تأويل التجربة الدينية السياسية المعاصرة - بليغ حمدي إسماعيل - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الجمعة، 28 أغسطس 2026

تأويل التجربة الدينية السياسية المعاصرة - بليغ حمدي إسماعيل

تأويل التجربة الدينية السياسية المعاصرة

هل يستطيع أحد أن ينكر تفاقم حالة الجمود في الخطاب الديني المعاصر، بخلاف حالة الهوس المتسارعة تجاه المشاركة وربما المغالبة فقط في الخطاب السياسي وانتزاعه أيضاً، وغرابة مشهد جمود الخطاب الديني هي فورة المد والصعود الديني الكبير لبعض التيارات والفصائل السياسية ذات التوجه الديني التي عانت طوال عقود مضت مغبة الاستبعاد الاجتماعي والحظر والمنع والرفض المجتمعي، ورغم هذا أيضاً إلا أن الخطاب الديني المعاصر لديها أيضاً لم يكن على مستوى الحدث الذي يسمح بالتجديد والتطوير الذي واكب الأحداث في المشهدين السياسي والاجتماعي.

بل لعلنا نجتهد قليلاً حينما نشير بأن الصعود السياسي للتيارات الدينية أعقبه نكوص وارتداد في الفتاوى والطروحات الفقهية التي رصدها الشارع العربي بدءاً من وقت بزوغ انتفاضات الربيع العربي التي باءت جميعها بالفشل لقصور الدراية والمعرفة بحتمية التغيير وكيفيته وإدارة تحول الأمم والمجتمعات، وحتى الدعوة للخروج في مظاهرات لإسقاط الأنظمة السياسية لتصحيح المسار السياسي والتي نجم عنا سقوط مرجعية تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وليس سقوط الجماعة وحدها بل اشتمل الأمر والمشهد في يونيو 2013 تحديدا بمصر الإعلان الرسمي لسقوط التنظيم الدموي والسري بخلاياه اليقظة والنائمة والعائمة أيضا !. ولعل أبرز نتائج الخروج الشعبي آنذاك لإسقاط تنظيم سياسي ذي صبغة دينية هو دعوة رجال الحل والعقد لدى أنظار هذا التنظيم الذي طالما عانى الخلل والعطب وسوء التنظيم والتدبير عبر سنوات شهوده  إهدار الدم ونفي حرمته بل وضرورة قمع الحريات إذا ما كانت تلك الحريات ستحدث خللا ولغطاً بالمجتمع.

لكن الراصد والمستقرئ لهذا الخطاب الديني ذي الصبغة السياسية يجده لم يخرج كعادته عن نقل دون يقين تجنباً للولوج في مسائل خلافية لاسيما وأن الاهتمام كان ولايزال منصباً على أحداث وإحداثيات المشهد السياسي فقط، وهذا الخطاب رغم ثورة المعرفة والاتصال وتطور نظريات اللغة والحصول على المعلومات ومقارنتها لا يزال أسيراً لجمود اللغة القديمة البيانية التي ترفض المجاز بل وأحيانا تكفر مستخدميه، وكذلك كون الخطاب فريسة لشرك (بفتح الشين) للأساليب الخطابية المنبرية التي تصلح لمواجهة جموع غفيرة وهي بطبيعتها أساليب تستهدف الأذن واستلابها قبل العقل وتطويقه، والعين قبل الفكر.

رغم أن الدين الإسلامي نفسه أعلى شأن العقل واعتبره ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته، لكن وجدنا بعد عقود طويلة أن الخطاب الديني الذي لم يعد حكراً على المؤسسة الدينية الرسمية كالأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وأساتذة الشريعة بالجامعات، بل صار ملكاً مشاعاً لكل من أراد بغير تخصص أو اختصاص، بل المدهش أننا وجدناه حجرعثرة في طريق مدنية الدول العربية كافة التي يتعايش فيها الدين بجوار السياسة بغير مغالبة أو استقطاب يضر بالآخر، ووجدناه خطاباً لغوياً راديكاليا ينفي أية صلة به وبين الواقع الراهن اللهم سوى استخدام بعض الأحزاب والطوائف والفئات السياسية الدعوة الدينية كوسيلة استقواء، وظهور ما يسمى بفقه الحالة من جديد لتبرير بعض السلوكيات السياسية لفصائل معينة.

والخطاب الديني سرعان ما تحول بعد انتفاضات الربيع العربي البائدة بغير نتائج إيجابية إلى إعلان سياسي يخدم مجموعة من المصالح التي باتت مؤجلة لعقود بعيدة، وبدلاً من أن يهتم الخطاب الديني بقضايا تمس عقيدة المواطن وعلاقته بربه وذويه وعشيرته والمطالبة بإصلاح النفس اتجه دنما قصد إلى تحشيد العقول لتأييد فكرة سياسية أو برنامج أو طرح فكري يخدم طائفة ويجور على طوائف أخرى. وهناك قاعدة مفادها أن المجتمعات حينما يزداد ولعها بالدين الذي سرعان ما يتحول إلى سهام تكفير وتفسيق هي مجتمعات بدأ الضعف والتوهين يدب فيها، وكثرت الفتن بأراضيها، وظهر ما يسمى بمرض الجهل بالدين.

وخطورة الأمر حينما تخلت المؤسسات الدينية الرسمية والشرعية المنوطة بنقل مفاهيم الدين ومعالمه للعامة أو للطلاب بالجامعات والمدارس والمعاهد والأكاديميات التعليمية ولا يزالبعضها بعض الدول العربية تخليها غير المبرر، فكانت الفرصة سانحة لبعض الأقلام والأصوات والفضائيات أيضاً لممارسة هذا الدور بغير جدال أو مناقشة أو حوار يستهدف التمييز والتأويل، وأول ما نجح فيه خطاب مثل هذا هو تجديد العهد بالعداوة القديمة بين الدنيا والآخرة، وبين العقل والعلم، وكان نتيجة ذلك أن تكريس فكرة أن الذهاب إلى صناديق الانتخاب وقت الاستحقاقات الديموقراطية ببعض عواصم الوطن العربي منذ 2012 هو جهاد في سبيل الله وليس استشرافاً لمستقبل ينعم فيه أبناؤنا، وكان أيضاً تحشيد الجموع لإحداث ضجة للحصول على ما تريد فئة بعينها من مكاسب هو أمر إلهي مفاده إعلاء الدين وأهله.

وغفل هذا الخطاب عن تهيئة أنصاره الذين فروا هاربين من القراءة  التي ظلت قرينة الرئيس السابق تدشن مهرجانات فاخرة لمشروعها القراءة للجميع،، كما غفل عن ذكر محاسن العقيدة دون النيل من عقائد الآخرين أو تشويهها، وهذا الشئ هو الذي فتح النار على أبواق هذا الخطاب الذي كان من شأنه أن يحدد بوصلته ويميز رؤيته بوضوح، إلا أنه لم يشأ أن يذهب بسلام وسهولة إلى أذن وعقل مريدينه، فشكل الخطاب بذلك لغطاً والتباساً يحتاج إلى توضيح وتفسير.

نفس الأمر الذي وصل بالخطاب الديني إلى مرحلة تعاني من الجمود، وصل التعليم الديني في مصر بعد أيامها الثورية المتسارعة إلى مراحل أكثر دهشة وأدعى لليأس وعدم التفاؤل، بل قد يغضب المؤهلون للغضب بالفطرة والاكتساب أيضاً حينما نقول بإن مستوى التعليم الديني في مصر وصل إلى حد التفاهة، بدليل جمود الاجتهاد الديني الذي كان سمة مميزة لمصر وأهلها وفقهائها، بل يمكن أن نغالي القول بإن أنصار هذا الجمود قد تعاظم دورهم بعد استقرار الثورة دونما نجاح ودونما فشل. وللحق يمكننا أن نلتمس العذر لهذا الخطاب الديني الذي صار يعاني جموداً عظيماً، نظراً لانشغال البلاد والعباد أيضاً بأحداث المشهد السياسي، حيث إن الوطن وأهله ما إن يستفيقوا من حدث جلل يعصف بأرجائه حتى يصطدم بحدث آخر، وما إن يدخل في مرحلة سياسية ديموقراطية جديدة حتى يلج في أخرى دون يتم الأولى بنجاح.

وربما خفتت الصيحات والأصوات العالية المعاصرة التي تنادي بضرورة تطوير وإصلاح التعليم الديني في مصر لاسيما بعد هذا الهوس المحموم بالعملية السياسية وهم بذلك يعلنون دونما قصد فصل الدين عن السياسة، ولا أشك لحظة أن القائمين على عمليات التطوير الشكلية مهتمون بتهيئة العقول واستنهاضها لتشييد وطن جديد. كل هذا يجعلنا لا نأمل في خارطة إصلاح استشرافية للخطاب الديني الذي بات مضطرباً ومضطرماً بعض الشئ بفضل اللغط الراهن في هذا الخطاب ورؤيته وتعدد رسالاته وبسبب دعاة التقليد الذين يعملون جاهدين على غير نظام، ويأخذون الأمر على قاعدته دون النظر إلى أسبابه ومقدماته التي صاغت هذه القاعدة والنتيجة.

وإذا حاولنا التصدي لمواجهة هذا القصور في الخطاب الديني بوجه عام والتعليم الديني في مصر بوجه خاص، يتبين لنا إغفال دور العقل وانتفاء قدره والاكتفاء بالنقل دون مكاشفة أو تحقيق أو تحري الدقةً في المنقول وصاحبه. رغم أن النظر العقلي هو أول أساس وضع عليه الإسلام، حيث إن النظر السليم وسيلة الإيمان الصحيح وهذا ما أشار إليه المجدد الإمام محمد عبده، ولا ريب في ذلك حيث إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يدعو إلى النظر في ما حولنا من موجودات وظواهر وأحداث كونية متعددة ومختلفة على أن يكون هذا النظر مصحوباً بالتأمل العقلي والتفكر، فهي دعوة إلى النظر الحسي والعقلي في نفس الوقت، يقول الله تعالى في سورة الأنعام:]قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون[، ولا ريب أن قوة الملاحظة والوقوف على ما يحدث حول الإنسان،وفهمه وتأمله ودراسته واستخلاص النتائج منه يؤدي إلى اليقظة العقلية وهي من أهم سمات التفكير العلمي السليم. وللإسلام الحنيف دور بارز في تنمية القدرات العقلية للإنسان مثل القدرة على الاستنتاج، والتأمل، والتفسير، وإدراك العلاقات.

ولكن إذا ما نظرنا إلى الخطاب الديني الراهن والتعليم الموصوف بالديني ببعض الدول العربية أيضاً نجده بعيداً عن التنوير وإعلاء قيم العقل في التناول للنصوص الدينية، وربما كان هذا سببه هو جعل فئة قليلة تسيدت مشهد الخطاب الديني رؤية مواضعة التنوير هذه على أنها أساس لضياع وتقويض المجتمع وإحلال قيم غير إسلامية في مجتمع إسلامي متدين. ومن ثم وجدنا المتزعمون للخطاب الديني يهتمون بالإشارة إلى الكتب الأدبية القديمة حينما يحاولون الجلوس مع التنويريين في مقعد واحد، وهم يشيرون إلى هذه الكتب التي توضح أحوال الأمم، و تحث على الفضائل وتنفر من الرذائل وارتكابها دون غيرها.

ومشكلة الخطاب الديني المعاصر أنه نأى بعيداً عن مقصده التنويري والإصلاحي للفرد والجماعة على السواء، وذلك حينما قصر همه على تكفير البعض واتهام البعض الآخر بالتفسيق، وإلقاء تهمة الخروج السافر عن تعاليم الشريعة، وهو في ذلك يكون قد ارتكب ذنباً قد لا يغتفر لأنه حمل غيره تكفيره بغير دليل قطعي، بالإضافة إلى أنه تنصل من مهمته الحتمية وهي تنوير العقول والألباب. ولقد اعتبر الإمام محمد عبده البعد عن التكفير من الأصول الرئيسة والأساسية في الإسلام بل وأعده حكماً رئيساً من أحكامه وهو البعد عن التكفير، ويقول في ذلك "إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر". و هناك قاعدة تقتضي بأن التكفير حكم شرعي من أحكام الدين له أسبابه، وضوابطه، وشروطه، وموانعه، وآثاره. وهذه القاعدة لا ترتبط بدين معين، أو مله بعينها، والتكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره اتلله الله المطلع على ما في الصدور، والشهيد على أعمال عباده من البشر، وثبوت الكفر على المرء أمر لا يثبت إلا بدليل شرعي متفق عليه، سواء من النص، أو بإجماع العلماء والفقهاء كافة، وليس القلة منهم.

وما أخطر التحديات التي تواجهنا هذه الآونة المحمومة بفضل اللغط السياسي الديني استباق بعض التيارات الدينية في إلقاء تهم التكفير على الآخر، وكنت قديماً أسمع تهم التفكير تلصق بكبار المفكرين والأدباء والشعراء ورموز التنوير، أما اليوم فعلى العامة، والأدهش أنه من يلقي هذه التهم ليس عالماً بالأدلة الشرعية الثابتة، بل ولا يبدو مؤهلاً بالفتيا الشرعية. ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو " الورطة"، ولقد توعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله : " لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك". أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. وهذا السلاح كان قديماً يردده رجل على مرأى ومسمع قلة من الحضور ببلدة صغيرة، ثم يتناقل الخبر بصورة وئيدة ثقيلة حتى تصل لرجل يطالع حظك اليوم في شرفته، أما هذه الأيام فالنار تستعر بالهشيم سريعاً، من خلال المنتديات، والفضائيات، والمدونات، والرسائل الإليكترونية، والفيس بوك.

والمتأمل لهذا الأمر ـ الغلو في التكفير ـ يرى عواقبه التي تتمثل في استحلال الدم ومنع التوارث وفسخ عقد الزواج وتحريم إقامة الفرائض. ويدهشني كثيراً حينما أقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي يتخذه معظم السلفيون إماماً لهم حينما يقول : فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ويبين له المحجة وإزالة الشبهة. أتعجب من هذه المقولة التي يتبع بعض السلفيون آراء صاحبها ونجدهم في ذات الوقت يكفرون ابن رشد وابن الفارض والمتنبي وطه حسين المبدع والمفكر والإنسان والأستاذ.

وإذا كان الخطاب الديني الراهن قد نحا بعيداً عن المفاهيم الدينية والتجأ إلى حائط السياسة، فإنه من أصول الإسلام قلب السلطة الدينية  والإتيان عليها من الأساس هو من أجل أصول الإسلام، وهذا ما أكده الإمام محمد عبده من أن الإسلام عمل على هدم بناء تلك السلطة، بل ومحا أثرها، ويشير إلى ذلك بقوله : " لم يدع الإسلام لأحد لأحد بعد الله ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كان مبلغاً ومذكراً لا مهيمناً ولا مسيطراً ". يقول الله تعالى : ]فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر[.

ولكن نجد بعد تصاعد الشهود السياسي للتيارات الدينية أن منهم من يصر على أن يصبح مرجعية دينية فقهية أشبه بالمرجعيات الموجودة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية أو بجنوب لبنان من المرجعيات الشيعية التي تنتزع الحقيقة والبرهان بغير منازع، وهو ما يجعلها تفرض على المجتمع الانصياع التام لمقدمات ومعلومات وفتاوى لا تسير في اتجاهين ولا تقبل التفكير فيها مرتين..

والحرب حربان : حرب لخصمك وحرب عليه، هذا باختصار ما يحدث في شهود وإحداثيات الخطاب الديني المعاصر الآن، فمنذ صعود جماعات الإسلام السياسي إلى سدة الحكم ببعض الدول العربية عقب ما عرف بانتفاضات الربيع العربي والتي باءت بالفشل بفضل تسيد جماعات مغلوطة الفكر والتوجه وربما الهوية أيضا وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين  ـ والوطن العربي برمته يشهد حالات من هوس العنف الذي نتج عن تطرف في الفكر ولغط في الرؤى حول تحقيق مطامح ومصالح شخصية، والحرب الجارية في أروقة الخطاب الديني ليست حربا بين شعوب وجيوش، هذا خطأ في التفسير وخطأ في تأويل المشهد، بل إن الحرب التي بدأت منذ اشتعال انتفاضات الربيع العربي في 2010 إنما هي محاولة جاهدة لإسقاط الحصانة عن النص بلغة أهل الفقه والرواية التي تجيدها بعض الفصائل المسئولة عن العبث الحادث.

والمقصود بإسقاط الحصانة عن النص هو الخروج على النظام واحتراف الفوضى بطريقة قصدية وعمدية لتقويض وطن يستشرف مستقبله بخطى لم تعد ثابتة. والنظام لا يعد سلطة عسكرية أو شريعة دينية، بل هو نسق حضاري متغلغل في الوعي الجمعي للمصريين استطاع أن يشيد أهراماته وأن يبني سداً عالياً وأن يساند أمته في أشجانه وأحزانه ويحفظه من السقوط. لكن كل المحاولات التي بدأت نشاطها في العبث بمقدرات هذه الأمة الضاربة في القدم قدم التاريخ نفسه هي مساع خبيثة لجعل المواطن الواحد أقلية في وطنه ؛ ومن ثم يروق لأصحاب هذه الفصائل أن تقتنص وأن تنتزع وأن تغالب وأن لا تشارك أحداً وأن تعتلي سدة الحكم والحل والعقد والعزم دونما شريك أو وريث.

وما يحدث في بر الخطاب الديني وبحره أيضا الآن هو معركة هزلية لجعل البلدان العربية طوائف وفصائل متعددة أشبه بطوائف الأندلس قرب سقوطها الأخير بغير رجعة، استثماراً لقاعدة مفادها إذا أردت أن تضعف دولة ما ويختل توازنها أسقطها في دوائر من الطائفية وأقحم مواطنيها في جدل من التعددية لا المجانسة والمشاكلة، والمشاكلة مواضعة لغوية لا تعني المعارضة بل تشير إلى التوافق والتكيف بين المواطنين في المشاعر والأفراح وحالات الحزن. وهذا بالفعل قائم ؛ فمعظم بلدان الوطن العربي التي لم تستقر سياسيا أو أمنيا حتى وقتنا الراهن مثل سورية ولبنان وتونس وليبيا والسودان وبعض الوقت بالعراق الشقيق أصبحت الآن ساحة نزال فكري وجسدي بين أنصار هذا وأعداء ذاك، وبين أحلام الجماعة التي لم تؤمن حتى الآن أو تعترف بأنها بحق سقطت سياسيا وشعبيا التي كانت محظورة في اقتناص الأوطان بغتة، وبين ائتلافات تدعي السياسة ولا تعيها، هذه الدول السابق ذكرها تلك صارت بفعل ما سبق وطناً شتائياً يسكنه العطش رغم أنه يعيش في حالة مخاض مستمر لم يحن إغواؤه بعد، وكان ما يتم على أرضه من ممارسات تقترب إلى العبثية منها إلى صالح البلاد هو مجرد طبيب مبتدئ يجري عملية قيصرية لامرأة حبلى لم يحن بعد وقت ولادتها الطبيعية.

ومن المؤسف أن نجد في مصر دولة طوائف بالمعنى الرمزي غير الرسمي، حتى وهذه الفصائل غير الاحترافية التي ألقت بنفسها في السياسة بغير علم ودراية بقوانين البحر لم تتعرف على أنظمة الدول التي تقبل على أراضيها فكرة تعايش فصائل وطوائف سياسية كلبنان على سبيل المثال. لذا بدا المشهد في مصر أكثر دموية، وغدت الصورة أكثر حلكة وتعصباً وإراقة وإهداراً للكرامة. وهذه الفصائل التي ربما تغضب من بعض السطور الواردة في هذا المقال إنما من باب أولى أن تدرك جيداً أنها تمارس نفس الدور الذي كان يمارسه النظام الأمني السابق ولكن بصورة مبتذلة، ذلك حينما تحاول التغيير عن طريق حرب أهلية بين جماعات أو أحياء أو فصائل أخرى، وكذلك ساعة ما تستخدم دون جدوى حق الفيتو لحماية مصالحها فقط دون الاكتراث بمصلحة الأمة وأهدافها الرئيسة.

وبينما تعبث فصائل سياسية ذات طبيعة دينية لكنها لاتمثل الإسلام جميعه ولا صحيحه بأية حال، فهي تلجأ بصورة متكررة إلى استخدام حق الفيتو المصري المسلح والفوضوي في مواجهة السلطة أو الجماعات والائتلافات  الرافضة لها، لذا فتجد أنصار هذه الفصائل الطائفية تستخدم لغة التضليل والتمويه بطريقة متميزة وتوحي لذلك إلى مريدينها من البسطاء والمهمشين والذين لا يقدرون الحياة قدر تقديرهم لأنهم يريدون طعاماً يأكلونه وشراباً يشربونه على مضض.

فهم يصورون لأنصارهم بأن مصر إما دولة وثنية لم يدخلها التوحيد بعد، لذا فضروري أن تشهر إسلامها وتدخل في طاعة الإسلام غير مبالين بوطن دخله الإسلام منذ أكثر ما يزيد من أربعة عشر قرناً بل وأقامت أولى منارات العلم والمعرفة الإسلامية في العالم. وإما أن تدلل على أن المجتمع بأسره فاسد وجاهل وفوضوي ولا يمتلك رؤية أو رسالة نهضوية لذا فهو في حاجة ماسة إلى مشروع نهضة تقيم حضارة قوية.

وهذا الفصيل السياسي هو ما يعرف بالتيارات الدينية التي أصبحت تتسيد المشهد السياسي والشوارع أيضاً بفضل اعتصاماتهم وبوستراتهم ولوحاتهم ومنصاتهم، وهذه التيارات الدينية التي صعدت نحو المشهد السياسي واعتلته بقوة جنونية وبدأت تهوي بنفس السرعة لأسباب متباينة منها ما هو خارج عن إرادة أحزاب وفصائل الإسلام السياسي ومنها ما هو من داخلها بفضل تصريحات أو شعارات أو تصرفات اصطدمت برأي الشارع العربي الذي أصبح اليوم أكثر وعيا ودراية عما سبق. فتلك التيارات لابد وأن تعترف بأنها خسرت معركة الظهور والتواجد الشرعي، وباتت تخسر كل يوم وليلة شبراً جديداً لها على أرض الوطن العربي لأنها باختصار ظهرت بمظهر المغالب للسلطة والمقتنص للفرص المواتية التي تأتي بها ريح المشهد السياسي.

ووضح الأمر أن تلك الفصائل السياسية ذات الصبغة الدينية تفتقد إلى منهج واضح وخطة براجماتية للنهوض بدول الوطن العربي التي ظهرت بها تلك الفصائل الموتورة، فالقصة مكرورة وأصبحت مملة لإعادة صياغتها بعبارات جديدة، التواجد على استحياء ثم الدخول في تفاصيل هامشية واعتلاء السلطة والمنصب ومن ثم تحقيق مطامع ومطامح تخص الفصيل بعينه دون الاهتمام بالشأن العام، فمنذ وأن بدأت أحداث قصة التيارات الدينية عقب انتفاضات الربيع العربي بتونس ومصر وليبيا والأصوات العالية تدشن حملات ومعارك تجاه الإعلام والصحافة والجيش والقوى المدنية، وتقيم سرادقات فضائية وإعلامية موجهة دون المساس بمستقبل البلدان الاقتصادي والتعليمي وأيضاً الترفيهي.

وكادت البيانات والخطب التي تصدر عن هذه الفصائل لا تخرج عن قضايا فقهية حسمها الشرع منذ قرون، وهم لا يزالوا يفكرون بمنطق الفاتح لبلد تعيش وثنية متأخرة، ولم يعد يكفيهم ما يرونه على أرض مصر من مظاهر دينية كفيلة بحسم قضاياهم المزعومة سوى أنهم يؤكدون كل عشية بأنهم يحملون خيراً لأوطانهم، ويبدو إما أن هذا الخير ثقيل جداً لدرجة عدم حمله، أو أننا من وجهة نظرهم لا نستحق هذا الخير.

ولعل التيارات الدينية التي تجتهد سياسياً مثل جماعة الإخوان المسلمين كإحدى هذه الفصائل والطوائف  تدرك أن عليها الآن سرعة تغيير قراءتها للواقع السياسي في غير ضوء ماضي الأنظمة السياسية التي سقطت عقب انتفاضات الربيع العربي ، علاوة على إسقاط الفكرة القديمة التي ترى الوطن ممثلاً في جماعة أو كيان واحد لأنه باختصار وفي ضوء قراءة التاريخ ما دام الشعب طوائف فلا وجود لوطن. ولكن ربما يلتمس المحللون أكثر من عذر لبعض التيارات والفصائل الدينية كالجماعة في معالجتها للوقائع السياسية، كونها تلجأ دائما وأبدا إلى ضمانة الماضي لإنجاز إصلاحات فرضها الحاضر.

وهنا يسترعي انتباهي سؤال هل اللجوء إلى الماضي تقتصد الطريق، ويقنع العامة، ويدفع الناس إلى قبول الجديد بيسر وسهوله ودون مناقشة أو جدال؟.

وإذا أردنا أن نبرر فشل بعض الفصائل السياسية في التكيف مع واقع المشهد السياسي الراهن فإننا لن نجد مشقة في إيجاد هذا التبرير، حيث إنه من الصعوبة أن تصل جميع الفصائل السياسية إلى بؤرة الضوء في المشهد السياسي سواء في البرلمانات أو المنصات الميدانية أو المنابر الفضائية عن طريق وسائط الليبرالية قبل وبدون أن تعيش كل هذه الفصائل والقوى مرحلة ليبرالية حقيقية. بل إن معظم من بزغ كضوء الصبح مشاركاً وممارساً لفعل السياسة ظل لسنوات بعيدة إما رهن الحبس أو الاستبعاد الاجتماعي. هناك أيضاً مبرر آخر لفشل تكيف بعض الفصائل السياسية مع الواقع الراهن لذا لجأت إلى استخدام مظاهر العنف والعبث السياسي وهو أن معظم هذه الفصائل تبنت أيديولوجيات شيعية وباكستانية وأفغانية ووهابية وكل هذه الأيديولوجيات شاركت الثورة المصرية في صناعة الدولة الطائفية أو ما سمي بالأيديولوجية الدينية.

ورغم تعدد الفصائل السياسية التي تعصف بالمشهد السياسي المحموم لاسيما في سورية والعراق وليبيا وتونس على وجه التحديد والتي تنذر بوجود دولة طوائف على أرضها، نجد أن حدة الصورة الطائفية قد بدأت في الأفول تدريجياً تحديدا جماعة الإخوان التي اكتشفت أنها تقف وحيدة منفردة أمام رفض شعبي عربي لا نستطيع الحكم عليه بأنه رفض مطلق بل هو مرحلي أشبه بفقه الحالة التي ينمحي بتلاشي أسبابه ومسبباته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق