الهامش النشط وإعادة تعريف علاقة المركز بالهامش - عبد السلام مسعودي - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الأربعاء، 22 يوليو 2026

الهامش النشط وإعادة تعريف علاقة المركز بالهامش - عبد السلام مسعودي

الهامش النشط وإعادة تعريف علاقة المركز بالهامش

تمهيد: نقد منطق الرد والنقيض

يميل النقاد والمفكرون، في سياق مواجهتهم للخطاب الاستشراقي، إلى الوقوع في فخٍ منهجيٍّ عتيق يتمثل في الاعتقاد الجازم بأن مقاومة الاستشراق لا يمكن أن تتم إلا عبر نفيه المطلق والوقوف في نقيضه التام. هذا المنطق الثنائي، الذي يختزل العلاقة بين الشرق والغرب في معادلة صفرية يقوم فيها نفي الآخر على إثبات الذات، لم يعد صالحاً لفهم تعقيدات المشهد المعرفي الراهن، بل إنه يعيد إنتاج ذات البنية الثنائية التي أسس عليها الخطاب الاستشراقي نفسه هيمنته. إن مجرد الرغبة في الانقلاب على المركز لا تعني تحرراً حقيقياً منه، بقدر ما تعني استمرار التماهي مع منطقه ومحاكاة آلياته في تشكيل الآخر. ولذلك نقترح مفهوماً بديلاً يتجاوز هذه الثنائية العقيمة، ألا وهو "الهامش النشط " (Active Margin)، بصفته موقعاً نظرياً وسياسياً لا يكتفي بالرد على المركز أو مجابهته، بل يعيد تعريف العلاقة بين الطرفين من جذورها البنيوية، معيداً صياغة شروط الإنتاج المعرفي ذاته.

لا يطمح الهامش النشط، في تصورنا، إلى التحول إلى مركز جديد يحل محل القديم، فهذه الغاية لن تؤدي إلا إلى تدوير لعبة السلطة ذاتها تحت مسميات مختلفة. إنه يسعى بدلاً من ذلك إلى تفكيك الثنائية نفسها، أي إلى هدم الأسس الفكرية التي جعلت التقسيم إلى مركز وهامش ممكناً ومشروعاً في المقام الأول. وهذه المهمة التفكيكية لا تتيسر عبر الرفض الخارجي، بل عبر ما يمكن تسميته "الاستشراق التفكيكي " (Deconstructive Orientalism)، وهو ممارسة فكرية راهنة تستخدم أدوات الاستشراق المعرفية ذاتها، مناهجه ومفاهيمه وفئاته التحليلية، من أجل نسف بنيته من الداخل وكشف تناقضاته الذاتية. فالهامش النشط يدرك وعياً تاريخياً عميقاً أن الاستشراق ليس مجرد خطأ علمي قابل للتصحيح، أو تحيزاً عابراً يمكن تجاوزه بتحسين النوايا، بل هو بنية معرفية متكاملة، منسجمة مع مشروع استعماري وسياسي، ومن ثم فلا يمكن تفكيكها إلا عبر الدخول إلى قلب هذه البنية وممارسة القراءة المضادة لنصوصها، وإظهار ما تضمره من تناقضات وإشكاليات. إنه أشبه بعملية زرع فيروس في نظام تشغيلي، حيث تُستخدم لغته وأوامره ذاتها لإحداث خلل في منظومته المنطقية. وهذا التفكيك لا يتأتى بالرفض المطلق، فهذا الأخير يظل أسير المنطق نفسه الذي يرفضه، بل يتم عبر الانغماس في النص الاستشراقي ذاته، وممارسة قراءة تأويلية تكشف هشاشته وزيف ادعاءاته الموضوعية، وتظهر كيف أن معرفته بالشرق هي في الحقيقة معرفة بالذات الغربية أكثر منها معرفة بالآخر.

من هنا يبرز مفهوم "الاستشراق الداخلي " (Internal Orientalism)، حيث يعيد الهامش إنتاج خطاب المركز، لكن بقصد تخريبي واضح، أي أنه يقلد النمط الاستشراقي ويحاكيه، ليس للتأكيد عليه أو تكريسه، بل لكشف سخافاته وتفكيك تماسكه الظاهري. هذه المحاكاة الساخرة، أو التقليد الناقد، تفضح كيف أن الاستشراق يعتمد على مجموعة من الافتراضات غير المبررة والتصنيفات الاعتباطية، وأن صوته الناطق باسم الحقيقة العلمية ليس سوى صوت سلطة تبحث عن شرعنة ذاتها. وفي هذه المناورة التفكيكية، يتحول الهامش من مجرد موضوع في خطاب المركز، من مادة خام تصاغ وفقاً لأهواء المستشرق، إلى فاعل معرفي يمتلك القدرة على إعادة كتابة قواعد اللعبة المعرفية ذاتها. إنه ينتزع من المركز سلطة التمثيل، ليس ليحل محله في تلك السلطة، بل ليفضح أن السلطة ذاتها هي المشكلة، وأن أي تمثيل، مهما كان مصدره، يظل مشوباً بعلاقات القوة وينبغي التعامل معه بنقد دائم ويقظة مستمرة.

إدوارد سعيد والامتدادات المعاصرة للاستشراق التفكيكي

لقد جسد إدوارد سعيد، في مشروعه النقدي الكبير، هذا النموذج من التفكيك الاستشراقي بأبهى صوره، حيث استخدم المناهج الغربية ذاتها، لا سيما تصورات ميشيل فوكو حول علاقة الخطاب بالسلطة، ومناهج التفكيك الدرايدية، لتفكيك البنية الاستشراقية من الداخل. فكتابه "الاستشراق" لم يكن مجرد نقد خارجي لخطاب غربي عن الشرق، بل كان قراءة داخلية، تفكيكية، لتلك النصوص التي شكلت المعرفة الغربية عن المشرق، مظهراً كيف أن هذه المعرفة لم تكن محايدة أو علمية، بل كانت جزءاً من آلة استعمارية وسياسية. سعيد، بوصفه مثقفاً هامشياً يحمل جنسية مزدوجة وينتمي إلى ثقافتين، استطاع أن يشغل موقع الهامش النشط بامتياز، مستخدماً أدوات المركز لنقض مركزية المركز ذاته، ومثبتاً أن التفكيك لا يتم من خارج المنظومة بل من داخلها، وأن المعرفة النقدية الأكثر فاعلية هي تلك التي تنطلق من متاهات الخطاب نفسه. هذا التوظيف المزدوج، حيث يكون الناقد في آن واحد داخل النص وخارجه، منتمياً إلى تراثه ومتشبعاً بمناهج الغرب، هو ما جعل مشروع سعيد استشراقاً تفكيكياً بامتياز، ونموذجاً رائداً في توظيف موقع الهامش لإعادة تشكيل العلاقة مع المركز.

تمتد جذور هذا المفهوم في العصر الراهن إلى حقول ثقافية وفنية متعددة، تبرز بشكل خاص في الفنون الرقمية والسينما المستقلة. فنانون من الجنوب العالمي، ينتمون إلى مجتمعات كانت موضوعاً للاستشراق، يستخدمون اليوم وسائل الإعلام الغربية ومنصات التواصل الاجتماعي، نفس الأدوات التي كانت تستخدم لتثبيت الصور النمطية عنهم، من أجل إنتاج محتوى بصري وسمعي يعيد تشكيل تلك الصور ويكسر قوالبها الجامدة. ففي فلسطين، على سبيل المثال، تبرز مشاريع "فن المقاومة" التي تستخدم اللغة البصرية الغربية، تقنيات التصوير والسرد الدرامي، لتقديم رواية فلسطينية عن الذات، مكشوفةً زيف الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للفلسطيني كإرهابي أو كضحية سلبية. هذه الأعمال لا تكتفي بالرد على الصورة الغربية، بل تخلق فضاءً بصرياً جديداً تعيد فيه تعريف الهوية الفلسطينية من داخلها، وبما يتجاوز ثنائية الضحية والجلاد.

وفي السينما الإيرانية، يقدم المخرج الراحل عباس كيارستمي نموذجاً فريداً لهذه الممارسة التفكيكية. ففي أفلامه، التي نالت شهرة عالمية واسعة، لا يقدم كيارستمي الشرق كموضوع للمشاهدة الغربية، بل يقدم قراءة بصرية معقدة للغرب من خلال عدسة شرقية، لكنه في الوقت ذاته يفضح حدود هذه القراءة ويعري ذاتيتها. إن أفلامه، مثل "طعم الكرز" و"عشرة"، لا تقدم إجابات جاهزة عن الشرق أو الغرب، بل تطرح أسئلة مفتوحة عن العلاقة بين الذات والآخر، عن الرؤية والمرئي، عن السلطة والمعرفة. هي دعوة لمشاهدة معقدة، تتجاوز التبسيطات الثنائية، وتعترف بأن كل رؤية مشروطة بسياقها وموقعها. وهذا النشاط الفكري التحويلي، سواء في الفنون الرقمية أو السينما أو الأدب، يحول الهامش من كونه مجرد موضوع في خطاب المركز إلى فاعل رئيسي في إعادة كتابة قواعد اللعبة المعرفية ذاتها، مساهماً في خلق فضاءات ثقافية جديدة تتسم بالتداخل والتعقيد والتعددية.

التداخل الاستشراقي: تفكيك حدود المركز والهامش

نصل هنا إلى مفهوم محوري آخر، هو "التداخل الاستشراقي " (Overlapping Orientalism)، وهو ذلك المشهد المعرفي والثقافي الذي تتداخل فيه حدود الأطراف والمراكز حتى تصبح غير قابلة للفصل، وتفقد القدرة على التحديد الدقيق. ففي عالم العولمة المعولمة، والهجرات البشرية المتدفقة عبر القارات، والفضاءات الرقمية التي تتجاوز الجغرافيا، لم يعد المركز محصوراً في موقع جغرافي ثابت أو حضاري محدد، كما لم يعد الهامش مقتصراً على هوامش الخريطة أو على مجتمعات ما بعد الاستعمار. لقد أصبحنا أمام مراكز متنقلة وهوامش متحركة، تتشكل وتتغير بحسب السياق والموقف والعلاقة. فالمهاجر السوري في برلين، على سبيل المثال، قد يعيش كمواطن من الدرجة الثانية في السياسة الألمانية، متعرضاً للتهميش والعنصرية، لكنه في الوقت نفسه، وداخل مجتمعه المهاجر، قد يصير مركزاً ثقافياً ومرجعياً في نقاشات الهوية والتراث، ممثلاً للذاكرة الجمعية وناقلاً للتقاليد. وبالمثل، الأكاديمي الغربي المتخصص في الدراسات الشرقية، الذي يحظى بمركزية كبيرة في جامعاته الغربية وبين زملائه، قد يتحول إلى مجرد هامش حين يزور القاهرة أو دمشق، حيث يواجه معارف محلية تمتلك تراثها وتاريخها بلغته الأصلية، وتتفوق عليه في فهم تعقيداته، مما يقلب الأدوار ويعيد تعريف من هو المركز ومن هو الهامش.

هذا التداخل الخلاق ينتج ما يمكن تسميته "استشراقاً معقداً " (Complex Orientalism)، لا يمكن إدراكه عبر الثنائيات الصارمة التي ورثناها عن الحداثة، بل يقتضي تحليلاً سياقياً مرناً وقادراً على قراءة كل موقع ثقافي بوصفه توليفة خاصة من الهامشية والمركزية، مزيجاً فريداً من القوة والضعف، من المعرفة والجهل، من الهيمنة والمقاومة. ومن هنا تنبع أهمية "الاستشراق التفاضلي " (Differential Orientalism)، الذي ينظر إلى الظاهرة الاستشراقية كطيف واسع ومتشعب يمتد من الخطاب الصريح والواضح إلى المضمر والمسكوت عنه، ومن المستوى السياسي والأيديولوجي إلى المستوى الثقافي والشعبي، ومن المرئي والمعلن إلى الخفي واللامرئي، مروراً بمناطق رمادية لا تخضع لتصنيفات حادة. هذا المنظور التفاضلي يسمح بفهم أكثر دقة لكيفية اشتغال الاستشراق في سياقات متعددة، وكيف يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة بحسب الجهة الفاعلة والموضوع الممثل والجمهور المتلقي.

يتجلى هذا التعقيد بوضوح في منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتبادل مستخدمون من الشرق والغرب صوراً ونصوصاً ومقاطع فيديو عن بعضهم البعض، في عملية استشراقية جماعية ومستمرة، لكنها غير مركزية ومتعددة الاتجاهات، ولا تخضع لسيطرة جهة واحدة. فقد نرى شباباً عرباً يقلدون لهجات غربية ويتبنون أنماط حياة مستوردة، وفي المقابل، نجد غربيين يتبنون موضات شرقية ويستهلكون منتجات ثقافية من الشرق، مما خلق فضاءً بصرياً وسلوكياً تختلط فيه التمثيلات وتتداخل وتتفكك الحدود التقليدية بين الذات والآخر. هذه الممارسات، رغم بساطتها ويوميتها، تعكس تحولاً عميقاً في بنية الاستشراق ذاته، حيث لم تعد السلطة حكراً على طرف واحد أو محصورة في اتجاه واحد، بل أصبحت موزعة ومنتشرة بين فاعلين متعددين، مما يفتح الباب أمام أشكال جديدة من البصريات المتبادلة والحوارات الثقافية غير المسبوقة، التي قد تتجاوز في بعض لحظاتها خطاب الهيمنة الكلاسيكي، وتخلق إمكانيات جديدة للتفاهم والتبادل، وإن ظلت مشوبة بعلاقات القوة وعدم التكافؤ.

الاستشراق المعكوس كإنتاجية فكرية

في ختام هذا المسار النقدي، نطرح سؤالاً جوهرياً ومثيراً للجدل: هل يمكن للاستشراق، ذلك الخطاب الذي طالما ارتبط بالهيمنة والاستعمار، أن يتحول إلى أداة إيجابية؟ بالطبع، لا نقصد هنا النموذج التقليدي المتعالي للاستشراق، الذي يقوم على نظرة الغرب المتفوقة للشرق، بل نشير إلى نمط جديد يمكن تسميته "الاستشراق الإيجابي " (Positive Orientalism)، وهو ذلك النمط الذي يوظف فيه الهامش أدوات التمثيل الاستشراقية ذاتها، ليس لتأكيد هيمنة المركز، بل لإنتاج معرفة بناءة عن ذاته، وعن الآخر، وعن العلاقة بينهما. عندما يتأمل المثقف الشرقي الغرب بعين استشراقية، أي عندما ينظر إلى الغرب كموضوع للمعرفة والتحليل، فقد ينتج صوراً نمطية مبسطة، وهذا وارد، لكنه قد ينتج أيضاً تأملاً نقدياً خصباً ومعقداً يسهم في فهم أعمق للذات وللآخر معاً. فالاستشراق الإيجابي لا ينفي وجود السلطة أو يتجاهلها، بل يعيد توزيعها، فيصبح الهامش منتجاً للمعرفة وفاعلاً فيها، لا مجرد موضوع لها ومادة خام في أيدي الآخرين. وهنا تتحقق "الانعكاسية المعرفية" الكاملة: الهامش لا يصير مركزاً بديلاً يتغلب على المركز القديم ويحل محله، فهذا من شأنه أن يعيد إنتاج ذات المنطق الثنائي القائم على الإقصاء، بل يصير مركزاً يسعى لإرساء "تعددية مركزية"، أي تعدد المراكز المعرفية والثقافية، وتفكيك احتكار الحقيقة الواحدة والمطلقة التي يدعي كل مركز امتلاكها.

يمكن رؤية هذه الديناميكية في جهود مفكرين عرب وشرقيين كتبوا عن الغرب من موقع هامشي ونقدي، مثل المثقف الباكستاني طارق علي أو الروائي اللبناني الفرنسي أمين معلوف. هؤلاء المفكرون، الذين ينتمون إلى ثقافات شرقية ويعيشون في الغرب، قدموا رؤى نقدية ثرية عن المجتمعات الغربية، تجاوزت الانتقامية والعاطفية نحو حوارية بناءة، وحاولوا فهم الغرب من داخله، ليس كعدو أو آخر مطلق، بل كواقع مركب ومعقد يستحق الدراسة والتأمل. كتاباتهم، التي تمزج بين الخبرة الذاتية والتحليل الموضوعي، تقدم نماذج للاستشراق الإيجابي، حيث تصبح نظرة الشرق للغرب أداة لفهم الذات في مرآة الآخر، وكشف الافتراضات المتبادلة والأوهام المشتركة.

وفي السينما، نجد أفلاماً مثل المسلسل التركي "وادي الذئاب" الذي يقدم استشراقاً معكوساً للغرب، حيث تعيد الدراما التركية إنتاج الصور النمطية عن الأميركي والصهيوني، لكنها تفعل ذلك من موقع هامشي يسعى إلى موازنة الخطاب الاستشراقي الغربي. ورغم حدّة هذا الخطاب المضاد وسقوطه أحياناً في ذات المبالغات التي ينتقدها، فإنه يفتح نقاشاً مهماً حول التمثيل المضاد وإمكانية تجاوز الكليشيهات والصور النمطية نحو خطابات أكثر تعقيداً. غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه الممارسات هو تحويلها من مجرد ردود فعل عاطفية أو انفعالية، إلى مشاريع معرفية مستقلة، قادرة على بناء خطاب بديل حقيقي، دون الانزلاق إلى ذات المصيدة الثنائية التي تنتقدها. وهنا تكمن أهمية "الاستشراق التفاعلي"، ذلك النمط الذي لا يكتفي بعكس الصورة التي يرسمها الغرب عن الشرق، بل يسعى إلى خلق فضاء مشترك للحوار والتفاوض البصري والثقافي، حيث يمكن للأطراف المختلفة أن تتبادل الأدوار والمواقع، وتتنقل بين المركز والهامش، دون أن يستحوذ أي منها على موقع السلطة المطلقة أو يدعي امتلاك الحقيقة النهائية.

خاتمة: نحو استشراق ما بعد الهامش

فحين يتحول الهامش من موقع سلبي، يتلقى المعرفة الجاهزة عن ذاته من المركز، إلى موقع نشط، ينتج المعرفة ويعيد تعريف شروط إنتاجها، فإنه لا ينقلب على المركز القديم فحسب، بل ينقلب على منطق "المركزية/الهامشية" نفسه، على تلك الثنائية التي ظلت تهيمن على الفكر الغربي والشرقي على السواء. وهذا التحول الجذري هو ما نسميه "الاستشراق ما بعد الهامش " (Post-Marginal Orientalism)، وهو ليس نهاية للاستشراق أو إلغاء له، بل تحول في جوهره وغايته: من نظرة أحادية ومركزية، إلى بصرية تفاعلية ومتعددة؛ ومن معرفة متعالية تدعي الموضوعية، إلى معرفة حوارية تعترف بذاتيتها وحدودها؛ ومن خطاب هيمنة، إلى فضاء للتفاوض والتلاقح. فالهامش، بهذا المعنى المتجدد، ليس مجرد "الآخر" الذي يصنعه المركز ويعرفه، بل هو "الآخر الداخلي"، ذلك العنصر الحيوي الذي يحمل في طياته إمكانية إعادة تشكيل العلاقة بين الذات والغير من أساسها، نحو فضاء بصري جديد، تتعدد فيه المراكز وتتنوع فيه البصريات، دون أن تستوي أي منها على عرش الهيمنة المطلقة أو تدعي امتلاك الحقيقة النهائية. إنه دعوة إلى عيش الاختلاف، ليس كتهديد أو نقص، بل كثراء وإمكانية، وإلى إنتاج المعرفة، ليس كسلطة، بل كممارسة حوارية مفتوحة على الدوام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق