![]() |
لعل
ما أزعج الكثير من المستشرقين في أطروحات إدوارد سعيد هو كونها تخطت مسألة “موضوعية” المعرفة الاستشراقية من عدمها إلى ممارسة نوع من الإناسة الثقافية
والإبستومولوجيا النفسية على هذه المعرفة ذاتها، أي اتخذت من شروط إنتاج المعرفة
الاستشراقية موضوعا ولم تهتم بالمعرفة الاستشراقية ذاتها. وعلى المستوى العربي
أعتقد أن ما هو مطلوب حين تعاملنا مع الاستشراق ليس هو نصب محكمة ثنائية القيم
معتدل/متطرف، منصف/غير منصف، متعاطف/متحامل، الخ، وغيرها من الثنائيات التي تحمل
في طياتها أحكاما عامة وغير دقيقة، حتى أنه يصح أن نطلق على كثير منها كتب “موازين”، لأن عناوينها غالبا ما تأتي تحت مسميات من مثل الاستشراق في
الميزان، والمستشرقون في الميزان، والدراسات الاستشراقية حول السنة في الميزان..
وقليل هم من تفرغوا لدراسة الاستشراق في سياقاته القومية أو الوطنية المحددة مثل
دراسة الاستشراق الفرنسي أو الهولندي أو غيرهما في محاولة لاستجلاء شروط تكونه
المعرفية والتاريخية أو رصد لخصوصية له قد تميزه عن غيره. والواقع أن ذلك يبدو لنا
ضرورة معرفية ومنهجية تقتضيها شساعة الظاهرة الاستشراقية ذاتها.
يظن كثيرون أن للاستشراق
الإسباني خصوصية بالمقارنة مع باقي قطاعات الاستشراق الأوروبي ومنبع هذا الظن هو
خصوصية العلاقة التاريخية بإسبانيا وثقافتها، من جهة، وخصوصية العلاقة الجغرافية
بها، من جهة أخرى، تلك الخصوصية جعلت من إسبانيا أقرب بلد أوروبي غربي إلى العالم
الإسلامي. في الواقع لا يمكن للمرء أن ينكر بعض ملامح هذه الخصوصية، لكن ليس على
مستوى مادة الاستشراق ومنهجه، بل إن كانت هناك من خصوصية فهي قائمة على المستوى
النفسي للمستشرق الإسباني ذاته. أما من جانب المنهج فيجمع الدارسون للاستشراق
الإسباني أنه “لم يفرط أبدا
في مقتضيات المنهج الغربي المعتمد في شرقنة الشرق. لم يفرط فيما يثوي خلف هذا
المنهج ويسنده من تصورات ومفاهيم للهوية والغيرية، تسوغ لديه تمركزه على ذاته
وتمحوره حولها. كما أنه لم يتزحزح قيد أنملة عن الثوابت المعرفية لذات المنهج، ولا
عن آلياته وأدواته الإجرائية التي يخضع بها الشرق إلى دراساته ومعالجاته” (من كتاب: الإسلام في تصورات الاستشراق الإسباني: من ريموندي
لولوس إلى أسين بالاسيوس”/ عبد الواحد العسري).
وفي الحقيقة أن الخصوصية على هذا
المستوى هي من أمنيات الدارس العربي أكثر منها واقعا تاريخيا فعليا. إن الخصوصية
التي يمكن المجازفة بالقول بها هي خصوصية علاقة الاستشراق الإسباني بموضوعه.
فالمستشرق الإسباني يجد كثيرا من تاريخه وتاريخ ثقافته ثاويا في ثنايا موضوع
دراسته، أي الإسلام تاريخا وثقافة وحضارة. فلم تكن القرون الثمانية من الحضارة
العربية الإسلامية في الأندلس، مجرد قوسين كما يقول بذلك الدارسون القوميون المتعصبون،
وعلى رأسهم سانشيز أ لبورنوس، بل لقد تشكلت الهوية الإسبانية من جديد، واكتسبت،
ثقافيا ولغويا وحضاريا، أبعادا لا يتمتع بها بلد أوربي آخر.
ويفصلنا اليوم ما يناهز القرن من
الزمن عن تلك السجالات القوية والدالة، التي دارت رحاها بين المثقفين الإسبان، حول
الهوية الإسبانية ومكوناتها الأساس، وأبعادها، وملامحها. وكما نعرف كان أمريكو
كاسترو، وهو المثقف اليساري، يعتبر أن هذه الهوية متعددة الأبعاد، ويقرر أن الأمة
الإسبانية هي “ثمرة ملتقى
ثلاث ثقافات وديانات وهي اليهودية والمسيحية والإسلام “، ومن ثم رفض مقولة إن الإسلام قد شكل انقطاعا للهوية الإسبانية،
وأنها ما لبثت أن استردت ملامحها بعد خروجه، ويقرر أن هوية إسبانيا لا هي شرقية
ولا هي غربية. وفي مقابل ذلك حاول كلوديو سانشيز ألبورنوس أن يثبت أن الحضارة
الإسلامية عبارة عن قوسين، فتحا لفترة تاريخية، ثم ما لبثت الحضارة الإسبانية أن
رجعت إلى “جذورها
الأوربية النقية”، التي
اكتسبتها مع الغزوات الرومانية والقوطية والسلتية.
لقد أنصفت الأيام تيار أمريكو
كاسترو على مستوى الدراسات الاستشراقية. فلقد اعتبر “الفكر الإسلامي الأندلسي” مكونا أساسا من مكونات تاريخ الفكر الإسباني، واعتبر كثير من
أعلامه مثل ابن حزم وابن رشد وابن عربي وابن باجة وابن طفيل وابن زيدون وابن مسرة،
شخصيات إسبانية مرموقة في تاريخ الفكر الإسباني العام. و”لذلك لم يشكل الفكر الإسلامي وأعلامه كما يقول الدكتور عبد الواحد
العسري في كتابه الشيق المذكور أعلاه «آخرا تام الغيرية»، مع أن الهوية الإسبانية اعتبرها كثير من المفكرين الإسبان وعلى
رأسهم أرتيجا دي كاسي “ماهية تاريخية صرفة”.
لكل ذلك، إن خصوصية الاستشراق الإسباني
لها علاقة وطيدة بمشكل الهوية الذي أثير ولا زال يثار من حين إلى آخر في الساحة
الثقافية الإسبانية. ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن الذاكرة الإسبانية مسكونة
بكثافة وقوة بالميراث الأندلسي، إن سلبا أو إيجابا، وتكاد رحى السجالات الثقافية
والفكرية تدور حول هذا الماضي المجيد حسب البعض، والمكلف، حسب البعض الآخر.
وعموما لقد راكم الاستشراق
الإسباني تراثا هاما وضخما منذ بداية القرن الثامن عشر مع ثلة من المستشرقين مثل
خوسي أنطونيو كويندي وبسكوال دي غايانغوس وفرانسيسكو خافيير إي سيمونيت.
ويكفي
في هذا السياق مثلا أن نذكر أنه بين سنة 1970 و1990 أصدرت المطابع الإسبانية أكثر
من 822 كتابا عن الأندلس الإسلامية.
لقد كان من بين المستشرقين
الإسبان الأوائل من اعتبر عمله الاستشراقي موصولا ب”الجهاد” ضد المورو أي المسلم، الذي بدأته محاكم التفتيش و حروب الاسترداد
الإيزابيلية. فعمل هذا الصنف عموما على التقليل من شأن الإسهام الإسلامي، بل
وتحميله وزر تأخر إسبانيا عن باقي الدول الأوربية، وهي قناعة “ساذجة” لا تزال للأسف
تعشش في ذهن اليمين الإسباني، وتعمل على انبعاثها التوترات السياسية الداخلية بين
يمين ويسار من جهة، والمناوشات الخارجية مع المغرب خاصة، من جهة أخرى. وهناك فئة
أخرى، كما ذكرنا سالفا، استطاعت الانفلات من قبضة الرؤية الكنسية الضيقة وأزاحت عن
ربقتها أسطورة “الدم الإسباني
النقي”، التي قال بها
كثير من مؤرخي بداية القرن العشرين. نذكر من الفئة الثانية أسين بلاسيوس وجارثيا
جومث وأنخيل بالنثيا وفليكس باريخا وآخرين كثر، لا يتسع المجال لذكرهم.
ونعتقد أن الاستشراق الإسباني لا زال ظاهرة خصبة لإعمال الدراسة الإناسية الثقافية، وممارسة ما أسميناه بالابستومولوجيا النفسية، فقد كان أقل دراسة من قبل الباحثين العرب والمسلمين.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق