وُلِدْتُ فِي قَرْيَةٍ مِنْ مَاءٍ - صالح لبريني - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الأحد، 26 يوليو 2026

وُلِدْتُ فِي قَرْيَةٍ مِنْ مَاءٍ - صالح لبريني

وُلِدْتُ فِي قَرْيَةٍ مِنْ مَاءٍ - صالح لبريني

(1)

أبزو

يا أبزو

حين حملت الذكريات على محمل الوقت

تركتك تطرزين الطريق بأعشاب طائشة

بأصوات ثكلى قادمة من جنوب الذاكرة

تبحثين عن فمك الظامئ

عن لسانك المصفّد بلعنة الليل

عن يدك التي ضاعت في المدى وهي تلقي

التحية على عزلة الجبال

عن خطوك الساطع من أدغال الموتى وهم

يضحكون كل مساء عن ظلال مسروقة

عن دوالٍ نسيت أسماء السواقي واتشحت بسوار الزّقّوم

عن وجوه تتزين بالمغيب

تمشي متخفّفة من نحيب الوقت

ضاع الطريق فيك

خرج فارغا من هدنة الموسيقى يرتق السماء بالأغنيات الشاردة

ويرتمى في صمت الفجاج حارسا الجنائن من السحاب

راعيا قطيع القيظ وجاثما على الهديل

وأنا لا أشبه ارتحالي

أعظ الصحراء بأن ترأف بالمنفى

الليل أن يتخفّف من ذبالة الذكرى كي لا تجرح هدنة الجدار

وتنزف الذاكرة الأسماء والأصوات والظلال وأنفاس الديار

وترتق العشق بأبجدية أخرى


(2)

أبزو

يا أبزو 

لا صوت لك وسط سلالة الإسمنت

لا ظلّ لك وسط زفير الرّمل وسَوْرة العاصفة

لا حفيف يطرق ساحَ الروابي ولا غناء يصّاعد من ناي الغريبة

كلّ الأسماء تغيّرت 

تغيّرت الوجوه ولم تتغيّر الجدران 

تغيّرت الطرق ولم يتغير السبيل إليك

تغيّرتُ لكنّ الطفل مازال هناك 

يركض خلف فراشات البراري ... ينصب الفخاخ لعصافير الظهيرة نكاية في القنّاصة

يرعى قطيع السّحب العابرة بارتباك طفوليّ ويفيء تحت سقيفة الصمت 

يرتّل آي الكرسي 

يقرأ فاتحة الكون ويضحك في وجه الشيخ

ويغور في حبر التكوين

حقّا 

لم أتعلّم شيئاً إلا من حروف تنساب في زهو الصلصال

وتغوي يدي في حضرة الفيض 

حيث قمرٌ يتنزّه فوق سطوح تسهر وتعيده إلى أوّله

قرب نوافذ تتزهّد في تخوم المنفى وتوغل في شيخوخة المعنى 

في رأفة خطاي الشاردة إلى آخره

وها أنا أدخل أبوابك 

يذبل خطوي

تذبل عيناي 

تذبل يدي والعتبات 

تذبل الكراسي والوجوه 

تذبل البيوت ويينع الوجوم

أصغي إليّ ولا أجدني

أدنو مني وأبتعد

أكشف عني وأحتجب

أغترب فيك ولا أتجدّد 

فتأتي إليّ مزنّرة بطيف من وقفوا على حافّة الغياب وما تاهوا 

مَن أقاموا في اللهب وما احترقوا

من أحالوا الورق أرقا وما انطفئوا

من قضوا عمرهم على كنبة الانتظار وما برموا

فمن أنا...؟ 

أنا الدغليّ الخارج من صبح المشيئة إلى نزهة الخطيئة

وفي داخلي أدعو الصفصاف والنخيل والحقول

وأخيط جرح الأرض بالغيم وأرقص متخفّفا من حلفائي

وخلفي باب اللفظ مُشرُعٌ

والأيّامُ تنكسر بين يديّ 

ينكسر الحلم جرحاً ينكسر الوشلُ ملحاً

ويكبر الصمت على العتبات ترحاً

تستند على خرابها وتتأوّه 

تسهر مهيضة الأمل وتتأفّف

أنا سليل الأدغال 

يحرسني الحفيف والرفيف واختيال العنادل 

تحرسني يمامات يرتّبن الفضاء ويسيجن الجسد بشعاع الشهوة

وضوء الجوارح

يحرسني نهرٌ الغابة قمرُ السماء والأرض 

تحرسني سنونواتُ المدى بغيوم تقطر بالسنابل ومواويل المناجل

برقصة أحيدوس وارتجاف وتر أمازيغي يعلّمني الحُبّ من كتاب الموسيقى

فيا أيتها الأرض اسمي

افتحي البيوت والنوافذ

افتحي الأبواب وحرضي المفاتيح  

أضيئي كانون الأمهات وقهوة المساء

أشعلي الركح بماء الجسد

فالشموس تعود من رحلتها الأبدية

صدى الأنفاس يعيد للأرض سيرتها الأولى

 وهذا النهر يحمل في جوفه وردة أخرى 

وها أنا العابرُ إلى نفسي

ولدتُ في قريةٍ من ماء

مشيتُ في طرق من ماء

تسلّقت جبال الماء

دنوتُ من كتاب الماء

وقرأتُ أسماء الجنائن والأكمات 

عتبات الفواكه واللذات

ربيعا لا ينصرف عن الربوات

وأبديةً لا تزولْ


(3)

أبزو 

يا أبزو

أعيدي الحصى لطريقي 

كي أصل إلى بيتنا ولا أصل

لن أصل 

فالأشواك ممتدة والفراغ يصهل 

والمدى آل

ظامئ إليك إليّ 

وما بينك وبيني سوى يقين شحاذٍ

وريبٍ هائل

وضوء يأفل  ويطول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق