مفهوم المجتمع في العلوم الاجتماعية: قراءة جينيالوجية - ميغيل كابريرا - ترجمة : حسن احجيج - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الأحد، 7 يونيو 2026

مفهوم المجتمع في العلوم الاجتماعية: قراءة جينيالوجية - ميغيل كابريرا - ترجمة : حسن احجيج


مقدمة
أضاف ميغيل كابريرا، أستاذ التاريخ بجامعة لا غونا الإسبانية، في كتابه الصغير الحجم مفهوم المجتمع في العلوم الاجتماعية: قراءة جينيالوجية، لبنة جديدة إلى صرح التحليلات التاريخية السابقة لفكرة المجتمع. وبالنظر إلى اطّلاعنا على القائمة الطويلة من الأعمال الموجودة(1)، فسيكون من المشروع التخوّف من أن نجد أنفسنا أمام محاولة تقوم على التركيب والتكرار أكثر مما تقوم على المساهمة الأصيلة. بيد أن الأمر ليس كذلك، لحسن الحظ، فاستناد الكتاب إلى منظور منهجي أصيل (الجينيالوجيا) سمح له بإلقاء الضوء على الموضوع من زاوية مبتكرة، ومكنه من دعم فرضية قوية ومدعومة جيدًا: وهي أن اكتشاف العلماء للمجتمع الحديث لم يكن باستخدام المنهج العلمي والملاحظة المنهجية، بل هو نتيجة عكسٍ دلالي للنظرية الفردانية (ص 38).

يندرج الكتاب، المكون من أربعة فصول وخاتمة، في حقل جينيالوجيا الأفكار. وهو ليس كراسة بيداغوجية تُعرِّف بمفهوم المجتمع في العلوم الاجتماعية، بل عمل يقدم إعادة بناء مفصلة للعملية التي تشكَّل بها التصور الحديث للمجتمع ابتداءً من عشرينيات القرن التاسع عشر بوصفه كيانًا موضوعيًا. ويشكل الكتاب جزءًا من المشروع البحثي العام للمؤرخ الإسباني كابريرا، الذي يشمل كتابه المهم مدخل إلى تاريخ ما بعد المجتمع(2)يتمثل هذا المشروع في تتبع الكيفية التي تكوَّن بها العالم الحديث وطبيعة أزمة الحداثة الحالية. إن هدفه هو إظهار أن الحداثة والمفاهيم النظرية التي تقوم عليها ليست مشروعًا ثقافيًا كونيًا كما يدعي المدافعون عنها، وإنما هي نتاج ظروف تاريخية خاصة بالمجتمعات الغربية. وبذلك فإن الكتاب الذي نعرضه في هذا المقال يُظهر، اعتمادًا على قراءة جينيالوجية، أن المفهوم الحديث للمجتمع ليس أكثر من طريقة عَرَضية تاريخية لتصوّر العالم البشري وإدراكه.

أولاً: من الفرد إلى المجتمع

يصرح المؤلف في الفصل الأول بأنه يعتزم تتبع المسار التاريخي الذي تشكَّل فيه مفهوم المجتمع بوصفه كيانًا مستقلاً عن "الطبيعة البشرية" في العقدين الأولين من القرن التاسع عشر. ويشير إلى أنه يريد بذلك أن يُظهر أن الثقافة التي تأسست في المجتمع الغربي الحديث على المفهوم الحديث للمجتمع ليست حتمية تاريخية يُفترض بالضرورة أن تمرَّ منها جميع المجتمعات الغربية. إن المعنى الذي أُسند إلى فكرة المجتمع في أوروبا في مطلع القرن التاسع عشر ليس سوى مقولة ذهنية تحوّلت بفعل الجهود الدؤوبة للحقل الأكاديمي الغربي إلى كيان موضوعي موجود في الواقع.

 أسهم في تشكّل المفهوم الحديث للمجتمع تقويضُ "النظام القديم" وإرساءُ "نظام جديد" بفضل الثورة الفرنسية، وظهور الثورة الصناعية، وإرساء نماذج الاقتصاد الحر والقيم الليبرالية. كل هذه العوامل التاريخية غيرت بعمق المؤسسات والعلاقات الاجتماعية وأنتجت ظواهر اجتماعية جديدة، الشيء الذي استدعى، وفقًا لدعاء المفكرين في تلك الفترة، ضرورة النظر إلى تلك الظواهر بأدوات مفاهيمية جديدة، من بينها مفهوم "المجتمع". لكن ضد دعاء أولئك المفكرين بأنهم اكتشفوا هذا المجتمع بوساطة النظر العلمي، يؤكد المؤلف أن مفهوم المجتمع أفرزه "الإحباط من التوقعات المتعلقة بالنتائج الفعلية لتطبيق مبادئ الليبرالية الكلاسيكية الفردانية" (ص 20). فوفقًا للمؤلف، ليس مفهوم المجتمع وليد الملاحظة العلمية للتحولات الاجتماعية، بل هو وليد "إعادة صياغة دلالية للواقع بواسطة مقولة الفرد السابقة" (ص 20). وبذلك فإن ما كان له أن ينشأ من التصور الحديث للمجتمع دون مفهوم الفرد. وقد قام المؤلف بذلك باعتماد منهج جينيالوجي يستكشف جذور "إحدى مقولات الحداثة النظرية، وهي مقولة المجتمع بوصفه بنيةً موضوعيةً، أي كيانًا منفصلاً ومستقلاً تحكمه قوانين محايثة تنفلت من السيطرة القصدية للأفراد، ولديه القدرة على التحديد السببي لذاتيات الأشخاص وممارساتهم" (ص 12).

وانطلاقًا من هذه الملاحظات التمهيدية، يعلن المؤلف في الفصل الأول أن موضوع كتابه هو مناقشة الكيفية التي نشأ بها في الفكر الفلسفي والاجتماعي، في العقود الأربعة الأولى من القرن التاسع عشر، مفهومُ المجتمع بوصفه كيانًا موضوعيًا مفصلاً عن أفكار الأفراد وآمالهم وقادرًا على تنظيم نفسه بنفسه. ولهذه الغاية، خصص المؤلف الفصول الثلاثة المتبقية لعرض النقد الذي وجهه المفكرون السانسيمونيون (نسبة إلى SaintSimon)، وأوغست كونت (Auguste Comte) سيما إلى أسس الأنموذج الفرداني في بعده السياسي؛ ونقد المنظرين الاجتماعيين الماركسيين لأسس المنظور الفرداني من حيث ادعاءاته الاقتصادية. ويختم المؤلف كتابه بفصل يُعدّ أهم فصول الكتاب، حيث يناقش المبادئ الإبستيمولوجية التي يقوم عليها المنظور الاجتماعوي، خصوصًا فكرة الطبيعة الخارجية للمجتمع التي قلبت اتجاه السببية الذي كان في النظرية الفردانية ينطلق من مقاصد الأفراد وحالاتهم العقلية إلى أفعالهم ومؤسساتهم وعلاقاتهم، واستبعاد فكرة الطبيعة البشرية من تفسير التنظيم الاجتماعي.

ثانيًا: صنع المجتمع

يبدأ المؤلف الفصل الثاني بالإشارة إلى أن موضوعه هو إبراز الكيفية التي نشأ بها مفهوم المجتمع الجديد، بوصفه كيانًا مستقلاً عن الإرادة الفردية ويتمتع بمنطقه الداخلي الخاص، وذلك عن طريق مناقشة نقد أنصار الأنموذج الاجتماعوي لعجز النظام الليبرالي عن إرساء النموذج المجتمعي الذي وعد به؛ أي ذلك الذي يسود فيه السلم الاجتماعي والرفاه والمساواة والحرية. ويشير المؤلف إلى أن تشكّل هذا النمط من المجتمع لم يكن نتيجة اكتشافه بفضل الملاحظة العلمية، بل من خلال عكس الأسس النظرية التي كان يرتكز عليها التصور الفرداني للكيانات الاجتماعية الجماعية. هذا دفع المؤلف إلى القول إن "المفهوم الجديد [للمجتمع] متجذر جينيالوجيًا في المفهوم السابق للفرد ومدينٌ له بالنظر فقط إلى أن أصل المفهوم الحديث للمجتمع موجود في هذا التشخيص، وليس في ملاحظة الواقع" (ص 38). لذلك اختار المؤلف التركيز في الأساس على الأسس النظرية والإبستيمولوجية للنظام السياسي الليبرالي الذي كان النقّاد يعتقدون أنه "يقوم على تصوّر خاطئ للعالم البشري" (ص 42). يقسّم المؤلف هذا الفصل ثلاثة أقسام: نقد الفردانية، والمجتمع بوصفه حضارة، ونظرية جديدة للفعل البشري.

أوضح المؤلف في القسم الأول أن تطوير المفهوم الحديث للمجتمع قام على نقد "الطابع الميتافيزيقي" للنظرية الليبرالية الكلاسيكية. ذلك أنه وُجهت إليها تهمة كونها "تقوم على مفاهيم جوهرانية ومطلقة ومجردة" (ص 61). إن من مغالطات تلك النظرية سعيها إلى تفسير الظاهرة الاجتماعية بعوامل مطلقة مثل الفرد والطبيعة البشرية. فقد تصوّرت النظرية الفردانية أن الإنسان الفردي وحاجاته هي الأسس الوحيدة للسياسة والمبادئ المولدة للقوانين الاجتماعية. إنه تصور يستند إلى استدلال يتجه من الفرد إلى المجتمع. ولكي يطوّر أنصار الأنموذج الاجتماعوي تصوّرهم الشمولي للمجتمع، فقد انطلقوا من رفض التفسير الفرداني للظواهر الاجتماعية الذي يتصور العلاقات الاجتماعية نتيجةً لقرارات فردية واعية. هذا الرفض جعلهم ينأون بأنفسهم عن القانون والفلسفة السياسية والاقتصاد السياسي التي عدّوها تخصصات غير قادرة على توفير تفسيرات صادقة للظواهر الاجتماعية. كانت هذه التخصصات، وكذلك الممارسة السياسية، تتضمن نزعة موروثة من مذهب العقد الاجتماعي الكلاسيكي الهدف منها إضفاء المثالية على السياسة التي كانت تُفهم بأنها مجال الإرادة الفردية والجماعية. وكانت تلك التخصصات تهمل دور العلاقات الاجتماعية التي قلصتها إلى مجرد أشياء يمكن تطويعها بحسب إرادة الأفراد. ولإجراء قطيعة معها، فقد حاول كونت أن يثبت أن دور السياسة والإرادة سيتضاءلان في المستقبل، وأن المستقبل سيتسم ليس بالتحرر بل بالطاعة؛ وليس بتقدم العقل والإرادة الفرديين، بل بنشر مشاعر تضامن أقوى. وبالضد من تلك الأطروحات الفردانية، فقد أكد كونت بشدة أن الإرادة الفردية تابعة بالضرورة للمقتضيات الأخلاقية، وأن السياسي تابع بالضرورة للاجتماعي.

في القسم الثاني "المجتمع بوصفه حضارة"، يعرض المؤلف الانتقادات التي وجهها فلاسفة الاجتماع السانسيمونيون إلى أنصار الفردانية السياسية والفردانية النظرية الذين يكتفون بالبحث في الماضي عن حلول للشرور الحالية من دون الاعتراف بواقع التطوّر التاريخي، والذين يركزون بشكل خاطئ كل جهودهم على السياسة والإصلاحات المؤسسية فقط. ويجادلون بأن الأشخاص المستعدين حقًا للمساهمة في إعادة تنظيم المجتمع عليهم أولاً تحديد "المبدأ الجديد" الذي ستنتظم العلاقات الاجتماعية وفقًا له، علمًا أن هذا المبدأ لا ينبع من إرادة عقول عبقرية، بل يتوقف على تطور العقل البشري من جهة، وعلى تطور عمل فعل الإنسان في الطبيعة من جهة أخرى، الشيء الذي أنتج العلوم والفنون والصناعة.

إن خلق نظام سياسي مرغوبٍ فيه مشروطٌ بالاعتراف بأن التطور التدريجي للحضارة يخضع لمسار طبيعي لا رجعة فيه، ومستمد من قوانين التنظيم البشري التي تصبح بدورها القانون الأسمى لجميع الظواهر السياسية. فالحضارة بهذا المعنى تتقدم تبعًا لقانون ضروري، بمعنى أن التقدم البشري يحدده تطوّر العقل البشري الذي خضع لتطور تاريخي طويل الأمد يمكن اكتشافه مع نتائجه الاجتماعية بالبحث عن قوانين مماثلة لتلك التي تحكم الظواهر الطبيعية. بالنسبة إلى نقاد الليبرالية فإن مبدأ ثبات قوانين الطبيعة ليس افتراضًا ميتافيزيقيًا، بل نتيجة استقراء انطلاقًا من ظهور قوانين ثابتة في جميع الأنظمة الأساسية للظواهر، بما في ذلك الظواهر الاجتماعية. ووفقًا لهم، تتميز قوانين الطبيعة بالحتمية والثبات؛ فعلى سبيل المثال، تحدث هؤلاء المفكرون في مقاربتهم الاجتماعية الديناميكية عن كل حالة اجتماعية بوصفها "النتيجة الضرورية" للحالة السابقة والمسبب الذي لا غنى عنه للحالات اللاحقة. وهكذا فإن قوانين الديناميكيات الاجتماعية هي ما يحدد المسيرة الأساسية للتطور البشري.

أما القسم الثالث والأخير "نظرية جديدة للفعل البشري"، فإنه يفحص الكيفية التي أسهم بها التصور الشمولي للفعل البشري في تشكّل التصور الحديث للمجتمع. ومثلما استبعد نقاد الليبرالية المقاربة "الطبيعية" التي تؤكد أن الاختلافات بين أشكال التنظيم الاجتماعي تحددها عوامل خارجية مثل المناخ أو الجغرافيا أو العرق، فإنهم رفضوا أيضًا التفسير الفرداني/ العقلاني للمجتمع بوصفه بنية قصدية، العزيز على منظّري العقد الاجتماعي. وبدلاً من ذلك، فإنهم أصبحوا ينظرون إلى المجتمع بأنه مزيج كثيف من العلاقات الاجتماعية ينظم ذاته بذاته، ويتوفر على أشكال حتميته الخاصة شبه المستقلة. فالمجتمع لا ينشأ نتيجة قرارات رجال العظماء في التاريخ، بل نتيجة قوانينه المتأصلة فيه والناتجة من مسار تطوره التاريخي الحتمي. إن الخطأ النظري الذي ارتكبه ممارسو الأنموذج الفرداني، والذي أدى إلى فشل الفردانية السياسية في تغيير واقع الناس إلى الأفضل، هو بحثهم عن تفسير للظاهرة الاجتماعية خارج المجتمع نفسه، أي في القرارات المستقلة للأفراد العقلانيين وفي طبيعة بشرية موحّدة وفي عوامل طبيعية مثل العِرق أو المناخ. والواقع أن هذا التفسير يوجد داخل المجتمع نفسه، خاصة في العلاقات بين الجماعات الاجتماعية كما تتكشف عبر التاريخ. والتبرير الذي يقدمه كونت مثلاً لهذا التصور الاجتماعوي للمجتمع هو أن "المفهوم الحديث للمجتمع يحتوي، في الإجمال، على فكرة السببية الاجتماعية" (ص 95).

حينما عكس فلاسفة الاجتماعي المنطق النظري للأنموذج الفرداني، لم يعد الفرد هو من يسبب المجتمع، بل أصبح المجتمع هو المحدد للفرد ومصيره. إذ "لم يعد يُنظَرُ إلى البشر على أنهم أفراد مزودون بالفاعلية ويتصرفون تبعًا لدوافعهم ومقاصدهم وميولهم الطبيعية. وأصبح يُنظر الآن إلى الأفعال البشرية بأنها تتحدد بالقوى الاجتماعية الخارجية التي تُفرَض سببيًا على الذوات وتتجاوز سيطرتها الواعية" (ص 97). يرتبط هذا التصور للفعل البشري بالرؤية السياسية لمنظري الاجتماعي الأوائل الذين كانوا ينظرون بعين الاستهجان إلى ما أفرزه النظام الليبرالي من مشكلات جديدة متمثلة في الاغتراب والتفتت، وأصروا بذلك على الحاجة الملحة إلى إعادة البناء السياسي والاجتماعي من أجل ضمان الرفاه المشترك، فقد أوضحوا أن الأفراد في سعيهم من أجل الاستقلال بذواتهم نسوا الروابط التي تربطهم بعضهم ببعض، فأصبح من الضروري إنشاء نظام سياسي يساعد الناس على استعادة طبيعتهم الاجتماعية. ولتحقيق هذه الغاية، اقترح نقاد الليبرالية فكرة مفادها أن "نجاح الفعل البشري (السياسي) مشروط بأن يكونوا متوافقين مع القوانين الموضوعية للتطور التاريخي" (ص 103).

ثالثًا: المجتمع بوصفه بنية اقتصادية

يقسّم المؤلف هذا الفصل قسمين عنونهما على التوالي: نقد الاقتصاد السياسي، والمجتمع بوصفه بنية اقتصادية. يبدأ القسم الأول بالإشارة إلى أن الصيغة الجديدة لمفهوم المجتمع التي "وضعتها المادية التاريخية ليست سوى إعادة صياغة وتحديث للمتن النظري الأصلي الذي تأسس أول مرة منذ عقدين تقريبًا" (ص 103). لكن الاختلاف بين الصيغتين هو أن الأولى كانت تتحدث عن بنية موضوعية مكونة من الصناعة والعلوم والفنون (الحضارة)، بينما الثانية أزاحت العلوم والفنون إلى خانة البنية الفوقية واحتفظت بالصناعة وحدها في البنية الموضوعية.

يعيد المؤلف الصيغة الجديدة لمفهوم المجتمع، التي تشكلت في أربعينيات القرن التاسع عشر، إلى "التشخيص المتكرر الذي أبرز فشل النظام الليبرالي في محاولته إقامة النظام الاجتماعي الكامل والنهائي" (ص 104). وإذا كان هجوم منظري الاجتماعي الأوائل على الأنموذج الفرداني يعود إلى فشل النظام الليبرالي في تأسيس تنظيم اجتماعي منسجم ومتماسك، فإن ما دفع نظراءهم من الجيل الثاني إلى نقد النظرية الفردانية هو عجز نظامها السياسي عن حل مشكلة التفاوتات الطبقية وبناء النظام الاجتماعي والاقتصادي العادل الذي بشرت به.

وبالمثل، فقد شنت المادية التاريخية هجومها على النظرية الاقتصادية الليبرالية كما صاغها الاقتصاد السياسي. وقد دشن هذا الهجوم بعض الليبراليين أنفسهم بسبب الفقر المدقع الذي أنتجه النظام الاقتصادي الليبرالي وطالبوا بإعادة النظر في مبدأ "المنافسة الحرة" الذي يمثل حجر الزاوية لهذا النظام، مشددين على ضرورة تطوير "علم اقتصادي لا يعالج خلق الثروة فحسب، بل سعادة البشر أيضًا" (ص 109). هؤلاء الليبراليون النقديون، وإن لم يتخلوا عن "فكرة المسؤولية الفردية"، فإنهم قبلوا أيضًا فكرة أن البؤس الذي يعانيه معظم الناس راجع أيضًا إلى خلل في النظام الاقتصادي نفسه، وبذلك فإن الفقر تسببه عوامل اجتماعية خارجة عن إرادة الأفراد، مثل العادات والمؤسسات الاجتماعية والجهل وعدم كفاية الأجور وطول أيام العمل. هكذا فإن انتقادات الليبراليين النقديين والاشتراكيين الطوباويين للنظام الاقتصادي الليبرالي أدت إلى إضعاف الأفكار النظرية الليبرالية المتمثلة في "المسؤولية الفردية"، وإلى الاعتراف بدور العوامل الخارجية المستقلة عن الأفراد في خلق التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية.

هذه الانتقادات، التي مهدت الطريق لانبثاق مقاربة جديدة للاجتماعي، لم تكتف بالتشكيك في تنفيذ مسلمات الأنموذج الفردي على أرض الواقع، بل ذهبت إلى حد الطعن في المبادئ النظرية والإبستيمولوجية التي يقوم عليها الأنموذج. وكانت هذه المقاربة هي المادية التاريخية التي أسسها كارل ماركس وفريديريش إنجلز اللذان دفعهما الشعور بخيبة الأمل من النتائج العملية للنظام الليبرالي إلى "التخلي تمامًا عن مفهوم المسؤولية واستبداله بمفهوم السببية الاجتماعية" (ص 112–113)؛ إذ استنتجا في النهاية أن عيوب الأنموذج الفرداني لا ترجع إلى خلل في التطبيق، بل إلى خلل في المبادئ نفسها. وبما أن شعورهما بالإحباط كان بسبب فشل التوقعات الاجتماعية والاقتصادية للنظام الفرداني، لا بسبب التوقعات السياسية كما كانت الحال بالنسبة إلى الجيل الأول من منظري الاجتماعي، فإن مضمون المجتمع، كما تصوراه، كان مختلفًا.

يشير المؤلف في القسم الثاني من هذا الفصل إلى أن ماركس وإنجلز دشنا نقدهما الجذري للنظام الليبرالي بتوضيح أن أسباب الفقر لا تتمثل في التدبير المعتل للدولة، وأن الفقر ليس ظاهرة طبيعية، وأن الفقراء ليسوا مسؤولين عن حالة بؤسهم. واستنتجا أن الفقر تسببه شروط الوجود التي يعيش فيها الفقراء. لكن انتقاداتهما للنظرية الليبرالية كانت تقوم على فكرة الطبيعة البشرية التي استمداها من الليبراليين النقديين والاشتراكيين الطوباويين: فبينما النظام الليبرالي يستند إلى مفهوم الطبيعة التي تدفع الأفراد إلى الأنانية والتمركز حول مصالحهم الخاصة، فقد دعا ماركس وإنجلز إلى إرساء نظام اقتصادي قائم على الطبيعة البشرية الحقيقية التي تميل إلى التعاون والمصلحة العامة.

لكنهما في مرحلة لاحقة قطعا صلتهما تمامًا بالأنموذج الفرداني، واستبعدا من تحليلاتهما مفهوم الطبيعة البشرية الذي حمّلا في هذه الفترة الخلل الذي يشوب نظرية الليبراليين والهيغليين الشباب الذين "كان هدفهم إنشاء شكل من أشكال التنظيم السياسي والتنظيم الاجتماعي اللذين ينسجمان مع تلك الطبيعة" (ص 121). وأدت هذه القطيعة إلى بناء مفهوم المجتمع بما هو بنية اقتصادية. في هذه المرحلة، تجذر نقد المنظرين الماركسيين للأسس النظرية لليبرالية عن طريق الرفض الكلي لتصورها "المثالي" للعالم البشري. يتمثل هذا التصور في رفع الأفكار والتمثلات والتصورات إلى مقام "أصل التنظيم الاجتماعي وأساسه السببي" (ص 122)، أي مطابقة تاريخ وعي البشر مع تاريخ وجودهم. وبحسب ماركس وإنجلز، تحمل المثالية مفهومًا ميتافيزيقيًا عن الإنسان؛ إذ تجعل منه كائنًا تكونت ذاته بمعزل عن شروط وجوده الواقعية، وتجعل هذه الشروط نتاجًا للطبيعة الجوهرية لهذا الكائن المجرد.

ولما كان ماركس وإنجلز يعتقدان بأنه لا وجود لطبيعة بشرية، إذًا "لا وجود للفرد الطبيعي، وليس العالم البشري نتاجًا للفكر" (ص 124). يوضح ماركس أن البشر أنفسهم يبدؤون بتمييز أنفسِهم من الحيوانات بمجرد أن يبدؤوا بإنتاج وسائل عيشهم، وهي خطوة مشروطة بتنظيمهم المادي. لذلك فإن ما يجعل البشر مختلفين هو أنهم ينتجون بيئاتهم المادية. وهكذا فليس هناك ذات بشرية موجودة في الواقع غير الكائنات البشرية النشطة التي تدخل في علاقات اجتماعية وسياسية محددة. و"بما أن تنظيم النشاط الإنتاجي يتغير مع الزمن، فإن الكائن البشري ذاتٌ تاريخية متغيرة ومتنوعة، وليس جوهرًا خالدًا" (ص 127). تقوم هذه الفكرة التاريخية على المسلمة النظرية التي تَعدّ "نمط الإنتاج" المحدد السببي لأفكار البشر، ومؤسساتهم بما فيها الدولة، والعلاقات التي تربط بينهم، فنمط الإنتاج كيان مستقل موضوعي لا يتوقف على ذاتية الأفراد، بل هو القوة المولدة للذاتية والمحدد لأشكال الوعي. وهذا ما تعنيه العبارة الماركسية القائلة: إن القاعدة الاقتصادية المكونة من وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج تحدد البنية الفوقية المكونة من النظام السياسي (الدولة) والنظام الأيديولوجي (القانون، والتعليم، والثقافة، والدين). إن عناصر البنية الفوقية ليست نتاجًا لعقل غير شخصي كوني وثابت، بل هي التعبيرات النظرية عن علاقات الإنتاج المهيمنة.

هكذا قام ماركس وإنجلز في أربعينيات القرن التاسع عشر بما قام به منظرو الاجتماعي في عشرينياته: تحويل الذات والطبيعة البشريتين إلى كيانات تتطور وتتغير تبعًا لتطور قوانين التاريخ. إن الأفكارَ وما تعكسه من علاقات هي منتجاتٌ تاريخيةٌ تتسم بالنسبية، بمعنى أنها تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة، وتثبت أنه لا وجود لطبيعة بشرية مجردة وثابتة. وبالتخلي عن فكرتَي الطبيعة والذاتية البشريتين، فإن العالم البشري يصير كيانًا لا علاقة له بمقاصد الأفراد ورغباتهم وأهدافهم، بل "كيانًا مستقلاً تحكمه آليات داخلية للاشتغال وإعادة الإنتاج والتغيير" (ص 133).

رابعًا: مفهوم جينيالوجي

يختم المؤلف كتابه بفصل أخير، يؤكد فيه أنه على الرغم من ادعاء منظّري الاجتماعي بأن المفهوم الحديث للمجتمع انبثق فقط بفضل مجهودهم الذي استخدموا فيه صندوق أدوات البحث العلمية، فإنهم في الحقيقة "اكتشفوا وجود المجتمع، وابتكروا بعد ذلك مباشرةً المفهوم الجديد، وصاغوا الأنموذج النظري الملائم" (ص 139). وبمعنى آخر، فإن المفهوم الحديث للمجتمع نتج من إعادة الصياغة النظرية للأنموذج الفرداني بسبب ما شعر به أولئك المنظرون من خيبات أمل جراء فشل الليبرالية في بناء مجتمع كامل. وعلى وجه الدقة، فإن انبثاق المفهوم الحديث للمجتمع يرتبط على نحو محايث بمفهوم الفرد، فلو لا أزمة الأنموذج الفرداني لما وُجد الأنموذج الاجتماعوي، لأن كل ما قام به هذا الأنموذج هو عكس اتجاه العملية التفسيرية الفردانية (الفردي يفسر الاجتماعي)، فأصبح الاجتماعي كيانًا "عضويًا" بلغة كتاب مجلة Le Producteur، أو كيانًا "موضوعيًا" بلغة مؤسسَي المادية التاريخية.

ملاحظات حول الكتاب

إن قراءة ميغيل كابريرا لانبثاق العلم الاجتماعي فريدة من نوعها، وذلك في مستويين: أولاً، المقاربة الجينيالوجية: إذ إن ما قام به كابريرا في هذا الكتاب هو إبراز كيفية نشوء العلم الاجتماعي الغربي عن طريق تتبع نشأة مفهوم المجتمع في سياق صراع المنظورات النظرية التي كان المفكرون في الفترة المبكرة للحداثة ينظرون بها إلى العالم الاجتماعي. لم يتناول المؤلف مفهوم "المجتمع" من زاوية تحليلية بل من زاوية البحث عن أصوله، والبحث عن الأسباب التي يمكن أن تفسر لماذا أصبح هذا المفهوم عدسةً ينظر بواسطتها الناس اليوم إلى ذواتهم والذوات الأخرى وإلى العلاقات والتفاعلات التي تجري بينها. وكما يقول المؤلف، فإن "الجينيالوجيا – كما هي ممارسة في هذا الكتاب – تسمح لنا بفهم أفضل لجذور الأنموذجات النظرية والدور الذي تضطلع به في تشكيل سلوك الناس" (ص 12). ويبدو واضحًا أن الجينيالوجيا التي انتهجها المؤلف – بوصفها سردًا تاريخيًا – تتبع في الأساس خطى كتاب جينيالوجيا الأخلاق لفريدريك نيتشه(3) وكتاب المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن لميشيل فوكو(4)، اللذين كانا يهدفان في الأساس إلى فضح الجذور العرضية للأفكار والممارسات الراسخة التي أصبحت بدهية وضرورية وحتمية بالرغم من طبيعتها التاريخية، أي بالرغم من كونها قائمة على "الجواز التاريخي".

ثانيًا، نقد الحداثة من خلال مسلماتها النظرية: يشير المؤلف بوضوح في المقدمة التي خص بها الطبعة العربية من هذا الكتاب إلى الآثار البعيدة المدى لأزمة الحداثة الحالية في الدور العام للعلوم الاجتماعية. لقد أدت هذه الأزمة بالفعل إلى إعادة النظر في المسلمة القائلة إن التصور الحديث للعالم البشري، وكذلك المقولات الأساسية التي يقوم عليها هذا المفهوم (من بينها أساسًا ثنائية الفرد والمجتمع)، يشكّل وصفًا صادقًا للظواهر الاجتماعية الواقعية. في هذا السياق، يوضح الكتاب أن المقدمات النظرية المركزية والمفاهيم التي يستخدمها علماء الاجتماع حتى الآن ليست انعكاسات للظواهر والعمليات الموجودة في الواقع، ولكنها مكونات للخطاب أو الخيال الحديث. وهذا ما دفع الكثيرين إلى التشكيك في طموح علماء الاجتماع إلى أن يكونوا خبراء ومرشدين للممارسات الإنسانية، وإلى ضرورة إعادة النظر في وظيفتهم الاجتماعية وإعادة تعريفها كليًّا؛ ففي وضعية تتسم بخيبة الأمل النظرية والإبستيمولوجية في الحداثة، ينبغي أن تركز المقاربات الجينيالوجية النقدية على تفكيك أي خطاب أو ممارسة أو مؤسسة أو علاقة سلطة تدعي أن لها أسسًا موضوعية.

وبالرغم من الجدة التي جاء بها الكتاب على مستوى المنهج والمنظور، فإنه ينبغي قراءته نقدية؛ إذ لا يمكن إنكار التأثير العميق الذي أحدثته التحولات الاجتماعية الناتجة من الثورتين السياسية والصناعية في الحساسية النظرية لمنظري الاجتماعي الأوائل في القرن التاسع عشر. والأهم من ذلك، في رأيي، هو تأثير الثورة العلمية في أنماط التفكير السابقة، فقد أثار التقدم الذي حصل في الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا، في القرن السابع عشر ومطلع القرن الثامن عشر في أوروبا، إعجاب مجموعة من "فلاسفة الاجتماعي". وتصور العديد منهم في ذلك الوقت أن من اللازم تطبيق مناهج العلوم الطبيعية في دراسة المجتمعات البشرية، منبهرين بالفكرة القائلة إن تحديد القوانين التي تحكم العالم المادي يمكن البشرية من السيطرة عليه. ساهمت هذه الأفكار في انبثاق الاعتقاد بإمكانية اكتشاف القوانين الطبيعية الرئيسة التي تحكم تطوّر المجموعات البشرية.

يثير كتاب مفهوم المجتمع في العلوم الاجتماعية: قراءة جينيالوجية شكوكًا جدية حول إن كانت النظرة الحديثة إلى التغيير التاريخي تتوافق مع المسار الواقعي لتاريخ البشرية. فلفترة طويلة، عُدّتْ النظرة الكونية الحديثة والمقولات التي تتأسس عليها بمنزلة تمثلات نظرية لواقع موضوعي. لهذا السبب، بحسب المؤلف، لم تعمل هذه المقولات أنماطًا معيارية للفعل البشري فقط، بل استخدمت أيضًا بوصفها أدوات تحليلية في دراسة الشؤون الإنسانية. لكنّ الحس النقدي المهيمن على كل فصول كتاب كابريرا يقدم منظورًا معاكسًا لهذا الادعاء، يؤكد أن الصورة الحديثة للعالم والمسلمات التي تدعمها ليست تمثلات موضوعية للواقع، بل هي طرائق تتسم بالجواز التاريخي (أي خاصة نمطيًا بالحداثة الغربية) لتصور التفاعل البشري ومفهمته وإضفاء معنى عليه.

إن ما يهدف إليه هذا الكتاب هو تسليط الضوء على أن مفهمة الأنموذج الفرداني والأنموذج الاجتماعوي للحياة الاجتماعية بواسطة مفهومي "الفرد" و"المجتمع" على التوالي ليست مفهمة تعكس تلك الحياة الاجتماعية كما يعيشها الناس في الواقع، وأن ادعاء الموضوعية تكذّبه الطريقة التي نشأ بها هذان المفهومان في الفلسفة الاجتماعية والعلم الاجتماعي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. لقد كان من المسلم به في كلتا الحالتين أن المفهومين يشيران إلى كيانات واقعية، وبذلك فإن استخدامها بوصفهما أجهزة تحليلية في دراسة الواقع البشري أنتج معرفة موضوعية وعلمية. بيد أن أزمة الحداثة الحالية شجعت على الاقتناع بأن التصور الحديث للعالم  البشري والتاريخ لا يشكل تمثيلا نظريا للواقع، بل هو أحد مكونات مخيال الحداثة الذي يعني  أن المقولات الحديثة لم تظهر نتيجة لاكتشاف أو تقدم ًفي معرفة الواقع، بل لأن لها جذورا مختلفة  هي التي ناقشها الكتاب بإسهاب(5)

 

الهوامش:

-1-Tim Clutton–Brock et al., "The Evolution of Society," Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, vol. 364, no. 1533 (2009), pp. 3127– 3133; L. Griffen, "The Society as a Superorganism," The Scientific Heritage, vol. 5, no. 67 (2021), pp. 51–60; Rudolph J. Rummel, "The State, Political System and Society," in: Rudolph J. Rummel, Understanding Conflict and War, vol. 2: The Conflict Helix (Beverly Hills: Sage Publications, 1976); Marshall D. Sahlins, "The Origin of Society," Scientific American, vol. 203, no. 3 (1960), pp. 76–87; Walter G. Runciman (ed.), The Origin of Human Social Institutions (London: British Academy, 2002); Johannes Urpelainen, "The Origins of Social Institutions," Journal of Theoretical Politics, vol. 23, no. 2 (2011), pp. 215–240; Paul A. Mellars et al. (eds.), Rethinking the Human Revolution: New Behavioural and Biological Perspectives on the Origin and Dispersal of Modern Humans (Cambridge: McDonald Institute for Archaeological Research, 2007).

-2-Miguel A. Cabrera, Postsocial History: An Introduction (Lanham: Lexington Books, 2004).

-3-Friedrich Nietzsche, Généalogie de la morale, A. Kremer–Marietti (trad.) (Paris: Union générale d’éditions, 1974).

-4-Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison (Paris: Gallimard, 1975).

5- (يستخدم المؤلف في كتابه مفهوم "المخيال" بالمعنى الذي قدمه له شارلز تايلور. والمقصود به مجموعة من المسلمات المتجذرة ثقافيًا حول طبيعة العالم البشري والطريقة التي يعمل بها، والتي من خلالها يفهم الناس هذا العالم ويفسرونه ويضفون عليه معنى).

Charles Taylor, Modern Social Imaginaries (Durham/ London: Duke University Press, 2004).

المراجع

Cabrera, Miguel A. Postsocial History: An Introduction. Lanham: Lexington Books, 2004.

Clutton–Brock, Tim et al. "The Evolution of Society." Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences. vol. 364, no. 1533 (2009).

Foucault, Michel. Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard, 1975.

Griffen, L. "The Society as a Superorganism." The Scientific Heritage. vol. 5, no. 67 (2021).

Mellars Paul A. et al. (eds.). Rethinking the Human Revolution: New Behavioural and Biological Perspectives on the Origin and Dispersal of Modern Humans. Cambridge: McDonald Institute for Archaeological Research, 2007.

Nietzsche, Friedrich. Généalogie de la morale. A. Kremer–Marietti (trad.). Paris: Union générale d’éditions, 1974.

Rummel, Rudolph J. Understanding Conflict and War. vol. 2: The Conflict Helix. Beverly Hills: Sage Publications, 1976.

Runciman, Walter G. (ed.). The Origin of Human Social Institutions. London: British Academy, 2002.

Sahlins, Marshall D. "The Origin of Society." Scientific American. vol. 203, no. 3 (1960).

Taylor, Charles. Modern Social Imaginaries. Durham/ London: Duke University Press, 2004.

Urpelainen, Johannes. "The Origins of Social Institutions." Journal of Theoretical Politics. vol. 23, no. 2 (2011).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق