تراجيديا الموت! تأمّلات في سيكولوجيا المواجهة - علي أسعد وطفة - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الجمعة، 28 أغسطس 2026

تراجيديا الموت! تأمّلات في سيكولوجيا المواجهة - علي أسعد وطفة

تراجيديا الموت ! تأمّلات في سيكولوجيا المواجهة

مونتين: أن نتفلسف هو أن نتعلّم كيف نموت. 
شوبنهاور: الموت هو المُلهم الحقيقيّ للفلسفة، ولولاه لما تفلسف البشر.
الكاتب: لا تغادرنا فكرة الموت والخوف منه منذ اللحظة التي نعي فيها وجودنا.


مقدّمة :

يقول نيكولاس بيردييف (Nicolas Berdiaeff) إنَّ “الموت هو الحقيقة الأعمق والأكثر دلالة في الحياة نفسها، لأنَّه يأخذ بالإنسان فوق ظواهر حياته اليوميّة السطحيّة؛ إنَّه الشيء الوحيد الذي يجعلنا نفكّر في معنى الحياة ذاتها، والحياة نفسها لا معنى لها إلّا في دلالة الموت عينه.

يُشكّل الموت هاجسًا وجوديًّا في الإنسانيّة جمعاء، وهاجسًا إنسانيًّا في الكائن الإنسانيّ منفردًا. وإذا كانت الحياة تمثّل الهبة الأولى التي تودعها الطبيعة للإنسان، فإنَّ الموت هو العطاء الأخير الذي تقدّمه له. ولا تكتمل حياة من غير موت، لأنَّه في الموت تكمن حكمة الحياة، ولأنَّ الحياة نفسها تفقد معناها من غير الموت بوصفه نقيضًا يمنحها معناها ودلالتها. فالموت مخادع كبير، وهو سيأخذنا جميعًا؛ إنَّه قدرنا، إنَّه يتخطّف أحبّتنا وأغلى من هم لدينا، إنَّه يخطف حياتنا ويباغتنا دون مقدّمات، ويُسقط القناع عن هذا الفراغ الوجوديّ الذي يمتلكنا؛ إنَّه يصفعنا بقوّته الهائلة التي تفوق كلّ تحديد ووصف.

في حياتنا اليوم تطالعنا مشاهد الموت في تدفّقات لا تتوقّف؛ فمشهد الموت هو أكثر المشاهد الإنسانيّة الدراميّة حضورًا وتواترًا في حياتنا، وقد يكون هذا المشهد أكثر المشاهد الدراميّة الإعلاميّة تأصّلًا في عالمنا اللاشعوريّ وفي عقلنا الباطن. ويرتبط هذا المشهد بدراما الحرب ومأساويّة الصراع الإنسانيّ متجسّدًا في العنف والقتل والمذابح الجماعيّة فتكًا بالإنسان والإنسانيّة. ومع تدفّق الصورة الإعلاميّة المتموّجة بالعنف والمضرَّجة بالدماء، فإنَّ هذا المشهد يصف حياة الآخر وموته ودماءه وفناءه الإنسانيّ. فنحن نشهد الموت في ساحة الآخر؛ فالموت موت الآخر وليس موتنا، زوال الآخر وليس زوالنا، عذاب الآخر وليس عذابنا.

وفي قراءتنا لمشهد الموت نازلًا بالآخر، قد لا نستطيع على الأغلب أن نستفيد من درس الموت ذاته. لكن لماذا؟ بكلّ بساطة لأنَّ الموت، موت الآخر، حالة خارجيّة لا تتعلّق بنا مباشرة؛ إنَّه مشهد بعيد نسبيًّا، بل هو مجرّد مشهد إعلاميّ في غالب الأمر، إنَّه صورة إعلاميّة، وهذا كلّه قد يجعلنا نشعر بأنَّه لا يعنينا وبعيد عنّا، ونحن لسنا في مرماه القريب.

فالحياة فيض من المكابدة والمصائب والأفراح والأحزان؛ إنَّها أشبه بشريط تراجيديّ ومأساويّ متقطّع، فنحن في مسار حياتنا نشهد موت الأحبّة والأقرباء، موت آبائنا وأحبّتنا وأصدقائنا وفلذات أكبادنا. وهذه المكابدة الإنسانيّة التي تضعنا في مشهد موت الأحبّة تُشكّل ينبوعًا للدروس والمعاني التي تُغني مسيرة حياتنا وحكمتنا في الحياة. ولكن عندما نستطيع تجاوز آلامنا والوقوف على مسافة آمنة من مكابدة الموت وأحزانه، هل يعني ذلك أنَّنا استطعنا أن نتكيّف مع الموت؟ وهل يعني ذلك أنَّنا نستطيع أن نستفيد من درس الموت في حكمة الحياة؟

اللامبالاة :

إذ نرهب الموت نتجنّب التفكير في دلالته ومعانيه، ونحن نأخذ موقفًا لاشعوريًّا إزاء الموت الذي يبدو وكأنَّه لا يعنينا أبدًا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يجب علينا أن نعيش وكأنَّنا نعيش إلى الأبد، دون خوف من موت، أو وجل من فناء؟

يواجه الناس غالبًا خوفهم من الموت برؤية فلسفيّة قوامها أنَّنا نعيش حياتنا، وعندما يأتينا الموت فنحن هنا، وهذا قدرنا ومصيرنا. وهكذا فنحن نعيش في الأغلب بعيدًا عن هاجس الموت عبر رؤية تضع فكرة الموت على هامش اللامبالاة. وهذه اللامبالاة تُسجّل نفسها في أعماق اللاشعور أو العقل الباطن عند الإنسان. فنحن في غالب الأمر نفكّر في كلّ شيء، في مشاريعنا وفي حياتنا ومتطلّبات وجودنا، مستبعدين فكرة الموت وهاجسه.

فالأنا تتجاهل الموت وترفض وجوده في الأصل. وغالبًا ما نعيش ونسلك ونتصرّف في واقع الأمر وكأنَّنا نعيش مرحلة من الشباب تتّصف بالديمومة والاستمرار. وهكذا تجري الأمور وكأنَّ الموت لا يعنينا! وذلكم هو الشعار الذي يتبنّاه رعاة البقر أو الكوبوي: “لنستمتع بالحياة ونهزأ بالموت، فالموت لا يعنينا وليس لنا، إنَّه دائمًا للآخر ومن نصيب الآخر”. فمن يموت فهذا قدره، ونحن علينا أن نعيش للحياة ونبتهج بها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. إذن، لنستمتع، لنستمتع بالحياة ولنهرب من الموت!

الموت في التراث الإنسانيّ :

توجد في تراث الشعوب حِكَم ومآثر كثيرة جدًّا تتعلّق بمسألة الموت والحياة. وهي تؤكّد على أهميّة تجاهل الموت وعدم التفكير فيه، وتقدّم لهذا التوجّه تبريرات عديدة جدًّا. بعض الشعوب ترفض مبدأ الحتميّة، كما أنَّها ترفض روح التشاؤم والهزيمة التي ترتبط بالموت. فالتفكير في الموت يؤدّي إلى الخطيئة، لأنَّه يجعلنا ننسى معنى الحياة وطعمها. فالتفكير المستمرّ في الموت يُبعدنا عن الحياة الحقيقيّة، لأنَّ الإنسان الذي يستحوذه وسواس الموت لا يستطيع أن يفعل شيئًا في الحياة الحقيقيّة. فالإنسان معنيّ قبل كلّ شيء بالتفكير في المستقبل، وإذا كانت أبواب هذا المستقبل مغلقة بهاجس الموت، فالإنسان لا يستطيع أن يمارس أيّ دور في الحياة، ولن يكون قادرًا على أداء مهمّته الإنسانيّة. إنَّ الإنسان المسكون بقلق الموت وهاجسه يتساءل عن المعنى الذي يدفعه للبدء بمشروع يكتنفه غموض الموت؟ هذا الموت الذي يصبح قدرًا وحتميّة لا مفرّ منها أبدًا. فالإنسان الذي يستعرض فكرة الموت بصورة دائمة تتحوّل حياته في نهاية الأمر إلى عبث وجوديّ لا معنى له ولا دلالة فيه. وإذا شئنا أن يكون للحياة معنى وغاية، يجب علينا أن نرفض استبقاء فكرة الموت في داخلنا كهاجس لا يتوقّف مداه ولا ينقطع سداده.

وإذا شاء الإنسان أن يحقّق أشياء كثيرة في حياته، فإنَّه يجب عليه أن يحيا وكأنَّ الموت لا يأتي أبدًا. وهذا يتمثّل في المأثور الإسلاميّ الذي يقول: اعمل ليومك كأنَّك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنَّك تموت غدًا. وهذا يعني أنَّه يتوجّب علينا أن ننطلق من تصوّر يرى بأنَّ الحياة مشروع لا نهائيّ لا يمكنه التوقّف في أيّ حال من الأحوال. وهذا يتطلّب منّا أن نحدّد غاياتنا، وأن ننظّم الأدوات والإمكانيّات التي تتيح لنا إنجاز مشروعنا الإنسانيّ. والأفضل في ذلك كلّه أن نأخذ بالتصوّر الذي يرى بأنَّ آخرين من جلدتنا من أبنائنا سيتابعون – من بعد موتنا أداء المشروع الإنسانيّ الذي بدأه أسلافنا وتعاقب عليه أجدادنا، فحملنا مسؤوليّته وأسلمنا الأمانة لأبنائنا ومن بعدهم إلى أحفادنا ثمّ إلى أحفاد أحفادنا. وتلك منهجيّة منطقيّة في تأصيل قدرتنا على مواجهة الحياة والمتابعة في إنجاز مشروعنا الإنسانيّ. فالإنسان يغرس أشجارًا لن يتذوّق طعم ثمارها. أجدادنا غرسوا فأكلنا، ونغرس نحن فيأكل أبناؤنا وأحفادنا. وهذا يعني أنَّه علينا أن نفكّر في المستقبل على مبدأ التفاؤل الإنسانيّ، وليس علينا أن نفكّر وفقًا لنزعة أنانيّة مركزيّة قصيرة المدى. وهذا يعني أيضًا أنَّه يتوجّب علينا أن نفكّر في المشاريع الإنسانيّة التي نطرحها، وأن يكون الموت حافزنا للعمل على إنجاز مشاريعنا الإنسانيّة.

وتأسيسًا على ما تقدّم يمكن القول بأنَّه يجب علينا ألّا نجعل من الموت قاعدة للحياة، وأن نرفض التفكير السلبيّ فيه نموذجًا لحياتنا النفسيّة. وهنا علينا أن نرفع الشعار الذي يقول: عش كأنَّك لن تكابد الموت أبدًا، وهذا يعني النظر إلى الحياة وكأنَّها استمراريّة لا انقطاع فيها؛ فالحياة لا تختفي من الوجود أبدًا لأنَّها تنتقل من جيل إلى جيل، من الآباء إلى الأبناء، ومن السلف إلى الخلف. فكلّ إنسان يأتي إلى الحياة وهو يحمل إرث أسلافه الأقدمين، وهو سيكون حلقة أخرى في دائرة يورّث فيها هذه التركة الإنسانيّة إلى أحفاده وأولاده. فالآباء لا يعيشون من أجل أنفسهم فحسب، بل من أجل أطفالهم وأولادهم. ولذلك فإنَّ الموت لا يستطيع أن يُحدث قطيعة في مشروعنا الإنسانيّ. وهذه الفكرة نجدها عند أوغست كونت (Auguste Comte)، الذي يعتقد بأنَّ “استمرار الإنسان في الوجود مرهون بشمول الإنسانيّة نفسها”. ونحن بالتالي نعيش في أحضان الإنسانيّة بمعناها الكونيّ وليس بمعناها الضيّق المحدود. ومن هنا يمكن القول بأنَّ التفكير في الموت يجب أن يأخذ مكانه في الخطوط الخلفيّة لوجودنا الإنسانيّ، ولا يجب أن يُسمح له بالتقدّم إلى صدارة التفكير ومراكز التأمّل والنظر.

ولكن ألا يمكن لمناظرتنا هذه أن تكون منهجًا في إخفاء الحقيقة ومجانبة الصواب؟ ألا تمثّل هذه المناظرة محاولة دوغماتيّة مخادعة تُبعد الإنسان عن التفكير المباشر في حقيقة يخشاها؟ ألسنا في محاججتنا هذه كمن يضع رأسه في الرمال كي لا يرى الحقيقة أو الخطر الذي يهدّد وجودنا وحياتنا؟

الموت في الحياة اليوميّة :

هناك من يميل إلى تجاهل الموت. وهناك من يحتقر دلالته ويزدري معانيه. والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يمكن لمجريات الحياة اليوميّة أن تقول لنا حول الموت؟ هل الموت حادث عابر؟ أم أنَّه حدث عاديّ؟ أم أنَّه قدر إنسانيّ؟ وذلك عندما يجري الحديث عن كارثة إنسانيّة تستعرض أحداثها وسائل الإعلام. فالموت يبدو لنا في الحياة اليوميّة مشوّشًا وغامضًا من غير دلالة محدّدة. ويبقى بالتالي حدثًا وقدرًا، لكنَّه بعيد عنّا، عن ذواتنا، أي إنَّه لا يتعلّق بنا مباشرة. والموت يأخذ صورة وضعيّة خارجيّة، وهذه الوضعيّة تؤكّد وجودنا: هو الميّت ونحن الأحياء.

يقول الفيلسوف الألمانيّ هايدغر (Heidegger) "يجب على الموت ألّا يكون هاجسًا وجوديًّا يقضّ مضاجعنا. فنحن نصنع حياتنا وننسجها من أحداث صغيرة جدًّا، وهذه الصغائر نفسها تمتلكنا وتشغل طاقتنا الوجوديّة". وهذا يعني أنَّه لا يجب على الموت أن يُحدث الفوضى والعدميّة في أنساق حياتنا ووجودنا. ونحن إذن ليس لدينا الوقت للتفكير بقضايا الموت وإشكاليّاته، لأنَّ مشاغلنا ومتطلّبات حياتنا لا تسمح لنا بممارسة هذا الدور. إنَّ التفكير الدائم إزاء الموت سيكون أشبه بكابوس مرعب يتميّز بطابع الديمومة والاستمرار، ويجعل من حياتنا عذابًا لا يتوقّف إلّا بالموت ذاته. ومن هذا المنطلق فإنَّ فكرة تجاهل الموت وعدم التفكير فيه واللامبالاة بمواجهته تُشكّل استراتيجيّة عقليّة لاشعوريّة تسمح للإنسان بمتابعة حياته الطبيعيّة دون خوف أو وجل.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: عندما يأتي الموت فما نحن فاعلون؟ والإجابة تكون في منتهى البساطة، إذ علينا أن نتقبّله برحابة صدر دون خوف أو قلق، لأنَّ الموت قانون طبيعيّ وهو سكينة أبديّة للنفس الإنسانيّة.

وإذا كان علينا ألّا نبالي بالموت في كلّ ما يتعلّق به من أحاديث وأفكار ونظريّات، فإنَّ ذلك يمنحنا حصانة ضدّ فعل الموت ذاته. ونحن سنحظى بوضعيّة طمأنينة وسلام كلّيّ فيما يتعلّق بفكرة الموت. فعندما أفكّر في موتي فإنَّني أفكّر أيضًا في أنَّ الموت هو قدر الجميع، ولن يفوته أحد من الأهل والأصدقاء والأحبّة. فَلِمَ الخوف إذن من الموت؟ فنحن لا نقبل بفكرة الموت في الأصل إلّا عبر مخادعة ذهنيّة تنطوي على شعور غامض بأنَّنا ندرك الموت تحت قناع اللامتناهي.

ما الموت؟ آه، نعم، نعم، إنَّني أعرفه، لا أحد يجهله أبدًا. نعم، هو سيّئ وغير مرغوب! نعم، إنَّه رحلة إلى السلام، إلى الأمن الوجوديّ البعيد، نعم، إنَّه سلام وطمأنينة أبديّة، بل هو حالة اغتراب كونيّة، إنَّه حقيقة فوق كلّ الحقائق. إنَّه الحقيقة التي تصبّ حكمة في القول: من يولد أبدًا سيموت.

إنَّ الهروب من الحقيقة يؤدّي في نهاية الأمر إلى تعزيز الخوف ممّا نهرب. وبالتالي فإنَّ الهروب يعني أنَّنا نعي ما نهرب منه. فالموت هو احتمال مؤكّد وخاصّ جدًّا، لأنَّ كلّ فرد يواجه الموت بمفرده في حالة خاصّة يتفرّد بها عن الآخر. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأنَّ تجاهل الموت يعبّر عن علاقة مزيّفة بين الإنسان والعالم، أو بين الذات والكون. وهذه العلاقة المزيّفة تضع الأنا في دائرة الوهم لأنَّ تجاهل الموت يتمّ بطريقة وكأنَّ الموت لا وجود له أبدًا. وهذا يؤدّي إلى حياة مسكونة بالأوهام، مثقلة بالمصالح، تخفي ضعف الإنسان وحاجته إلى هاجس الوجود. فالإنسان وفقًا لهذا التصوّر سيعيش حياة هزليّة ساخرة، ولا سيّما عندما يواجه في يوم ما مرضًا عضالًا، أو عندما يُبتلى بموت أحد أغلى المقرّبين. وهنا، وفجأة، سيجد نفسه في صدمة وكأنَّه استيقظ من حلم كبير واستفاق من سكون اللامبالاة بحقيقة الموت وقدره. وهنا يدرك بأنَّ الموت رهيب، وأنَّه يجب على المرء أن يفكّر في وجوده وفي حياته الفانية. فالموت، وفقًا لهذه الرؤية، يدفعنا إلى التفكير بما نحن عليه من جشع وطمع. وعندها نفكّر بالضروريّ من أجل الحياة فحسب.

فالإنسان الذي جاء إلى هذا الكون عاريًا، فارغ اليدين، لا يملك شيئًا البتّة، يغادر هذا الكون أيضًا وهو لا يملك شيئًا، وكلّ ما يملكه في هذا الكون لا يستطيع أن يؤخّر في موته أو أن يقدّم. وعلى خلاف ذلك تمامًا، إذا رغبنا أو لم نرغب، فإنَّ إدراكنا لحدود وجودنا، أي بموتنا، يبدو ضروريًّا في تقديرنا لمعنى الحياة ودلالتها.

قبول الموت والمشاركة في أحزانه :

لا يمكن لحياتنا أن تأخذ معناها من غير دلالة الموت، لأنَّ الموت يلعب دورًا متكاملًا مع الحياة نفسها. فالموت يلعب دورًا حيويًّا من أجل أن يعطي لحياتنا معناها ودلالتها. وهذه النقطة ما زالت تُشكّل مسألة جوهريّة في كثير من الفلسفات والتيّارات الفلسفيّة التي عُنِيَت بالموت ودلالته الفلسفيّة. فالفلسفة تعلّمنا معنى الموت وتقتضي منّا أن نتعلّم كيف نموت؛ أي كيف نتقبّل حقيقة الموت وكيف نعطي لحياتنا معنى من منطلق إيماننا العميق بأنَّ الموت قادم لا محالة.

ولكن هل يمكن للتفكير في الموت أن يستكشف حكمة الحياة ذاتها؟ فالحياة الإنسانيّة تعني فهمًا بمعنى الحياة وشروطها. فلماذا إذن تنمو سنابل القمح؟ أوليس لِتُحصد عندما تبلغ نضجها؟ فنحن نتعلّم في حقيقة الأمر أنَّ السنابل تنمو لتموت؟ وكالسنابل فإنَّنا ننتظر لحظة الموت. والموت هنا ضرورة طبيعيّة يتوجّب علينا أن نتقبّلها برحابة صدر. ولكن ما الذي يحدث في حقيقة الأمر وفي واقع الحياة؟ لا يوجد هناك بين الناس من يريد أن يتقبّل هذه الضرورة الطبيعيّة، وعندما نشاهد الموت ينزل بنا فإنَّنا نواجهه بالصراخ والبكاء والحزن. فالموت يعني بالنسبة لنا حادثًا ومصابًا ونازلة دهماء.

ولكنَّ الموت في حقيقة الأمر ليس حادثًا، بل هو أمر طبيعيّ، أمّا الحادث فهو يمثّل الظروف التي تحيط به. ونحن نعرف بالتأكيد أنَّنا سنموت يومًا، وعندما ندرك ذلك فإنَّه يتوجّب علينا تقبّل الحقيقة كما هي دون إضافات خارجيّة. وبالتالي فإنَّ معرفة الموت وتقبّله تعبّر عن قدرة وأهليّة إنسانيّة. ولكنَّنا عندما نرفض الموت، ونرفض تقبّله، فإنَّ ذلك يدفعنا إلى دائرة الشقاء والحزن والأسى.

وهنا يجب علينا أن نعلم علم اليقين بأنَّ الموت عنصر أساسيّ من عناصر الحياة ذاتها، ومكوّن من مكوّناتها، وحكمة من حِكَمها. فالموت يجدّد الحياة ويبعثها. وبالتالي فإنَّ رفض الموت يعني رفضًا للحياة بذاتها بكلّ ما تمتلك عليه من دلالة وخصوبة ومعنى.

سيكولوجيا المواجهة :

والسؤال الأساسيّ الذي سيطرح نفسه: كيف نتصرّف إزاء الموت؟ إزاء موت الآخرين كما هو الحال إزاء موتنا الخاصّ؟ هل نحن جاهزون للموت؟ هل نحن على أهبة الاستعداد لمطالب الطبيعة التي تقوم على مبدأ الموت والحياة؟

إنَّ التفكير في نموذج محدّد لمواجهة الموت مسألة إنسانيّة تطرح نفسها في تاريخ الإنسان والإنسانيّة. وهنا يمكن أن نفكّر في النموذج السقراطيّ لمواجهة الموت. كان سقراط هادئًا باسمًا وهو يستقبل الموت، بينما كان تلامذته في حصار الألم والبكاء. وها هو سقراط يدعوهم إلى تجنّب الحسرة والدموع التي لا طائل منها. كان يقول لهم: “يجب على المرء أن يستقبل الموت بتفاؤل وفرح، ولذا عليكم بالهدوء والتوازن”. لقد كان سقراط هادئًا لأنَّه تأمّل مسبقًا في معنى الموت وفهمه وأدرك معانيه وتبصّر في تجلّياته. ولذا لم يكن الموت بالنسبة له مشكلة تخيفه أو تصيبه بالخوف والهلع. لم يكن الموت بالنسبة لسقراط أكثر من لحظة توقّف، إنَّه حالة من نوم أبديّ أو راحة أبديّة. إنَّه رحلة قصيرة إلى العالم الآخر حيث تبدأ حياة جديدة وتستمرّ الحياة في صيغ مختلفة. وفي كلّ الأحوال لا يوجد هناك ما يدعو إلى القلق. والموت بجلاله وهيبته لم يمنع سقراط من التحدّث، حتّى في اللحظات الأخيرة، في الثواني الأخيرة، عن قضايا إنسانيّة وفكريّة ومناقشة أبعادها.

وممّا لا شكّ فيه أنَّ الارتباط بالحياة لا يقاوم، وأنَّ الحياة أغلى ما في وجدان البشر، ولكن فهم الحياة وفهم المعاني التي ينطوي عليها الموت بوصفه حقيقة كونيّة كامنة في أصل الحياة ذاتها أمر يجعل الإنسان أكثر حكمة وأكثر إنسانيّة أيضًا.

ما دلالة الخوف من الموت وما هي أبعاده؟ لنفترض أنَّني أدخل إلى حديقة جميلة، وعلى حين غرّة يهاجمني كلب شارد فيها، وعندها ومن أجل أن أتجنّب أذاه فإنَّني أقفز يمنة ويسرة في محاولة الابتعاد عنه. نعم، لقد أصابني الخوف والرعب، وهذا الخوف لعب دورًا في تجنّب الكارثة؛ فالخوف لم يكن سوى إشارة وتنبيه سيكولوجيّ وعصبيّ مكّنني من تأمين الحماية لنفسي من الأذى المحتمل. إذن، ومن أجل تجنّب الهجوم، كان الخوف ضروريًّا لي، وهو الذي حرّضني على الاستجابة السريعة في اتّجاه تجنّب الاعتداء. وهنا يمكن لنا أن نقارن بين الموت والخطر الذي مثّله هجوم الكلب الشارد. فالموت في مظهره السلبيّ هو أذى يقع بالإنسان، والإنسان يتوجّب عليه أن يستنفر طاقته الدفاعيّة إزاء الموت نفسه، لأنَّ تجنّب الموت يعني محاولة لتجنّب الألم والمعاناة.

إذا كنّا نخاف الموت فهل يكون هذا خوفًا من المجهول؟ إنَّ المجهول لا يخيف إلّا بمقدار ما نضفي عليه من مشاعر القلق والخوف. فأنا أقول لنفسي بأنَّ الموت سيُحدث لي ألمًا، إنَّني سأحاسب وقد أُضرم في الجحيم وأُعذّب عذابًا لا يوصف. ولذا فأنا خائف، نعم خائف؛ وهكذا فأنا أصنع لنفسي الخوف وأصنعه عندما أتصوّر بأنَّ الموت شرّ يُحتسب.

وهناك من يعتقد بأنَّ الكشف عن ماهيّة الموت غاية لا تُدرك؛ فالموت عين الغموض الكونيّ ذاته. ولذا فإنَّ الخوف من الموت هو أمر طبيعيّ في حدّ ذاته، لأنَّ الإنسان يرتبط بالحياة ويألفها ويعشقها ويتيه فيها. ولكنَّ الخوف غير الطبيعيّ من الموت يرتبط بأفكار خاطئة نسبيًّا عن الموت، بإضافات إنسانيّة غير عقلانيّة في جوهرها. وهذه الإضافات الإنسانيّة لا تقدّم لنا الفائدة المطلوبة في مواجهتنا للموت.

هل يمكن السيطرة على التفكير في الموت والإحاطة به وضبط مساراته؟ وهل يمكن استيعاب فكرة الموت في دائرة الحياة اليوميّة؟ إنَّ التفكير في الموت يعلّمني ويجعلني أكثر قدرة على مواجهة الألم. هذا التفكير يساعدني أيضًا في مواجهة الموت وجوديًّا والتخفّف من أحزان لقائه.

ففي عالم ما بعد الحداثة نحن لا نمتلك أهليّة استقبال الموت. ونحن عندما يفاجئنا الموت باختطافه أحد الأحبّة نشعر بالخوف والقلق والإحباط الشديد، كما أنَّنا نشعر بالفراغ الداخليّ والعقم الإنسانيّ. ونحن إزاء ظاهرة الموت الخاطف نرفضه ويصعب علينا تقبّله. ولا نملك في هذه اللحظات المريرة غير الدموع والحسرات والآهات والألم. وعندما يخطف الموت قريبًا أو عزيزًا ترتفع قريحتنا بالقول: هذا ليس عدلًا، هذا ليس صحيحًا، هذا ظلم! هذا كان صديقي، وهذه كانت أمّي، وهذا كان أخي، وما كان الموت محقًّا في أن يخطف من أحبّ! وبعدها نعيش سنوات وسنوات لكي نتقبّل موته ونقرّ بهذه الحقيقة المحزنة.

فعالمنا المعاصر عالم جاهل بحقيقة الموت، وهو لا يمتلك الاستعداد الكافي لمواجهته. فالاستعداد للموت نجده عند قلّة نادرة من الناس الذين تأمّلوا في معانيه وأدركوا الحكمة التي ينطوي عليها، وهم بالتالي أكثر قدرة على مواجهة التحدّي والألم الذي يبثّه الموت.

محطّات المواجهة :

عندما نكون في صحبة هؤلاء الذين يقتربون من موتهم، علينا أن نصغي بصمت، وننظر بخشوع، وألّا نجزع عندما نشاهد الموت وهو يتخطّفهم. وفضيلة الصحبة هي الاستماع المطلق لما يقوله من هو في النزع الأخير، والهدوء الأعمق في انتظار لحظة الموت. هنا يجب على المرء أن يقيم علاقة إنسانيّة خاصّة جدًّا مع الذي ينازع، وهذه العلاقة قد تكون الأولى من نوعها في حياة ذي النزع الأخير، لأنَّ هذه العلاقة تتّصف بغناها وحِملها الإنسانيّ الكبير في هذه اللحظة المتفرّدة في تاريخ الإنسان. وهناك من يعتقد بوجود مراحل متعدّدة في رحلة النزع الأخير للإنسان، وأهمّها:

1- في المرحلة الأولى، يعلن المحتضر رفضه للموت، لأنَّ الموت في هذه الحالة يرمز إلى الألم والفناء. وفي هذه المرحلة يقول المرء لنفسه: “إنَّ الطبيب مجنون، ومن غير الممكن أن أكون في قائمة المنازعين والمحتضرين.

2- في المرحلة الثانية، تجتاح المنازع موجة من الغضب، إذ يقول لنفسه: “من فعل بي هذا؟ لماذا يختارني الله للموت في هذا الوقت وفي هذا العمر؟.

3- تأخذ المرحلة الثالثة طابع المساومة، حيث يسأل المريض المقترب من موته: هل يمكن أن أعيش حتّى عيد الميلاد؟ هل سأبقى على قيد الحياة لحين زواج ابنتي؟ هل يمكن أن أعيش حتّى ولادة حفيدي الأوّل؟

4-مرحلة الإحباط: في هذه المرحلة يعيش المُقدِم على الموت ألمه الخاصّ وحزنه الفرديّ، حيث يكون مأخوذًا بحالة من الإحباط والحزن الذاتيّ الشديد.

5-مرحلة القبول: وفي هذه المرحلة يتبنّى المُقدِم على الموت وضعيّة الحكمة، حيث يتحوّل فجأة إلى حكيم في شؤون الحياة والموت، وعلى حين غرّة يتحوّل إلى فيلسوف يدرك أبعاد الموت ومعانيه ويُقبل عليه دون خوف، ربّما، أو وجل.

وهنا يصعب التدخّل في هذه المرحلة الأخيرة من مراحل الموت، ويتوجّب على المقرّبين الخلود إلى الصمت والاستماع إلى قول المقبل على الموت. وما يمكن ملاحظته أنَّ الإنسان المقبل على الموت يشعر بضرورة إنجاز الأشياء التي سبق له أن بدأها وإغلاق فصول حياته التي باشرها. فالمنازعة تمتلك وظيفتها الخاصّة التي تتمثّل في إنجاز الأعمال التي لم تكتمل بعد.

وفي المستوى السيكولوجيّ يجري العمل على تحليل الصعوبات التي يواجهها المقبل على الموت. في البداية تأتي عمليّة الاعتراف بالحقيقة، وهي حقيقة الموت. وهذا الاعتراف والإقرار لا يأتي ببداهة عفو الخاطر، بل يمرّ بمراحل الرفض والتذمّر، كأن يقول المريض لنفسه: هذا ليس صحيحًا! هذا لا يعقل! هذا لا يُصدّق! أنا لا أستطيع الاقتناع بهذا الأمر! بل هذا مستحيل! وعندما لا يستطيع المقبل على الموت أن يقتنع بواقعيّة موته فإنَّه سيكون على موعد مع الألم والحزن والتحسّر.

في المرحلة الثانية: يستبطن المقبل على الموت ذكرياته التي تتعلّق بالأحبّاء والأصحاب والمقرّبين منه؟ وإذا لم يستطع المقبل على الموت أن يستبطن علاقاته وذكرياته مع الآباء والأجداد، فهذا يعني أنَّه لا يؤمن باستمراريّة الحياة الروحيّة والإيمان بدار الخلود والبقاء. وهذا الأمر يؤدّي إلى نوع من الاضطرابات العقليّة والذهنيّة.

في المرحلة الثالثة: تأخذ هذه المرحلة طابعًا سيكولوجيًّا يتوافق مع معطيات تبكيت الضمير، وتلك هي صيغة من المحاسبة الذاتيّة للإنسان الراحل إلى عالم الفناء. في هذه المرحلة يفصح المقبل على الموت عن عقده اللاشعوريّة اللاواعية، ولا سيّما هذه التي تتعلّق بمشاعر الذنب، وعندها نجد المريض يقول لنفسه: هذه كانت غلطتي، وتلك كانت خطيئتي. وما كان يجب عليّ أن أفعل هذا الأمر أو ذاك. ما كان يجب عليّ أن أتركه يغادر في ذلك المساء.

وفي المرحلة الرابعة والأخيرة: تتمثّل في مرحلة القبول التي ذكرناها، وفيها يتبنّى من هو في حكم الميّت هذا المصير المشترك الذي يجمعه مع المقرّبين الذين سبقوه إلى دار الرحمة الأبديّة.

  يوتوبيا الخلود :

التفكير في الموت يرهبنا ويقضّ مضاجعنا، ولكنَّه في الوقت نفسه يمتلك القدرة على تحريرنا من الخوف والقلق ويقدّم لنا العزاء والسلوى. فالذي يعتقد بأنَّ الموت امتداد للحياة، وأنَّ الموت هو حالة وجود أخرى مختلفة، يمتلك العزاء في الموت قبل أن يقع فريسة له. وهنا يمكن القول مع الفيلسوف والأديب الفرنسيّ ديدرو (Diderot) بأنَّ “الإحساس بالحياة إحساس أبديّ، لأنَّ من يعيش يعشْ على نحو متواصل”. وديدرو يرى أنَّ مبدأ الصيرورة والوجود كامن في التغيّر والتبدّل، وأنَّ هذا التغيّر لا نهاية له في دائرة الزمن.

إنَّ مشكلة الموت تتمثّل في خوفنا إزاء النهاية؛ فالموت هو النهاية والعدم. ونحن باستبعاد هذه النهاية نريد حياة لا موت فيها. وكأنَّنا نريد للزمن أن ينسانا وللموت أن يتجاهلنا إلى ما لا نهاية. وإذا كانت الحياة تريد أن تكون كلّيّة وشاملة، أليس من حقّ الموت أن يكون كذلك؟ فَلِمَ خوفنا إذن من الموت، ولِمَ هو الجزع من لقائه؟ ألا يعود هذا الخوف إلى واقع أنَّنا ألفنا الاستمراريّة في الوجود؟ نعم، إنَّه لمن المؤكّد أنَّ الأنا فينا تميل إلى الاستمرار في الوجود بعد أن رسخت فيها لذّة الحضور ونمت معها روابط الانتماء إلى الحياة بكلّ ما فيها من عطايا وأفراح وأحزان وأدران. وهذا الارتباط يجعل الأنا في حالة من الرعب والخوف المجرّد من الموت، لأنَّه يمثّل قطيعة وجوديّة عدميّة. ولكن هل يمكن لهذه الاستمراريّة في الوجود أن تستمرّ دون نهاية؟ ألا يمكن لهذه الرغبة في الوجود أن تتعرّض للتراجع والانهيار؟ إنَّ القول في هذا السياق بأنَّ كلّ شيء يبحث عن نهاية هو قول لا يخلو من الحكمة.

والسؤال الجديد الذي يمكن أن يطرح نفسه هو: ألا يمكن لنا أن نحيا مع الموت وأن نموت لحظة بعد أخرى؟ والجواب هنا: نعم، الموت هنا، إنَّه قاب قوسين أو أدنى، إنَّه الموت الذي يوجد في أصل الحياة ذاتها. فالجسد يعيش حالة موت حقيقيّة تتمثّل في تراجعه وانهياره وتفكّكه تدريجيًّا مع الزمن، أليست تلك حالة من حالات الموت، أو نقلة مرحليّة في اتّجاه الموت؟ فنحن في كلّ الأحوال نعيش مع الموت وفي جواره ونستريح في ظلّه وفيئه. أليس علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الحقيقة العلميّة التي تقول بأنَّ الإنسان يغيّر كلّ خلايا جسده بالمطلق باستثناء خلايا الدماغ. أليس هذا موتًا حقيقيًّا وولادة متجدّدة للجسد بعد موت؟ فجسدنا يموت ويحيا كلّ سبع سنوات. فالموت إذن حقيقة حيّة في الجسد، حقيقة ترافق الجسد وتؤازره في آن واحد. وبعبارة أخرى نقول: الماضي الذي يموت فينا يؤسّس في الوقت نفسه لحياة جديدة.

فالفراشة تفقس من دودة القزّ وتطير، وهذا التحوّل هو تحوّل في الكيان الكلّيّ للفراشة نفسها أو للدودة. ولكنَّ الأنا في الإنسان تريد أبدًا أن تحافظ على وجودها واستمراريّتها؛ إنَّها ترفض أيّ شكل من أشكال التحوّل. والأنا تتمسّك بالحياة وترتبط بها، وهي مع ذلك تحتفظ في أعماقها بمشاعر الخوف. فالأنا تواجه الخوف من اللامتناهي والمجهول والتغيّر والتجديد.

والأنا هذا، من أجل أن يتجنّب الخوف من الموت، يأخذ بفكرة الاستمراريّة بعد الموت. وهذا يؤدّي إلى تشكّل العقائد التناسخيّة والتجسديّة التي تؤمن بعودة الإنسان إلى الحياة بعد الموت بصور إنسانيّة جديدة، كما هي حال العقيدة البوذيّة. وإذا كانت هذه الفكرة لا ترسم الكيفيّات التي يتحدّد فيها مصير الإنسان في التجسّد، فإنَّها مع ذلك كافية بذاتها من أجل إحداث الشعور بالطمأنينة.

وهنا تجدر الإشارة إلى معانٍ أخرى لمفهوم الموت في ذات الوعي الإنسانيّ، حيث يذهب الذاهبون إلى القول بأنَّ كلّ حالة ذهنيّة تتوقّف تمثّل حالة من الموت الذهنيّ. وكلّ تصوّر عن الذات يتوقّف وينتهي يُشكّل أيضًا حالة من الموت السيكولوجيّ الذي يؤدّي بدوره إلى ولادة فكرة جديدة أخرى عن الذات الإنسانيّة. ووفقًا لهذه الصورة فإنَّ الموت يجب أن يكون خارج دائرة القلق والخوف. ففي النهاية تنطلق البدايات الجديدة، ومع الموت تبدأ رحلة حياة أخرى متجدّدة.

الموت الفيزيائيّ أو الجسديّ ينال من الكيان الذي يدخل في دائرة ثلاثيّة الأبعاد تتمثّل في المكان والزمان والسببيّة. وهذا الكيان يتوجّب عليه في لحظة ما أن يغادر هذه الدائرة الثلاثيّة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يوجد خارج هذه الدائرة بأبعادها الثلاثيّة؟ ما يوجد هو فكرة الخلود التي تتأصّل في قلب الإنسان وعقله، وهي فكرة تعلو على أبعاد الوجود نفسه المتمثّلة في الزمان والمكان والسببيّة. فالحياة ترفض الموت، والموت لا وجود له في منظور الحياة ذاتها، وعندما تتقاطع نقطة البداية مع نقطة النهاية فإنَّ هذا التقاطع يولّد حياة جديدة خارج دائرتي الزمان والمكان.

وباختصار يمكن القول: عندما يكون كلّ من الموت والحياة ضروريًّا للآخر، عندما يُشكّل كلّ منهما جانبًا من كينونة الآخر، فإنَّنا نقع على دلالة الخلود واللاموت. أو ما يمكن أن نطلق عليه نهاية البداية وبداية النهاية، نعم، تلك هي دلالة الخلود ومعناه. واللافناء لا يعني بالضرورة الاستمراريّة لأنَّ الاستمراريّة تتمثّل في صيرورة التغيّر الذي لا ينقطع.

فالوعي الخالص غريب بمقياس الزمان والمكان، لأنَّ الزمان والمكان يوجدان فحسب في أبعد مناطق الوعي الإنسانيّ وأعمقها. وهذا يجعلنا ندرك لماذا تنبعث هذه الروحانيّات الكبرى في الثقافة الشرقيّة، ولا سيّما الهنديّة. فالرجل الحكيم في عرف هذه الروحانيّات إنسان ميّت، لأنَّه استطاع أن يغادر تضاريس الأنا ومركزيّاتها، وأن يبتعد في آفاق روحيّة كونيّة بعيدة المدى. إنَّه موت الغرائز والميول وانبعاث روحيّ كونيّ يشدّ الرحال إلى عوالم كونيّة مترامية الأبعاد.

هذا الموت يأخذ معنى آخر يختلف عن الموت بمعناه الفيزيائيّ الذي يحدث في تقاطع الزمان والمكان. فهذا الموت يتقاطع مع حقيقة انطلاقة روحيّة في الكون في اتّجاه الحياة المطلقة، إنَّها انطلاقة في اتّجاه الاتّحاد بـ”النرفانا” المطلق، وهي غاية الغايات في الثقافة الهنديّة البوذيّة التليدة. فالحياة هنا حياة عقليّة ذهنيّة خالصة تحرّرت من كلّ أشكال القهر الفيزيائيّ وعبوديّته. فالموت هنا يعني موتًا فيزيائيًّا بالمعنى الواسع للكلمة، والحياة هي حياة روحيّة خالصة، وهنا في هذه الحالة يتقاطع مفهوم الموت مع مفهوم الحياة في جدل تأمّليّ من طبيعة فلسفيّة نادرة.

إنَّ العلاقة بين التفكير في الحياة والتفكير في الموت علاقة صنويّة وجوهريّة في الآن الواحد. وبالتالي فإنَّ ما نرفضه من الموت نرفضه في الحياة. وبعبارة أخرى: قل لي كيف تفكّر في الموت أَقُلْ لك من أنت! لأنَّ هذا التفكير ينعكس في حياتنا ويعبّر عنها أصدق تعبير.

وفي المستوى الاجتماعيّ فالصورة لها أطياف أخرى، إذ علينا في هذا المقام أن نأخذ الموت بوصفه ظاهرة اجتماعيّة: صور ومشاهد تتبدّى على شاشات التلفزيون، وطقوس للموت في المساجد والكنائس والمقابر. وهنا لا يمكننا أن نسلك ونعيش وكأنَّ الموت لا وجود له، ولا نستطيع أن نزعم بأنَّ الموت لا يعنينا، وأن نبقي على صورته في مجال الحياة اللاواعية. والمسألة هنا لا تتعلّق بمفهوم الامتلاك والهواجس لأنَّ التفكير في الموت يؤلمنا ويحزننا أبدًا. وبرؤية أفضل نقول: في داخل تفكيرنا، في عمق الأنا الذي يحرّكنا، هناك خوف من الموت ورفض له. ومع ذلك نقول بأنَّ الاعتراف الكلّيّ بالموت في مجرى الحياة يقودنا إلى ما هو أبعد من الموت، أي إلى ثنائيّة الجدل بين الحياة والموت في اتّجاه الحياة المطلقة الأبديّة.

خاتمة :

ليس الموت نقيضًا للحياة من خارجها، بل هو أحد شروط معناها وأعمق حقائقها. فنحن لا نكتشف قيمة الحياة كاملةً إلّا حين ندرك محدوديّتها، ولا نتبيّن هشاشة وجودنا إلّا عندما يطلّ علينا الفناء بوصفه المصير الذي لا يستطيع أحد أن يتفلّت منه. ومن هنا فإنَّ التفكير في الموت لا ينبغي أن يكون استسلامًا للخوف، ولا انغماسًا في الحزن، ولا انسحابًا من الحياة، بل يمكن أن يكون سبيلًا إلى مصالحة أعمق معها وإلى وعي أكثر صفاءً بقيمتها ومعناها.

إنَّ سيكولوجيا المواجهة لا تقوم، في جوهرها، على إنكار الموت أو الهروب منه، وإنّما على الانتقال من الرهبة العمياء إلى الوعي، ومن الرفض إلى القبول، ومن القلق المشلول إلى الحكمة. فالموت، مهما بدا فاجعًا وتراجيديًّا، يضع الإنسان أمام حقيقة وجوده العارية، ويعيد ترتيب سلّم القيم في حياته، ويكشف له هشاشة ما كان يظنّه ثابتًا ودائمًا. وعند هذه العتبة يصبح السؤال الحقيقيّ ليس: كيف نهرب من الموت؟ بل: كيف نحيا ونحن نعرف أنَّنا سنموت؟

ولعلّ الحكمة الأعمق التي تنطوي عليها تجربة الموت هي أنَّ وعي النهاية لا ينتقص من الحياة، بل يمنحها كثافتها ودلالتها. فالإنسان الذي يصالح فكرة الموت لا يكفّ عن حبّ الحياة، بل قد يصبح أشدّ تعلقًا بجوهرها، وأكثر قدرة على إدراك جمالها وهشاشتها في آن واحد. ومن ثمّ فإنَّ مواجهة الموت ليست تدريبًا على الفناء بقدر ما هي تدريب على الحياة نفسها؛ على أن نحيا بوعي، وأن نحبّ بعمق، وأن نترك في الآخرين وفي العالم أثرًا يتجاوز حدود وجودنا الفرديّ.

وهكذا تظلّ تراجيديا الموت مفتوحةً على مفارقة كبرى: فالموت الذي يبدو نهايةً لكلّ شيء قد يتحوّل، في الوعي الإنسانيّ، إلى بداية للسؤال عن المعنى، وإلى منبع للحكمة، وإلى دعوة متجدّدة لأن نحيا حياتنا على نحو أكثر أصالةً وإنسانيّة. وربّما تكمن المفارقة الكبرى في أنَّنا، حين نتعلّم كيف نواجه الموت، نتعلّم في اللحظة نفسها كيف نحيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق