![]() |
تمهيد
لا يكاد يفتح أحد المفكرين العرب فاه أيا كان الاتجاه علمانيا كان صاحبه أو
أصلانيا إلا ويقرع سمعك بهبل الجديد مع جوقته أو صيغة النظرية والعملية: الواقع
ودوره سواء في فكره الوضعي (نقد التراث في ضوء الواقع !) أو في فقهه الشرعي (تطوير
الفقه بفقه الواقع المزعوم!). فكيف نفهم المنزلة التي بات يحظى بها هذا الوثن وهل
يدرك المتكلمون باسمه وظائفه الوثنية في خطابهم وفي الوجود ؟ ذلك ما أريد أن أدقق
معناه فأحدد تصوره وأحصر دلالته قدر المستطاع بعلاج نسقي يبين خواء هذا المعبود
الذي بات مطلوب كلا الحزبين المرضعين لجراثيم الحرب الأهلية في البلاد العربية
جراثيمها التي تعج بها مزابل الفكر المنحط السائد على معركة نقد التراث المزعومة
توظيفا بالسلب عند العلماني أو بالإيجاب عند الأصلاني.
فالمعاني المتداولة عند موثني الواقع سواء كانوا من العلمانيين أو من
الأصلانيين لا تتجاوز الفهم العامي لتصور الواقع. إنها تدور كلها حول أمور ليس لها
علاقة بمعانيه في اللسان العربي ولا بمعانيه في القرآن الكريم كما نبينها لاحقا
فضلا عن معانيه العلمية والفلسفية بل هي مستمدة من تضمين خفي لمعاني الكلمات
الأجنبية التي يترجمون بها في لا وعيهم كلمة الواقع فيغلفون المفهومية العامية
بظرف اللغة الأجنبية: يغصبون فقه اللغة العربية على أن يرطن إفرنجي دون تمكن حقيقي
منهما فضلا عن الجهل بطبيعة التصور المثالية التي ترد إليها المعاني الفلسفية كما
سنرى. ألست ترى بعضهم يكلمك على فقه الكلمات العربية باثميولوجيا ما يتصوره مقابلا
لها في اللسان الفرنسي أو الإنجليزي.
وحتى في هذه العاهة فإنهم يذهبون إلى أفسد ضروبها وأقلها قربا من الدلالة التي
تستمد من العربية. فبدلا من المقابل الألماني Wirklichkeit الذي يمكن أن يقربهم من المعنى العربي لكلمة واقع لأنها تفيد الفاعلية الحقة
أو الأثر الذي بالفعل تراهم يذهبون إلى الاستمداد من اثميلوجيا كلمة فرنسية ذات
أصل لاتيني Resيعني الشيء كلمة فرنسية هي ريال Réel ويأخذونها في معناها الغفل بمعنى الشيء
المادي الخارجي لا بمعنى “الأمر” أو الشيء المجرد جاعلين ما لا يطابق هذا المعنى
الغفل وهما في أقصى أحكامهم صرامة على ما ليس بواقعي عندهم وفي أدناها صرامة
يقابلون بين ما في الذهن وما في العين اعتمادا على خرافة رد الفكر إلى المرآة
المنفعلة التي تعكس الواقع.
لذلك فسنقفو أثر هذا الصنم لحصر مقوماته بالمقابل مع الدلالة الخفية والوظيفة
المنسية لتصور الواقع في اللسان العربي وفي العلم والفلسفة والدين مقوماته التي
تعارض تمام المعارضة ما آل إليه أمره في التمثلات العامية للمعاني العقلية التي
جعلتها نخبنا شعارات فافقدتها وظائفها الحقيقية. وأملنا من القارئ أن يعذرنا فلا
يتهمنا بالتعسير في ما يتصوره قابلا للتيسير: فالمسألة بذاتها معقدة ولا ذنب لنا
في محاولة اقتصاص كل تشاجناتها بالمستطاع من التحرير الذي يقتضيه التحليل العقلي
الخبير. وهذه هي مسائل البحث:
1- مجال الدلالة ببعديه القرآني الخاص واللساني العام.
2-التأسيس النظري في
الفكرين الأصلاني والعلماني.
3- التأسيس العلمي في الفكرين الأصلاني والعلماني.
4-نتائج التأسيسين
على إبداع الأمة الرمزي والفعلي.
5- سبل التحرر من هذا الوثن وآثار التأسيسين.
مجال الدلالة القرآني واللساني
البعد القرآني الخاص : بخلاف المعتاد فإننا نبدأ بمجال الدلالة
القرآني الخاص لعلتين:
فأما العلة الأولى فهي ما يلاحظه أي متصفح لمعجم لسان العرب من تعذر الجمع بين
المعاني الكثيرة والمتناقضة لمادة “و.ق.ع.” في اللسان العربي من دون شواهد متواترة
كافية تمكن من حصر الاستعمالات الأساسية للمادة ومشتقاتها شواهد من نصوص موثوق بها
من الآداب العربية. فالدلالات التي ينسبها لسان العرب إلى مادة “و. ق. ع.” المجردة
تبدو عديمة الأصل الجامع لأنها أولا لا تكاد تحصى ولأنها ثانيا غير مصحوبة بشواهد
استعمال مقنعة تمكن من تحديد المعاني.
وأما العلة الثانية فهي أن القرآن يمكن أن يعوض فقدان الشواهد لأنه يعتبر حتى
عند من لا يؤمن به ويكتفي بتنزيله منزلة النص الأدبي المجرد بديلا ممكنا من
الشواهد المتواترة على استعمالات كثيرة لهذه المادة. فهو النص الوحيد الموثوق به
أكثر من أي مصدر آخر خاصة وكل علوم العربية فضلا عن جمع الأدبيات واللسانيات
العربية متأخر عنه في الزمان وفضلا عن كونه النص الذي ترد فيه مادة وقع ومشتقاتها
أكثر من عشرين مرة.
فمادة “و.ق.ع.” وردت فعلا أربعا وعشرين مرة في القرآن الكريم منها ثلاث عشرة
مرة في صيغة فعلية (9 في الماضي و2 فعل في المضارع و 2 في الأمر) وإحدى عشرة مرة
في صيغة مشتقات (7 اسم فاعل مذكر و2 اسم فاعل مؤنث صار علما على القيامة و1 اسم
مرة و1 اسم مكان).
والدلالة تراوح بين الوقوع بمعنى السقوط (مثل قعوا أو وقعت السماء عليهم
إلخ..) والوقوع بمعنى الحصول المجرد الفعلي أو المنتظر (وقع بهم أو وقعت الواقعة)
أو بمعنى وجوب الحصول (وقع عليهم القول من جنس حَق عليهم القول).
وينظر إليها ثلاثتها إما بذاتها أو بمحلها
أو بفاعلها أو بمفعولها أو بموضوع فعلها. وكل هذه المعاني لا تتضمن المقابلة بين
ما في الذهن وما في العين فضلا عن المقابلة بين الحقيقة والوهم بل هي تعني وجود
علاقة بين حدث وزمان أو بين حدث ومكان بصفات الحصول المجرد أو الحصول المنتظر
بإطلاق أو بتعيين متردد بين الإمكان والوجوب. وبذلك فإن هذا المعنى المتواتر في
الورودات القرآنية يؤول إلى خمس دلالات عنصرية هي:
1- الحصول المجرد
2- والحصول الموجه (الإمكان والوجوب والامتناع)
3- واثر الحصول في موضوعه موجها حسب ظرفيه
4- الزماني بتصريف الفعل (وقع يقع سيقع ) والزيادة (واقع توقع وقع )
5- والمكاني بمشتقات
ظرف المكان (موقع).
وهذا الحصر شبه النسقي يجعلنا نكتشف المسلك الهادي Der Leitfaden في الشبكة الدلالية التي يمكن أن تتمحور حولها معاني الواقع فييسر علينا
الولوج إلى نظام المجال الدلالي في اللسان العربي الذي يبدو شبه مستحيل لفرط تنوع
عناصره واختلافها.
البعد اللساني العام:
رغم ما ذكرنا من تعدد معاني المادة وتعارضها إلى حد يكاد يلغي كل إمكانية لتحديد
نواة دقيقة توحد بينها في مجال معين فإن أغلبها يدور حول فعل محدث للصوت وأثره
سواء أخذ من حيث ذاته أو من حيث فاعله أو من حيث مفعوله في متلقيه أو في موضوعه أو
من حيث جهة فعله المترددة بين الإمكان والوجوب أو من حيث ظرفيه الزماني والمكاني.
لذلك فإن محاولة حصر هذه الدلالات ليست مستحيلة إذا عدنا إليها من الفكرة الأولى
التي أوحت بها معانيها في النص القرآني معانيها التي توجهنا إلى مزيدات المادة
الأبرز في الاستعمال السائد على الأدب العربي عامة وعلى القرآن الكريم خاصة
المزيدات الدالة على مستويات التجريد اللساني لأنها علامات تصوير المادة القصدي.
وقد يكون من المفيد أن نستعمل طريقة في الحصر المنهجي لخارطة مجال الدلالة
تبدأ بحدي المعنى الأقصيين كما يبرزان من أهم مشتقين مزيدين من المادة ثم نرتب ما
بينهما كما يفعل الفلاسفة عادة في كل عمليات الحصر الشارط للسبر والتقسيم أو عند
تحديد العلاقة بين متعين الصورة ولا متعين المادة: مثل العلاقة بين متصل الصوت
والنغمات أو الحروف أو متصل الفضاء ومنفصل الأشكال إلخ..:
1- فمعنى الإيقاع الناتج عن إدراك نظام النقر
الموقع للحن هو بداية المعنى المركزي الذي نطلبه أو الحد الأدنى الذي يمكن اعتباره
جامعا لكل الزيادات التي تحدد معنى مادة وقع.
2- ومعنى التوقع
الناتج عن مفعول إدراك الموقع في نظام الإيقاع- في معناه المجرد الذي قد يكون جوهر
القانونية في الفكر العلمي والفلسفي من حيث هو دالة بين متغيرات الثابت فيها هو
علاقة الدالة- على وقوع ما نتوقع مواقعه يمكن اعتباره الحد الأقصى لهذا المعنى
المركزي لأنه ينطلق منه إلى مستوى تجريد أرقى.
3- وبين الحدين يمكن تعيين وسط هو الوقع الذي
هو في نفس الوقت الصوت الذي يحصل عند الوقوع عامة أو النقر خاصة وأثره في المتلقي
بمعنى أول أو بمعنى المعنى.
4- وبذلك نستطيع الوصل بين البداية وهذا الوسط وصلا ينتج عنه معنى وقع الإيقاع في
النفس المعينة ومعنى معناه في عالم التصورات المجردة التي نفترض لها محلا عقليا هو
في الفكر الديني الإسلامي اللوح المحفوظ وفي الفكر الفلسفي الكلاسيكي عالم
المعقولات.
5- ومن الوصل بين الوسط والغاية وصلا ينتج عنه معنى وقع التوقع في النفس المعينة
ومعنى معناه في عالم التصورات المجردة بمحله العقلي المشار إليه سواء من المنظور
الديني أو من المنظور الفلسفي.
فتكون المعاني كالتالي:
1- الإيقاع أو نسق
النقر الذي يضبط مدد الزمان ويقيسه
2- والتوقع أو نسق
التنزيل في المحال التي يقع فيها النقر نسقها الذي يضبط المكان ويقيسه. وذانكما
هما الحدان الأقصيان لمعنى الواقع أعني نسقي ظرف الزمان وظرف المكان
3- أما الوسط بين
الحدين على نفس البعد منهما فهو الوقع أو النقرة الناتجة عن السقوط في معناها الأول
أو معنى معناها
4- وبين الحد الأول
وهذا الوسط نجد معنى الوقع الرمزي أو وقع الإيقاع أي معنى المعنى أو التأثير
مرموزا إليه بأثر إيقاع الوقع الذي هو مادي ويعني الطرق والصقل والتثقيف والتحديد
5- ثم بين الوسط
والحد الأخير نجد معنى المعنى الثاني أو وقع التوقع أعني نظام العلامات كما يحصل
في توقيع المرء لشيء أو عليه شرطا في كل توقع.
وإذن فالوقع هو النواة المركزية للمعاني لكونه يتضمن المعنى (وهو مادي صرف)
ومعنى المعنى (وقد يكون ماديا أو معنويا صرفا) في نفس الوقت. وعنه يتفرع معنيان
هما الإيقاع ووقعه وكلاهما يمكن أن يكون ماديا كما في الموسيقى ووقعها أو معنويا
كما في الترتيب الذوقي عامة دون تعين في مادة بعينها ووقعه الجمالي. وهما يتفرعان
عنه رغم كونهما شرطا في نقله من معناه الأولى إلى معنى معناه. ويتفرع عنه معنيان
آخران بتوسط المعنيين السابقين هما التوقع ووقعه وكلاهما لا يكون إلا معنويا لأنه
فعل عقلي صرف مشروط في كل فاعلية إنسانية نظرية كانت أو عملية لما له من صلة ببعد
الزمان المقبل ومن ثم بما لا يمكن أن يوصف بالواقع في معناه العامي عند مفكرينا
العلمانيين أو الأصلانيين.
لذلك كان المحل الغائي في الحالتين هو محل
المعقولات فلسفيا واللوح المحفوظ دينيا مرورا بالمحل الأقرب أعني النفس البشرية
وليس ما يتوهمه علمانيونا أو أصلانيونا في تخيلاتهم العامية لصنم الواقع الخارج عن
العقل والنص والمحتكم إليه بالخروج من العقل والنص: ليس من خروج منهما إلا بالمعنى
المجازي الذي يصف موقفهم بكونه خروجا عن العقل والنص بمعنى فقدان معايير العقل
والنقل النقية وضوابطهما السوية.
جهل العلماني والأصلاني بطبيعة
التأسيس النظري
ليس في المعاني المتداولة عند موثني الواقع أي رائحة من كل هذه الدقائق بل هي
لا تتجاوز الفهم العامي لتصور الواقع الغفل الذي هو دون خيال الطفل. فهي تقتصر على
المقابلة بين ما في الذهن وما في العين اعتمادا على خرافة رد الفكر إلى المرآة
المنفعلة التي تعكس الواقع حتى وإن حرفت العكس بعض المواقف الإيديولوجية التي
يزيحونها بوهم:
1- التحليل النفسي
أو
2- التأويل
الاجتماعي أو
3- النقد الثقافي.
وتلك هي ثلاثية الأدوات التي يزعمون استعمالها دون سلطان حقيقي عليها ولا فقه
لشروطها. فهم يدعون أنهم يحتكمون إلى الواقع بواسطتها عند نقد النصوص والمواقف
احتكاما يصلهم وصلا مباشرا بالواقع الصلب فيحررهم من الأوهام والأحلام التي
ينسبوها إلى غيرهم ممن يجادل في تصورهم للواقع. ورأيي أنهم يجهلون مفروضات هذه
الأدوات إذ إنهم لو كانوا يفهمونها بمقتضياتها النظرية حقا لعلموا شروطها التي
ترفض تام الرفض المدلول العامي للواقع. فواقعها هو المجرد النظري المحدد لبنية
النفس في الأداة الأولى والمحدد لبنية المجتمع في الأداة الثانية والمحدد لبنية
المنظومات الجامعة بين محددات البنيتين السابقتين أعني المجرد المطلق المحدد لبنية
الترميز في الأداة الأخيرة.
فهذه النظريات النقدية جميعا تخلصت مما تردى إليه فكر أنصاف المثقفين من عامية
تمثلها نظرية الانعكاس التي تجاوزها حتى الفكر الماركسي البدائي. فلا واحدة منها
تعارض نصا بواقع غير نصي بل هي جميعا تعارض نصا (=موضوع) بنص (=ما بعد موضوع) أو
نظرية موضوع بنظرية ما بعد موضوع. مراجعة نص بواقع غير نصي أمر ممتنع بالذات إذ لا
نخرج من النص المنقود إلا إلى نص بديل هو النص المؤسس لفعل النقد: نص النظرية التحليلية
أو نص النظرية التأويلية أو نص النظرية النقدية وجميعها نصوص أكثر تجريدا من
الموضوع الذي تنطبق عليه.
كل هذه النظريات تحررت من صنم الواقع بالمعنى العامي الذي يحاكم به علمانيونا
التراث واختارت الواقع بالمعنى الذي حاولنا تحديد مقوماته من منطلق نص القرآن الأمين
وفقه اللسان العربي المبين. لذلك حق لنا أن نقول إن أقل الناس دراية بالعلوم
الحديثة هم أكثرهم كلاما عليها. وهم دون شك أكثرهم عقما لأن غاية ما يعلمونه هو ما
يشبه فعل الميكانيكي الرعواني الذي يطبق وصفات لإصلاح السيارات ولا يرتفع فكره إلى
النظريات في الإوالة أو فعل الممرض الذي يطبق الوصفات ولا يرتفع إلى فن الطب فضلا
عن علم الأحياء.
والغريب أن الأمر نفسه هو ما حصل منذ القرن الخامس الهجري الذي اكتمل فيه
استقلال الفكر الفلسفي العربي عن مجرد التعلم من اليونان بعد اكتمال مرحلة التقويم
النقدي للتراث اليوناني بخلاف ما يلوكه محرفو تاريخ العلوم في الحضارة العربية
الإسلامية. فقد كان أكثر الناس إبداعا للعلوم أبعدهم عن اجترار مبتذلات الدروس
الفلسفية الرسمية (الفلاسفة بالمعنى المتعارف) وعن كثرة الهذيان بالعقلانية
(المعتزلة والباطنية). فكل المبدعين في العلوم المنتسبة إلى الفلسفة لم يكونوا من
الفلاسفة ولا من المعتزلة بل من فرق أخرى وأغلبها أشعرية أو قريب من العقلانية
النقدية التي أسستها:
فالبيروني وابن الهيثم والطوسي والفلكيون والأطباء الكبار بعد سقوط بغداد لا
ينتسبون إلى الفلاسفة الذين كانوا شراحا لمدونة أرسطو لا غير ولا من الاعتزال الذي
لم يتجاوز دعوى العقلانية إلى العقلانية.
أما المحاولات النقدية الجدية للفلسفة التقليدية وتأسيس العلوم التي هي ما
اختص المسلمون بإبداعه قبل سواهم من الأمم-حتى إنه يمكن القول إن نسبة دور
المسلمين في تأسيس علوم الرمز والتاريخ إلى تطور العقل الإنساني هي عينها نسبة دور
اليونان في تأسيس علوم المنطق والطبيعة-فإنها كلها بدون استثناء أشعرية الهوى
والموقف النقدي من الفلسفة والاعتزال: فنقد الميتافيزيقا (تهافت الفلاسفة) ونقد
المتاتاريخ (فضائح الباطنية) ثورتان غزاليتان وعلوم الرمز والآداب (الجرجاني) والتاريخ
(ابن خلدون) وضعها مفكرو الأشعرية الذين هم أقل الناس ثرثرة حول العقلانية بل
وأكثرهم نقدا لها لكونهم أدركوا حقيقتها وشروطها فعملوا بها بخلاف المقتصرين على
الدعاية لها دون فهم ولا دراية بشروطها وحقيقتها.
وبين أنه لا علاقة لهذا الوثن بما يفهمه أي عاقل من عبارة القرآن:”إنما توعدون
لصادق وإن الدين لواقع” (الذاريات 6) بمعنى توقع يوم الحساب وانتظاره باعتباره
أمرا لا شك فيه عند المؤمن به لكونه سيحصل كما يتوقعه بمعنى انتظار المؤمن لما لا
ريب فيه إلى حد يفوق توقع العالم لما تقتضيه النظرية العلمية. فبما هو توقع لأمر
في الاستقبال ليس هو بعد واقعا بمعنى الواقع عند هؤلاء العامة الذين يتكلمون في
العقلانية بلا عقل فضلا عن كونه مجرد وهم في نظرهم إذ هو يتكلم في البعث الذي
يعتبرونه خرافة. كما لا يمكن أن يفهموا من الواقع ما يمكن أن يشتق منه مدلول “فلا
أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم” (الواقعة75) لأن القرآن عندهم كلام
محمد ومحمد أمي لا يمكن أن يكون عالما بدلالة مواقع النجوم وقيمتها في الفلك
العلمي. لذلك فلا يكون المقصود في رأيهم إلا المعنى السحري للتنجيم. وذلك عين
اللاواقع لأنه من أوهام المنجمين !
وهذا “الواقع” الصنم هو بهذا الفهم معين المعايير التي يحكمها مؤولو القرآن
والسنة وكل التراث مؤولوه من دجالي الزمان:
1- فالعلمانيون
يؤولون من هذا المنظور العامي وبالسلب المطلق استثمارا للتاريخية التي تحقق عندهم
التخلص من المقدس كما يفعلون عندما يرجعون النص إلى ظروف الحصول (بالمعنى
الماركسي) وأسباب النزول (بالمعنى التقليدي المردود إلى المعنى السابق). وقصدهم
إلغاؤه لأن مفعوله في زعمهم يزول بزوال ظروف الحصول وأسباب النزول: أمثال ناصر
حامد أبي زيد وهم قائلون بقراءة ماركسية في ماضي النص أي الفهم بمؤثر الزمان.
2- والأصلانيون
يؤولون من نفس هذا المنظور العامي وبالإيجاب المطلق استثمارا للقدسية التي تحقق
عندهم التخلص من التاريخ كما يفعلون عندما يتصورون أن لهم فقها للواقع يمكنهم من
تأويل الأحكام بما يماشي الزمان: أمثال كل الفقهاء المزعومين متنورين وهم في
الحقيقة قائلون بقراءة ماركسية في مستقبل النص أو التطوير بمؤثر الزمان.
لذلك كان كلا الاستثمارين العلماني والأصلاني العائق الأساسي أمام نشأة الفكر
المبدع عند كلا الحزبين النافيين لشروط التعالي الذي يؤسس للإبداع عامة والعلمي
والديني على وجه الخصوص فضلا عن كونهم المحرضين على الحرب الأهلية في ما وصفناه
سابقا بالدنكيخوتية العربية الحالية وصفا فينومينولوجيا وعللناه تعليلا
جينيانولوجيا. وتلك هي علة سعينا إلى محاولة تحليل هذا المفهوم تحليلا فلسفيا يحرر
الفكر العربي من وثن الواقع العامي فيعيد إليه حرية الفكر المبدع الذي يمتنع من
دون التعالي والمقدس حتى لو اقتصرنا على وظيفة الخيال في الإبداع ولم نذهب إلى
تسليم المؤمن بعكس العلاقة بين الطبيعة والتاريخ وما بعدهما نسبة للوجود الحق إلى
الثاني والوجود الخلب للمتقدمين عليه.
وقد اعتمدنا على مجال الدلالة اللساني الخالص بعد مجال الدلالة القرآني لتحديد
هذا المفهوم تمهيدا لطلب البديل مما تعطل من فعاليات حضارتنا في التأسيس الذي لا
نختلف في ضرورته مع الحزبين رغم رفضنا لنهجهم الخاطئ. وبذلك تكمل سلسة النصوص التي
عالجنا فيها هذه المسألة علاجا:
1- يصفها فينومينولوجيا في فينومينولوجيا الدنكيخوتية العربية
2- ويحللها تصوريا
في مقامة الراء الجاحظية
3- ويشخصها رسميا في
باطنية الفلسفة وظاهريتها
4- ويعللها تاريخيا
في جينيانولوجيا الليبرالية العربية
5- لنصل إلى الغاية
فنؤسس المراحل السابقة على تعليل شارح في نص الواقع.
تبين إذن من المعاني التي استخرجناها من تحليل الدلالات القرآنية واللسانية أن
الواقع ليس هو ما يقابل ما في الذهن فضلا عن أن يكون ما يقابل ما في الوهم منه بل
هو شبكة مثالية من البنى المجردة التي تتقدم على هاتين المقابلتين وتعللهما: إنه
يقبل التشبيه بما أطلق عليه أفلاطون عالم المثل التي بالقياس إليها يحكم لأمر من
الأمور بالوجود أو بالعدم ويرتب في سلم الحقائق من أدناه إلى أقصاه أو بما أطلق
عليه القرآن الكريم اسم اللوح المحفوظ الذي بالقياس إليه يتحدد الخلق (العالم
الطبيعي والنظر) والأمر (العالم التاريخي والعمل) ليصبح السعي لعلمهما والعمل
بسننها ممكنين. وبهذا المعنى فإن الواقع يمكن تعريفه سلبا وإيجابا بالصورة التالية:
فليس هو العالم الطبيعي كما يتوهم الحسيون بل هو منظومة قوانينه الرياضية
ومنطقها (وذلك هو موضوع العلوم التي نشأت مع مبدعي الفرضيات التحليلية التي تبدو منافية
لكل واقع كالخلاء المطلق والزمان والمكان المطلقين أولا ثم كالهندسة الرايمانية
لاحقا وهي أمر ذهني بل وأحيانا وهمي من منظور الواقعيين الأغفال)
وليس هو العالم التاريخي كذلك كما يتخيل الماديون الجدليون بل هو منظومة
قوانينه التي تحقق التكامل بين محددات تاريخ الإنسان الطبيعي ومحددات تاريخه
الثقافي ومنطقها (وذلك هو موضوع العلوم الإنسانية التي نشأت مع مبدعي الفرضيات
التأويلية التي تبدو منافية لكل واقع كقوانين الإنتاج المادي أو الاقتصاد أو
كقوانين الإنتاج الرمزي أو الثقافة في مقدمة ابن خلدون وكل ذلك من الأمور الذهنية
التي ينفيها أغفال الواقعيين).
الواقع هو إذن أمر لا يوجد إلا في النظام الرمزي (أي كل التراث الإنساني) الذي
تكون منه صورة تأويليلة في الذهن عند من لا يؤمن بما وراء العالم الطبيعي وما وراء
العالم التاريخي. وليس لهذا النظام وجود خارجي في هذين العالمين يمكن للسخفاء أن
يخرجوا إليه منه ومن تأويله في عقولهم ليقايسوا به النصوص التي يحاكمونها: فهم
أقصى ما يمكن أن يفعلوه هو أن يحاكموا نصا بنص في ضوء نظام تصوري ورمزي لاغير.
وكنا نقبل أن نخوض معهم لو زعموا أنهم يحاكمون نظام النصوص الدينية بنظام النصوص
العلمية أعني نظام الفرضيات الرياضية لعلم الطبيعيات ونظام الفرضيات السياسية لعلم
التاريخيات أو يحاكمون النصوص الأدبية بالنصوص الفلسفية التي هي نظام الفرضيات
الرمزية لعلم الرموز والفرضيات العقلية لعلم المنطق.
لكنهم أبعد الناس عن هذه الأصناف الأربعة
من العلوم: الرياضيات والسياسيات والرمزيات والمنطقيات لأن التمكن منها لا يكفي
فيه مضغ الإيديولوجيات إذ هي ولا شيء سواها يؤلف نسيج الواقعيات التي هي عين
المثاليات !
هم يتصورون الفاعلية في التخبط العملي على غير علم وينسون أن وضع نظرية
اقتصادية واحدة يمكن أن تغير كل العالم الاقتصادي أكثر مما تفعل كل النضالات
النقابية التي يتصورونها فاعلة للتاريخ دون سواها: فنظرية كايناس مثلا حققت للعمال
بتعديل النظام الرأسمالي ألف ضعف ما كان يمكن أن يحققه النضال النقابي الذي يمكن
أن يحقق زيادة طفيفة في الأجور لقطاع معين من العمال بدل النظرية المتكاملة
للاقتصاد الكايناسي. ونظرية واحدة في الفيزياء يمكن أن تحقق ثورة في الحرب أو في
الاقتصاد. ونظرية واحدة في الإحياء يمكن أن تحقق ثورة في الطب والصحة تغذية وعلاجا
أو في الزراعة تنمية وتطويرا.
ومجمل القول ومفصله هو أن العقل لا يؤثر في ما يسمونه الواقع مباشرة بفعل مادي
أو نضالي واقعي كما يتوهمون بل هو يؤثر في الواقع النظري بالأدوات النظرية التي
تمكن من فهم آليات الواقع المثالية فتستطيع من ثم إبداع أدوات مادية تفعل في
الواقع العامي فتغيره بما أبدعته من أدوات الفعل فيه. وبذلك يمكن لمهندس واحد أن
يفوق فعله في الحرب فعل مليون عسكري عامي أغلبهم يكون في الحرب مجرد آلة حاملة
لآلة. ويكفي أن نذكر أسطورة تنسب إلى أرخميدس هزيمة جيش كامل في شواطئ صقلية
بنظرية المرايا المحرقة ! وحتى ما في القلوب من إيمان يجعل العامة أكثر فاعلية من
المثقفين فإنه عامل روحي مشترك بين المهندس المبدع والجندي الصامد. فالأول يبدع
بدافعه الروحي والثاني يصمد بحرارة الإيمان. ثم إن هذا العامل النفسي هو بدوره ليس
من الواقع العامي حتى وإن بدا أكثر تأثيرا في العامة-في ظن العلمانيين الذي
يحتقرون المعتقدات لحسبانهم تأثيرها في العامة دالا على عاميتها- بل هو من الواقع
الروحي المجرد: المعتقدات التي في القلوب.
والمعلوم أن نسبة الإبداع الرياضي (بمعنى السنن المتعلقة بنظام الظاهرات
الطبيعية في تصور نيوتن أو أينشتاين وكل الأنساق التي يضعها الرياضيون نماذج
لمجريات الأمور في العالم الطبيعي من منطلق نظام مثالي) إلى الطبيعة هي عينها نسبة
الإبداع السياسي (بمعنى السنن المتعلقة بنظام الظاهرات التاريخية في تصور أفلاطون
أو ابن خلدون أو كل الشرائع من حيث هي سيناريوهات لمجريات الأمور في العالم
التاريخي من منطلق نظام مثالي).
وهم يرفضون أن يفهموا هذه الحقائق أو لا يستطيعون السمو إلى فضائها الرحب إذ لو فعلوا لاضطروا في تلك الحالة إلى التخلي النهائي عن صنمهم وأسطورة الاحتكام إليه في تحليل النصوص وتأويلها. ولشرعوا في العمل الجدي للإبداع العلمي بدل مضغ المبتذلات مما أكل عليه الدهر وشرب من النظريات التي شبعت موتا. فالنصوص عامة والنصوص المقدسة على وجه الخصوص هي التي تصنع الإبداع الذي يصنع الواقع المجرد الذي أشرنا إليه فيمكن من الفعل في الواقع العامي الذي يخرفون حوله ويقرأون تعاويذ جهلهم بمعاني التصورات الفلسفية التي يستعملونها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق