” ليست القوة الحقيقية في قدرة المؤسسات على إدارة الأحداث، بل في قدرتها على تشكيل الوعي الجمعي الذي يفسر تلك الأحداث. فالقرارات تصنع في لحظتها، أما الوعي فيبنى عبر سنوات من إنتاج المعرفة، وصياغة الأفكار، وترسيخ القيم. ومن ينجح في قيادة الوعي الجمعي، ينجح في رسم اتجاه المجتمع، لأن العقول هي الميدان الأول الذي تحسم فيه معارك الأمم “ (الكاتب).
شهدت المجتمعات المعاصرة تحولات عميقة في طبيعة
السلطة التي توجه الأفراد وتعيد تشكيل وعيهم الجمعي. ففي الماضي القريب، كانت
المعرفة السياسية تنتج داخل الجامعات ومراكز الدراسات ومؤسسات البحث التي تستند
إلى مناهج علمية، وفرق متخصصة، وتراكم معرفي يهدف إلى فهم الظواهر وتحليلها
واقتراح البدائل الممكنة. وكانت قيمة الفكرة تقاس بقدرتها على تحليل وتفسير
الواقع، لا بقدرتها على إثارة الثرثرة الإعلامية حوله. أما اليوم، فقد تغيرت قواعد
اللعبة بصورة لافتة، إذ لم تعد المنافسة تدور بين الأفكار، وإنما بين وسائل جذب
الانتباه. وأصبح المجال السياسي والثقافي خاضعاً لمنطق الاستعراض أكثر من خضوعه
لمنطق التحليل، حتى بات المشهد في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من الحقيقة،
والانفعال أكثر حضوراً من البرهان. وبهذا المعنى، لم تعد المعركة الأساسية تدور
حول من يمتلك المعرفة، بل حول من يمتلك القدرة على تسويقها أو تشويهها أو
استبدالها بعرض أكثر إثارة وأسرع انتشاراً.
وحسب علم الاجتماع النقدي المعاصر، لا يمكن فهم هذا
التحول بوصفه نتيجة طبيعية للتطور التكنولوجي وحده، بل بوصفه إعادة توزيع لمصادر
القوة داخل المجتمع. فالسلطة لم تعد تحتكرها المؤسسات الرسمية أو النخب
الأكاديمية، وإنما انتقلت بدرجة كبيرة إلى الفاعلين القادرين على صناعة الانتباه
وإدارة المشاعر الجماعية. لقد نشأ ما يمكن تسميته باقتصاد الوعي، حيث أصبحت العقول
تدار وفق قوانين السوق الإعلامي، وأصبحت الحقيقة نفسها تخضع لمعايير المنافسة على
المشاهدة والتفاعل. وفي ظل هذه البيئة، لم يعد الخبير ينافس خبيراً آخر في جودة
التحليل، بل أصبح ينافس شخصية استعراضية تمتلك قدرة أعلى على صناعة الجدل وإثارة
الانقسام وإبقاء الجمهور في حالة متابعة دائمة. وهكذا تتراجع المكانة الاجتماعية
للمعرفة المتخصصة أمام صعود رأس مال جديد يقوم على الشهرة والانتشار والقدرة على
احتلال المجال العام، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة والموضوعية.
ومن هنا بدأ يتشكل ما يمكن وصفه بالسيرك السياسي
والثقافي، وهو ليس مجرد حالة من الترفيه أو المبالغة الإعلامية، بل نمط جديد
لإدارة المجال العام. ففي هذا السيرك، تتحول السياسة إلى سلسلة من العروض اليومية،
ويصبح السياسي أقرب إلى المؤدي منه إلى رجل الدولة، ويتحول المثقف إلى صانع محتوى
يسابق مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بدل أن ينافس بالأفكار، بينما يختزل النقاش
العام في عناوين صاخبة ومواقف متشنجة وثنائيات حادة لا تسمح بظهور المناطق
الرمادية التي يعيش فيها الواقع الحقيقي. وفي مثل هذا المناخ، لا يطلب من الجمهور
أن يفهم القضايا، وإنما أن ينحاز بسرعة، وأن يصفق أو يهاجم، وأن يشارك في دورة
مستمرة من الاستهلاك العاطفي للأحداث. وهنا يكمن الخطر السوسيولوجي، إذ تتحول
الجماهير تدريجياً من مواطنين يمتلكون القدرة على التفكير النقدي إلى جمهور يعيش
داخل مسرح دائم، يتابع المشاهد أكثر مما يقرأ الوقائع، ويتفاعل مع الشخصيات أكثر
مما يناقش الأفكار.
ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود الإعلام، بل يمتد
إلى بنية القرار السياسي ذاته. فعندما تصبح الشعبية الرقمية أكثر تأثيراً من
التقارير العلمية، يبدأ صانع القرار هو الآخر بالاستجابة لما تصنعه المنصات
الشعبية لا لما تكشفه الدراسات الأكاديمية. وتتحول استطلاعات الرأي اللحظية إلى
بديل عن البحوث الاستراتيجية، ويصبح الهاشتاغ والترند أسرع نفوذاً من التقرير
العلمي والأكاديمي، بينما تتراجع قيمة التخطيط طويل المدى أمام ضغوط اللحظة
الإعلامية. وهكذا لا يعاد تشكيل الرأي العام فقط، بل يعاد تشكيل القرار العام
أيضاً، فتدخل الدولة والمجتمع في دائرة من السياسات الانفعالية التي تستجيب لما
يثير الضجيج، لا لما تفرضه المصالح الاستراتيجية. ومن أخطر نتائج هذا المسار أن
السياسة تفقد بعدها العقلاني تدريجياً، وتتحول إلى إدارة متواصلة للانطباعات بدل
إدارة الوقائع.
ومع ذلك، فإن الإعلان عن نهاية دور مراكز الدراسات
سيكون حكماً متسرعاً يفتقر إلى الدقة السوسيولوجية والمنطقية. فهذه المؤسسات لا
تزال تنتج المعرفة، وتوفر التحليل، وتصوغ البدائل، لكن تأثيرها أصبح محاصراً داخل
فضاء عام تغيرت قواعده بالكامل. فالمشكلة ليست في ضعف المعرفة، بل في تراجع قدرتها
على منافسة الصناعة اليومية للانتباه. إننا نعيش لحظة تاريخية لم تعد فيها الحقيقة
تنتصر لأنها صحيحة، بل لأنها استطاعت أن تجد طريقها وسط فوضى هائلة من الصور
والشعارات والاستعراضات. ولذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمعات المعاصرة
لا يكمن في إنتاج مزيد من الدراسات فحسب، بل في استعادة المكانة الاجتماعية للعقل
النقدي، وإعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها شرطاً لتوجيه السياسة لا مجرد تعليق
أكاديمي على أحداث سبق أن صنعتها آلة الاستعراض. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً من
مجرد المقارنة بين مراكز الدراسات والسيرك السياسي والثقافي، إذ يغدو السؤال
المركزي هل ما زالت المجتمعات تدار بالعقل الذي يفسر الواقع، أم بالصورة التي تعيد
إنتاجه وفق ما تقتضيه مصالح القوة ومنطق الفرجة؟ فهذا السؤال لا يتعلق بمستقبل
المعرفة وحدها، بل بمستقبل الديمقراطية، والدولة، والإنسان في عصر أصبحت فيه إدارة
الوعي أكثر أهمية من إدارة الوقائع نفسها.
خلاصة القول، إن استقرار الدول لا يحفظه بريق
الخطاب، ولا كثافة الظهور الإعلامي، بل تحميه منظومة معرفية قادرة على إنتاج الفهم
قبل صناعة المواقف، وعلى ترسيخ الوعي قبل إدارة الأزمات. فحين تتقدم مراكز
الدراسات والمؤسسات الفكرية في توجيه المجال العام، تتحول السياسة من إدارة للانفعالات
إلى إدارة للمصالح، وتغدو الثقافة أداة لبناء الإنسان لا وسيلة للاستعراض، ويصبح
الرأي العام أكثر قدرة على التمييز بين الحقائق والانطباعات، وبين التحليل الرصين
والجعجعة العابرة.
أما حين يتراجع العقل الأكاديمي المؤسسي، ويعلو منطق
الفرجة والإثارة، فإن الوعي الجمعي يفقد بوصلته، وتصبح القضايا الكبرى رهينة
الشعارات العابرة، وتتحول الأولويات الوطنية إلى استجابات آنية تمليها موجات
الاستقطاب لا مقتضيات المصلحة العامة.
لذلك، فإن مستقبل المجتمعات لا يتحدد بمن يحتكر
منصات التواصل الاجتماعي (المصاطب الثقافية التي يغلب عليها الطابع الارتجالي أو
الشعبوي)، بل بمن يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة الموثوقة، وترجمة نتائجها إلى
سياسات رشيدة، وصناعة مواطن يوازن بين العاطفة والعقل، ويحتكم إلى البرهان قبل
الانحياز. فحين يقود الوعي العلم لا الاستعراض، والعقل لا الانفعال، تصبح السياسة
أكثر رشداً، والثقافة أكثر عمقاً، والدولة أكثر استقراراً، لأن الحضارات لا تنهض
بفوضى اللحظة، وإنما تتقدم بعقول تعرف كيف تفكر قبل أن تعرف كيف تتكلم.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق