر لأجله، بل إلى وعي واقعي بأن السياسة لها منطقها المستقل عن الأخلاق الفردية والدينية. هذا هو "العقل السياسي" الذي يصطدم به المعلم المثالي. بينما ماكس فيبر، في محاضرته الشهيرة "السياسة كمهنة"، عمّق هذه الرؤية بمفهوم "أخلاق القناعة" مقابل "أخلاق المسؤولية". صاحب أخلاق القناعة يتمسك بمبادئه مهما كانت العواقب، بينما يزن صاحب أخلاق المسؤولية عواقب أفعاله وقد يتخذ قرارات تتعارض مع مبادئه المجردة لتحقيق خير أكبر. فالمعلم بحكم تكوينه، ينحاز غالبًا إلى أخلاق القناعة؛ فهو يربي على الصدق والعدل والنزاهة كقيم مطلقة. لكن حين يدخل السياسة، يجد نفسه أمام معضلات حقيقية: هل يواصل قول الحقيقة المطلقة رغم أنها قد تؤدي إلى فوضى أو خسارة للحلفاء؟ أم يمارس نوعًا من "الكذب الأبيض" السياسي لحماية مشروع أكبر؟ هل يصر على تطبيق المبادئ الأخلاقية دفعة واحدة، فيفشل ويخرج، أم يتبنى سياسة الخطوات الصغيرة والمساومات، فيفقد هويته الأصلية؟

هنا تتضح المفارقة المركزية: عالم السياسة يطلب من فاعله "المرونة" و"البراغماتية" و"الدهاء"، بينما عالم التربية يطلب من فاعله "الثبات" و"القدوة" و"الصدق القولي والفعل". ليس هناك حل سحري لهذا التناقض، لكن التجارب التاريخية تظهر أن نجاح المعلم في السياسة يتوقف على قدرته على بناء جسر بين هذين العالمين، بحيث لا يخون الأول ولا يغرق في الثاني.

 

لماذا قد ينجح المدرس في القيادة السياسية؟ عناصر قوة لا تُرى بالعين المجردة

رغم التوتر البنيوي، يزخر التاريخ بنماذج مشرقة لمعلمين تحولوا إلى قادة سياسيين مؤثرين، بل ومؤسسين لأمم ومحررين لشعوب، فما الذي يجعلهم قادرين على النجاح أحيانًا حيث يفشل غيرهم؟ يأتي أول هذه العوامل ما أشار إليه بورديو من "الرأسمال الرمزي والمصداقية الشعبية"؛ فالمدرس يحظى، على الأقل في المخيال الجمعي، بهالة من النزاهة والعلم والتضحية، وهذه الهالة تُترجم سياسيًا إلى ثقة مسبقة قد لا يحصل عليها السياسي المحترف، حيث يُفترض أنه يتحدث من أجل المصلحة العامة لا مكسب شخصي أو حزبي، وهي نقطة انطلاق هائلة خاصة في المجتمعات التي تعاني من فساد النخب السياسية التقليدية. كما أن للمعلم خبرة يومية في إدارة الجماعة والتواصل، فإدارة فصل دراسي يضم عشرات الطلاب من خلفيات متباينة ومستويات ذكاء وقدرات متفاوتة ومشكلات نفسية واجتماعية مختلفة هي أقرب إلى إدارة مجتمع صغير؛ فالمعلم الناجح يتقن فن الاستماع، وضبط الإيقاع، واحتواء الغضب، وتحفيز المهمشين، ومكافأة المتميزين، وإدارة الوقت، وهذه مهارات قيادية مركزية في أي موقع سياسي، من رئاسة بلدية إلى إدارة وزارة التربية أو حتى رئاسة الحكومة. إضافة إلى ذلك، يمتلك المعلم نظرة تركيبية للمجتمع، إذ لا يقتصر دوره على الأدوات التقنية، بل إن مناهج التعليمخاصة في المواد الإنسانية كالتاريخ والفلسفة والجغرافياتمنحه إطارًا تفسيريًا للمجتمع ككل، فهو معتاد على ربط الأسباب بالمسببات، وتحليل الظواهر، والنظر إلى البنى وليس فقط الوقائع، وهذه الملكة التحليلية تجعله أقل عرضة للارتجال والتفكير السطحي، وتدفعه إلى البحث عن حلول جذرية بدل المسكنات اللحظية، وهذا ما يفسر لماذا كان المعلمون غالبًا في طليعة حركات التحرر الوطني (كما في فيتنام وأنغولا وكوبا وفلسطين) لأنهم يمتلكون خطابًا طويل المدى وقدرة على بناء الوعي الثوري. ويجسد هذه المعادلة بنجاح نموذجان بارزان: نيلسون مانديلا وتوماس ماساريك؛ فمانديلا كان مدرسًا ومحاميًا، لكن روحه التربوية ظلت حاضرة في سجنه الطويل فكان معلمًا لرفاقه ومربيًا للأمة بعد خروجه، فلم ينتقم بل علم جنوب أفريقيا درسًا في المصالحة لم يسبق له مثيل. أما توماس ماساريك، فأستاذ الفلسفة الذي قاد تشيكوسلوفاكيا إلى الاستقلال، فقد استطاع تحويل أفكار الإنسانية والديمقراطية إلى مؤسسات وسياسات. إن قصة نجاحهما هي قصة استمرارية بين دورهما التربوي ودورهما السياسي، وليس قطيعة؛ لقد نقلا "أخلاق القناعة" في العمق، لكنهما استعملا "أخلاق المسؤولية" في التطبيق.

 

شروط الفشل... عندما تصطدم المثالية بصخور الواقع

لا يمكن أن ننظر إلى هذه النماذج الناجحة دون أن ننظر إلى الطرف الآخر المظلم، ففشل العديد من المدرسين والمثقفين في المعترك السياسي، ليس بالضرورة لرداءة نواياهم، بل لطبيعة الصدمة الأنطولوجية بين عالمين؛ فالمعلم الذي اعتاد على حل المشكلات داخل إطار نظري واضححيث مسألة الفيزياء لها حل صحيح واحد أو النص الفلسفي يمكن تأويله وفق قواعد محددةيصطدم فجأة بالمشكلات السياسية "الشريرة" (wicked problems) التي لا حل نهائي لها، وكل حل يخلق مشكلات جديدة، مع أطراف متضاربة ومتغيرات لا حصر لها، فيدخل السياسة ومعه "خطة مثالية" من عشر نقاط ليكتشف أن تنفيذ النقطة الأولى يستغرق سنوات ويحتاج إلى تحالفات مستحيلة وموارد غير متاحة. وهذا يقود إلى الافتقار إلى فنون الدهاء المؤسسي، أو ما أسماه مكيافيلي "virtù" (الحنكة السياسية)، وهي قدرة على قراءة اللحظة المناسبة وامتلاك الجرأة على القرارات غير الشعبية وفهم متى تساوم ومتى تصارع؛ فالمدرس الذي قضى عمره في نظام مدرسي هرمي صارم، حيث الطاعة للمدير والتقييم من أعلى، لا يكون مستعدًا لمواجهة فوضى التحالفات الحزبية أو الضغوط الإعلامية أو الابتزاز السياسي. ثم تأتي أزمة التضحية بالمثال، كما أوضح فيبر: السياسي الناجح يتحمل مسؤولية أفعاله ونتائجها حتى لو تضمنت دماءً أو ظلمًا غير مباشر، بينما المعلم الذي ربى تلاميذه على "لا ظلم ولا ظالم" يجد نفسه مضطرًا ربما للموافقة على ضريبة غير عادلة لإنقاذ اقتصاد البلد أو تحالف مع حزب متطرف لمنع حرب أهلية، وهذا الصدع الأخلاقي العميق ليس كل معلم قادرًا على احتماله، فإما أن ينهار نفسيًا ويتقاعد مبكرًا، أو يتحول إلى سياسي ساخر فقد كل قيمه. ولعل تجارب بعض المدرسين الذين دخلوا البرلمانات العربية بعد ثورات 2011 خير مثال: فمنهم من جاء بعقلية "مدير فصل" يحاول فرض النظام بالقوانين الصارمة دون فهم للثقافة السياسية المعقدة، فاصطدم بالبيروقراطيات العميقة واللوبيات الاقتصادية وغادر خاوي الوفاض، بينما استطاع آخرونوهم الأندرتشكيل كتل برلمانية مؤثرة من خلال تكوين تحالفات ذكية والتركيز على قضايا محددة كالتعليم والصحة بدل محاولة تغيير كل شيء دفعة واحدة، والعبرة ليست في الشهادة التربوية بل في التواضع لتعلم "لغة السياسة" دون التخلي عن "روح التربية".

 

أزمة المثقف حين يتحول إلى حاكم: قراءة فوكوية ومفارقة النقد والسلطة

لعل أعمق مقاربة فلسفية لهذه المعضلة قدمها ميشيل فوكو، الذي قلب نظرتنا التقليدية للسلطة؛ إذ لم يرَ السلطة مجرد أداة قمع يملكها البعض ويمارسها على الآخرين، بل رآها شبكة منتشرة، منتجة للواقع والخطابات والذوات وحتى الرغبات، فهي ليست شيئًا نمتلكه بل شيئًا نمارسه، والأهم شيء نمارسه علينا دون أن نشعر. وانطلاقًا من ذلك، يصبح انتقال المدرس إلى السياسة تحولًا وجوديًا عميقًا: فهو ينتقل من موقع "تحليل السلطة" و"نقدها" (كجزء من منظومة المعرفة النقدية) إلى موقع "توليد السلطة" و"إعادة إنتاجها". وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلامًا: المدرس الذي كان يدرّس تلاميذه كيفية كشف خطابات السلطة وأيديولوجياتها يجد نفسه بعد توليه منصبًا سياسيًا مضطرًا إلى إنتاج خطاب سلطوي جديد، له استثناءاته وتبريراته وقواعده الخاصة. هذا التحول لا يحدث بالضرورة بسبب فساد أخلاقي، ففوكو يعلمنا أن السلطة تتشكل عبر "تقنيات الذات" (technologies of the self)، أي عبر ممارسات يومية صغيرة تعيد تشكيل الشخص؛ فالقرارات اليومية التي يتخذها الوزير السابق الذي كان أستاذًا، بدءًا من توزيع الميزانيات إلى اختيار الكلمات في المؤتمر الصحفي وطريقة تعامله مع المعارضين، كلها تمارس عليه ضغوطًا دقيقة لتغيير سلوكه وقناعاته تدريجيًا، فيبدأ في الاعتقاد بأن "العمل من داخل النظام" هو السبيل الوحيد، ثم يبدأ في تبرير تجاوزات النظام، ثم يصبح هو نفسه جزءًا من المنظومة التي كان يحاربها. وهذه هي "خيانة المثقف" الكبرى التي ناقشها جان بول سارتر وجوليان بندًا؛ فليس بالضرورة أن يخون المثقف قناعاته دفعة واحدة بالالتحاق بالنظام، بل قد يخونها عبر الاستغراق في تفاصيل إدارة السلطة لدرجة أنه ينسى الأسئلة الكبرى التي كان يطرحها، فيصبح مشغولًا بـ "كيف" قبل أن يتذكر "لماذا"، وتتحول رسالته التربوية في تحرير العقول إلى مشروع إداري للحفاظ على النظام. لكن، هل هناك مفر من هذه المأساة؟ ربما يكون الوعي الفوكوي نفسه هو الأداة الوحيدة: فالمدرس الذي يدخل السياسة وهو يدرك هذه الآليات، ويدرك أن السلطة ستحاول تشكيله، ويحتفظ بمسافة نقدية دائمة تجاه نفسه وتجاه أدواته، هو من يمكنه الصمود. وهذا يتطلب مؤسسة نقدية داخل الحكم (كمستشارين مستقلين، وحرية إعلام، ومجالس أخلاقيات)، لكنه يتطلب قبل كل شيء صفة نادرة: التواضع المعرفي، أي الإيمان بأنك قد تخطئ، وأن من كان خارج السلطة قد يكون على حق.

 

دروس الواقع والتجارب التاريخية: معادلات النجاح والفشل في ضوء القرن العشرين

لا يمكننا البقاء في التجريد دون العودة إلى لوحة تاريخية حافلة بالأمثلة التي تكشف عن شروط النجاح والفشل، فمنها نموذج "المعلم الثوري القائد" كهو تشي مينه (الذي كان مدرسًا)، وتشي جيفارا (طبيب ومثقف عمل مدرسًا أيضًا)، وأميلكار كابرال (مهندس زراعي ومفكر تربوي)، حيث جمع هؤلاء بين النظرة التربوية الطويلة المدى والقدرة على القيادة العسكرية والسياسية في ظروف استثنائية كالاستعمار، وجعلوا من التعليم جزءًا من استراتيجية التحرر، لكنهم واجهوا صعوبات كبيرة في مرحلة "ما بعد التحرير" عندما تحولوا إلى إدارة الدولة، لأن منطق بناء الدولة يختلف عن منطق تحريرها. ومنها أيضًا نموذج "المعلم الديمقراطي الإصلاحي" كماساريك وغيره من المثقفين الأوروبيين الذين قادوا تحولات ديمقراطية، حيث استطاع ماساريك أن يكون رئيسًا فيلسوفًا دون أن يتحول إلى ديكتاتور لأنه وضع قواعد دستورية ومؤسسية حدت من سلطته وركز على بناء ثقافة سياسية مدنية، وهو نجاح توقف على وجود مجتمع مدني قوي وصحافة حرة وتقاليد برلمانية. أما تجارب الفشل العربية والآسيوية، ففي كثير من الدول التي خرجت من الاستعمار تسلم مدرسون ومثقفون الحكم لكنهم تحولوا إلى ديكتاتوريين، لأنهم ورثوا دولة هشة ومؤسسات ضعيفة ومجتمعًا ممزقًا، فبدأوا في خضم الصراع على السلطة بتوظيف خطاب تربوي أخلاقي لتبرير القمع، ومن أشهر الأمثلة بول بوت في كمبوديا الذي كان مدرسًا للتاريخ والأدب وتحول إلى أحد أكثر الديكتاتوريين دموية، وهذه الحالة المتطرفة تبين أن المعرفة النظرية وحدها لا تحصّن ضد الفساد السياسي بل قد تُستخدم لتبريره بشكل أكثر إتقانًا. وخلاصة تاريخية واضحة: النجاح ليس في مهنة المدرس أو المثقف، بل في "الوسطية السياسية" التي تجمع بين نظرة تحليلية طويلة المدى (موروثة من التربية)، وبراغماتية مرحلية (مكتسبة من الممارسة السياسية)، وتحالفات ذكية (بدون تعلق مفرط بالمثالية)، ونظام رقابي ذاتي ومؤسسي (لمقاومة إغراءات السلطة).

 

ختاما: هل يصنع المعلم الدولة كما يصنع الإنسان؟ 

لا يمكن الإجابة عن سؤالنا الأول حول إمكانية نجاح المدرس كقائد سياسي بوصفه مدرسًا، أو ما إذا كان النجاح يتطلب تحوله إلى "سياسي محترف" يتخلى عن جزء من جوهره التربوي، بإجابة ثنائية بسيطة، فهناك نماذج نجحت بتفوق وأخرى فشلت فشلًا ذريعًا، بينما يقع أغلبها في منطقة رمادية بين النجاح والإحباط. والحقيقة أن المدرس يمتلك عناصر قوة هائلة للقيادة، كالمصداقية ومهارات التواصل والنظرة التركيبية والإيمان بإمكانية تغيير الإنسان عبر التعليم، لكن هذه العناصر نفسها تتحول إلى نقاط ضعف إذا لم تترافق مع وعي عميق بطبيعة السياسة كصراع ومصلحة لا مجرد حوار وتنوير، وقدرة على تعلم لعب الأدوار المتعددة دون فقدان البوصلة الأخلاقية، وتواضع معرفي لبناء فرق تضم خبراء في مجالات لا يتقنها، ومؤسسات رقابية تمنع تحول السلطة إلى أداة للفردنة والاستبداد، لأن الخطر الأكبر الذي يواجه المدرس في السياسة ليس مجرد فقدان منصب أو فشل في تحقيق هدف، بل ما يمكن تسميته بـ"التحول الصامت" حيث يستيقظ يومًا ليجد نفسه يدافع عن نظام كان يعارضه ويستخدم لغة كان يحتقرها ويبرر أفعالاً كان يعلّم تلاميذه أنها غير أخلاقية، وهذه هي الهزيمة الحقيقية. وربما يكون الدرس الأخير المستفاد من تاريخ الفلسفة السياسية هو أن الحكم الفاضل لا يُبنى على أكتاف حكيم واحد أو معلم فذ، بل على ثقافة سياسية نقدية تجعل من السلطة موضوعًا للمراجعة الدائمة ومن المعرفة أداة للتحرر لا للتسيد، فالمعلم العظيم هو من يدرك أن وظيفته الأساسية ليست أن يصبح هو الحاكم، بل أن يعد أجيالاً قادرة على مراقبة الحكام ومحاسبتهم وتجاوزهم إذا لزم الأمر؛ وفي عالم مثالي لا نحتاج إلى معلم يصبح حاكمًا، بل إلى حكام يتعلمون طوال الوقت من المعلمين ومعلمين يحتفظون بمسافة نقدية عن السلطة، لكن العالم ليس مثاليًا، ولهذا سيبقى المدرس والسياسة في جدل أبدي يختبر في كل مرة حدودهما الأخلاقية، ويرسمان معًا أحيانًا بالدماء وأحيانًا بالحبر حدود المدينة الفاضلة التي لن تكتمل أبدًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق