المركز بوصفه هامشًا متخيلًا : قراءة في البنية الانعكاسية - عبد السلام مسعودي - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

السبت، 11 يوليو 2026

المركز بوصفه هامشًا متخيلًا : قراءة في البنية الانعكاسية - عبد السلام مسعودي


تمهيد: في إشكالية التمثيل وانعكاساته

لا يُعدّ تساؤلنا حول كيفية تشكيل "المركز" لصورته عن "الهامش" مجرد فضول معرفي عابر، بل هو تفكيك جذري لآليات بناء الهويات وإنتاج المعرفة في ظل موازين القوة والهيمنة؛ فالمعرفة ليست محايدة، بل هي أداة فاعلة في ترسيخ تلك السيطرة، كما بيّن ذلك ميشيل فوكو في تحليله للسلطة والمعرفة، فهي ليست أداة محايدة تنقل الواقع كما هو، بل هي ممارسة سياسية بامتياز تعيد إنتاج علاقات القوة وتشرعها. ومن هذا المنطلق، نجد أن المركز، حين يبني تصوّره عن الهامش لا يقدم معرفة موضوعية محايدة بل ينحت هامشًا تخيليًا يلبي حاجاته التمثيلية والسياسية الآنية، وهو ما يضعنا أمام إشكالية معرفية كبرى تتعلق بطبيعة التمثيل وآلياته، وبالكيفية التي يتحول بها هذا التمثيل إلى أداة للسيطرة الرمزية قبل أن تكون أداة للفهم الموضوعي.

غير أن المفارقة الجوهرية التي تغيب عن الكثير هي أن هذا المتخيل لا يبقى ساكنًا في دائرة العجز والجمود، بل يتحول بمرور الزمن إلى "مركز وهمي" في وعي الهامش نفسه. وهنا تتجلّى خطورة هذه الظاهرة، إذ يصبح الهامش أسيرًا لتصوّرات المركز عنه، فيعيد إنتاجها كحقائق ثابتة وكأنها مرآة تعكس ذاته دون أن يدرك أنها مجرد بناء تخيلي غاياته سياسية وتمثيلية بحتة. ويمكن تسمية هذه الظاهرة بـ"الانقلاب التمثيلي" (Representational Inversion)، وهي تلك النزعة التي تجعل المهمّش يستوعب صورة المركز عنه ثم يعيد إنتاجها كمركز نِدّي، مما يخلق حلقة مفرغة من التمثيلات المتعاكسة التي تعزز البنية الثنائية بدل تفكيكها.

وإذا ما تأملنا تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب، فإننا نجد أن الاستشراق الغربي قد صاغ الشرق كعالم جمود وتخلّف وانهزام، وهو ما حلله بعمق إدوارد سعيد في كتابه المؤسس "الاستشراق"، حيث بيّن أن الخطاب الاستشراقي لم يكن مجرد حقبة معرفية بل كان مؤسسة سياسية وثقافية أنتجت "الشرق" ككيان متخيل يخدم مشاريع التوسع الاستعماري. غير أن ما أغفله الكثيرون هو أن هذا الخطاب ولّد ردًا شرقيًا صاغ الغرب كعالم مادي وانهيار قيمي، وكأن الشرق يبحث عن خلاصه الروحي في مواجهة المادية الغربية الفارغة أو كما يصفه فرانتس فانون في تحليله للاستعمار الثقافي حين يقول إن المستعمَر لا يرى المستعمِر إلا من خلال عينَي المستعمِر نفسه.

لكن هذا الرد، الذي قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه مقاومة خطابية، لا يشكل نقيضًا بسيطًا بل هو "استنساخ معكوس" يحافظ على البنية الثنائية عينها لكنه يبدّل مواقع القيم. فالشرق هنا يضع نفسه في موقع المركز الروحي، والغرب في موقع الهامش المادي، لكن الإطار الثنائي نفسه يبقى قائمًا بل يزداد رسوخًا. وهذا ما يعرف في الأدبيات النقدية بـالاستشراق المضاد  (Counter-Orientalism)، حيث يُعاد إنتاج ذات البنية المعرفية الاستشراقية لكن بعلامات معكوسة، وكأن المعركة تدور حول من يمتلك الفضيلة لا حول تفكيك آلية الاستشراق نفسها. وهو ما يدفعنا إلى القول إن الاستشراق المضاد رغم ما يحمله من نقد ظاهري للمركز، يظل أسيرًا لمنظومته التمثيلية، مما يجعله يصبح دون قصد جزءًا من آليات إعادة إنتاج المركزية الغربية ذاتها.

غير أننا نضيف إلى هذا المفهوم بعدًا بصريًا جديدًا هو الاستشراق البصري  (Scopic Orientalism)، حيث يتحول الخطاب من نظرة معرفية إلى منظومة رؤيوية، فيصبح الهامش مركزًا بصريًا يرمق المركز ويعيد صياغته في إطار شكلي جديد. وهذا البعد البصري يتجاوز مجرد التمثيل اللغوي أو النصي ليدخل في فضاءات الرؤية والنظر، حيث يصبح النظر فعلًا سلطويًا بحد ذاته، تمامًا كما حلّل ميشيل فوكو في "المراقبة و المعاقبة" العلاقة بين النظر والمعرفة والسلطة. وهنا يتحول الهامش من مجرد موضوع للنظر إلى ذات ناظرة، تلتقط صور المركز عبر منظارها الخاص، مما يخلق لعبة معقدة من الرؤى والتمثيلات المتقاطعة.

التحول البصري وجذوره التاريخية

هذا التحول البصري يستند إلى تحولات تاريخية كبرى؛ فمع ازدهار الرحلات الاستكشافية والتصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر، لم يعد الغرب هو الطرف الوحيد الذي يلتقط صور الشرق بل بدأ المثقفون الشرقيون عبر رحلاتهم إلى أوروبا، ينتجون نصوصًا ورسومًا بصرية تعكس نظرتهم إلى المجتمعات الغربية. ففي مصر، كانت رحلة رفاعة الطهطاوي إلى باريس بين عامي 1826 و1831، والتي أثمرت عن كتابه الشهير "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، تحولًا بارزًا في بنية النظرة، حيث لم يعد الشرق مجرد مرمى لنظرات الغرب بل أصبح هو الناظر المسجل لواقع المركز. ولم تكن هذه النصوص مجرد وصف سياحي بل كانت ممارسات استشراقية معكوسة، إذ نظرت إلى الغرب بعين فضولية ناقدة وأعادت تشكيل صورته وفق مرجعيات ثقافية محلية، مما جعلها أشبه بمرايا تلتقط انعكاسات الآخر المركزية.

فالطهطاوي، في وصفه لباريس، لم يكتفِ بتسجيل المشاهدات الخارجية بل تعمق في تحليل الحياة الاجتماعية والسياسية الفرنسية، مقارنًا إياها بالواقع المصري، ومستخلصًا دروسًا في التحديث والإصلاح. غير أنه، رغم ذلك، ظلّ أسيرًا إلى حد كبير للثنائية التي يفرضها الخطاب الاستشراقي، حيث جعل التقدّم الغربي نموذجًا يُحتذى، والتخلّف الشرقي حالةً يجب تجاوزها. وهذا ما جعل كتابته في بعض جوانبها، استنساخًا معكوسًا للخطاب الاستشراقي نفسه وإن كان بنوايا مختلفة. وكذلك نجد علي باشا مبارك في كتابه "علم الدين"، الذي جسّد فيه رحلة بطل شرقي إلى أوروبا، يقدم رؤية نقدية للغرب لكنه يحافظ في العمق على ذات الإطار الثنائي، وكأن الشرق يحتاج دائمًا إلى أن يُعرّف نفسه عبر الغرب، سواء بالإيجاب أو السلب.

غير أن هذه الممارسات رغم جرأتها وحداثتها النسبية، ظلت محكومة بثنائية التخلّف/التقدّم، مما جعلها في بعض جوانبها نسخة مقلوبة من خطاب المستعمر، وهو ما يفسر لماذا لم تفلح في تفكيك البنية الاستشراقية بل أعادت إنتاجها في قالب مضاد. وهذا ما أكّده الباحث محمد أركون في نقده للمناهج العربية التقليدية، حيث أشار إلى أن كثيرًا من المحاولات الإصلاحية العربية ظلت أسيرة للأطر المعرفية الغربية حتى في نقدها لها، مما جعلها تكرر ذات الأخطاء المعرفية التي كانت تنوي تجاوزها. فالخطاب الإصلاحي العربي، بامتياز، لم يفلح في الخروج من دائرة المركزية الغربية، بل اكتفى بقلب الإشارات، محولاً الغرب إلى موضوع للنقد والتجريم، لكن دون أن يقدّم بديلاً معرفيًا حقيقيًا يفكك الثنائيات نفسها.

وهنا لا بد أن نتوقف عند إشكالية منهجية بالغة الأهمية، تتمثل في السؤال: هل من الممكن حقًا الخروج من البنية الاستشراقية الثنائية؟ أم أن أي محاولة للنقد ستظل أسيرة لهذه البنية، سواء بإعادة إنتاجها أو بقلب إشاراتها؟ هذا السؤال يضعنا أمام مفارقة معرفية حقيقية، حيث يبدو أن التمثيل بأشكاله كافة، هو لعبة لا نهائية من الانعكاسات التي تحافظ في العمق على ذات البنية، وكأن المركز والهامش وجهان لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما إلا بتفكيك العملة نفسها.

المركز المتخيل وانعكاساته المعرفية

إن ظاهرة المركز المتخيل في وعي الهامش ليست مجرد ظاهرة خطابية، بل لها جذور نفسية واجتماعية عميقة. فعلى المستوى النفسي، نجد أن المهمّش يعيش حالة من "الاغتراب الهوياتي"، حيث يصبح تعريفه لذاته مرتبطًا بصورته في عين الآخر. وقد بيّن علماء النفس الاجتماعي، وعلى رأسهم جورج هربرت ميد، أن تشكّل الذات يتم عبر "الآخر المعمّم"، أي عبر استيعاب نظرات الآخرين وتصوراتهم عن الذات. ومن ثم، عندما يكون "الآخر" هو المركز المهيمن يتحول وعي الهامش إلى مرآة تعكس تصورات ذلك المركز، مما يجعله أسيرًا لرؤية الآخر له بدل أن يبني رؤيته الذاتية المستقلة.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن هذه الظاهرة تتجلى بوضوح في سياسات التهميش والإقصاء، حيث يعيد المهمشون إنتاج خطاب المركز عنهم سواء في الأدب أو الفن أو حتى في السياسة. فالمثقف العربي كثيرًا ما يجد نفسه في موقع الدفاع عن "الذات العربية" ضد الصور النمطية التي يرسمها الغرب، لكنه في دفاعه هذا يتبنى إطارًا خطابيًا يحافظ على ذات الثنائية، وكأن الهوية العربية لا تُعرّف إلا عبر نفي الصورة الغربية عنها، مما يضعها في موقع رد الفعل الدائم لا موقع الفعل الخلاق.

وهذا يقودنا إلى ملاحظة جوهريّة، وهي أن الانقلاب التمثيلي لا يقتصر على المستوى الثقافي أو المعرفي، بل يمتد إلى المستوى السياسي والاقتصادي أيضًا. ففي العلاقات الدولية، كثير من سياسات الدول الجنوبية تجاه الشمال تتشكل في إطار رد الفعل على سياسات الشمال، مما يجعلها تتبنى خطابات مقاومة تحافظ على بنية الصراع الثنائي بدل أن تبحث عن آفاق جديدة للتعاون والشراكة الحقيقية. وهذا ما يفسر، في جزء منه، استمرار حالة الجمود في كثير من قضايا العلاقات الدولية، حيث يظل الطرفان أسيرين لنفس البنية التمثيلية التي تكرس الانقسام وتعزز الصور النمطية.

إن ما نحتاج إليه، إذًا، هو تجاوز منطق الانعكاس والاستنساخ المعكوس نحو تفكيك البنية الثنائية نفسها. وهذا يتطلب وعيًا نقديًا عميقًا يدرك أن التحرر الحقيقي من خطاب المركز لا يكون بقلب الإشارات، بل بإعادة النظر في الإطار نفسه الذي ينتج هذه الإشارات. وهو ما يمكن أن نسميه بـ"التحرر التمثيلي"، أي القدرة على بناء تمثيلات الذات والآخر خارج منطق الثنائيات والصراعات، وفي إطار من التنوع والتعدد والاعتراف المتبادل بالاختلافات دون تحويلها إلى أسباب للهيمنة أو التبعية.

وهذا يتطلب أيضًا، تجاوز "الإيديولوجيا الدفاعية" التي طالما سيطرت على الخطاب الثقافي العربي، نحو تأسيس خطاب نقدي ذاتي يبدأ من نقد الذات قبل نقد الآخر، ومن الاعتراف بالهزائم والإخفاقات كجزء من عملية البناء المعرفي، لا كعار يجب إخفاؤه أو تبريره. فالخطاب النقدي الذاتي هو وحده الكفيل بتفكيك الاستشراق من الداخل، لأنه لا يكتفي برفض صورة الآخر عنا، بل يسأل عن سبب قبولنا لهذه الصورة وإعادة إنتاجنا لها، وعن السبل التي يمكن من خلالها بناء معرفة ذاتية لا تستمد شرعيتها من نفي الآخر أو تقليده بل من عمق التجربة التاريخية والثقافية الخاصة.

الخاتمة: نحو آفاق جديدة للتمثيل

في ختام هذه القراءة، يمكننا القول إن ظاهرة الانقلاب التمثيلي تكشف عن عمق الإشكالية المعرفية التي تعاني منها العلاقة بين المركز والهامش، سواء على المستوى الثقافي أو السياسي أو النفسي. فالهيمنة لا تقتصر على السيطرة المادية بل تمتد إلى السيطرة الرمزية التي تجعل المهمّش يتبنى رؤية المركز عن نفسه، ويعيد إنتاجها كحقائق ثابتة. وهذا يجعل التحرر الحقيقي ليس مجرد تحرر مادي بل تحرر تمثيلي من منطق الثنائيات والانعكاسات.

إن الطريق نحو هذا التحرر يمر عبر وعي نقدي يدرك أن التمثيل ليس مجرد مرآة تعكس الواقع بل هو بناء لغوي وثقافي وسياسي يمكن تفكيكه وإعادة بنائه. وهذا يتطلب منا، كمفكرين وباحثين، أن نتبنى منهجًا نقديًا يتجاوز حدود النقد الدفاعي أو المعكوس، نحو نقد ذاتي يبدأ من الاعتراف بعلاقة الذات بآليات الإنتاج المعرفي التي تشكلها، ومن ثم العمل على إعادة بناء هذه الآليات في ضوء قيم التعدد والاعتراف والمواطنة الكونية.

إننا اليوم، في عصر العولمة والانفتاح الثقافي، أمام فرصة تاريخية لتجاوز الثنائيات التقليدية التي طالما هيمنت على الفكر الإنساني، سواء ثنائية الشرق/الغرب، أو الجنوب/الشمال، أو التخلّف/التقدّم. وهذه الفرصة تتطلب منا شجاعة نقدية تمكننا من النظر إلى أنفسنا بعين ناقدة ومن ثم بناء خطاب جديد يتجاوز منطق الانعكاس والاستنساخ نحو آفاق أرحب من التفاهم الإنساني والحوار الحضاري القائم على المساواة والاحترام المتبادل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق