في فلسفة الثابت والمتحرك - د. حسن عبود النخيلة - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

الخميس، 18 يونيو 2020

في فلسفة الثابت والمتحرك - د. حسن عبود النخيلة

الميتامسرح في اندماجه وانفصاله عن الفلسفة الافلاطونية


يتجسد على مستوى الطرح الفكري (الأفلاطوني) رصد محركات الخاصية التأملية الميتامسرحية متمثلاً بتفريق (أفلاطون) بين ( الحقيقة ) و(النسخة)، (الثابت ) و(المتحرك).
  فمن باب المقارنة التي يجريها (أفلاطون) بين (الحقيقة) و(النسخة) فإن نظريته عن المحاكاة تذهب إلى القول بأن (الحقيقة واحدة)، أما النسخ فتمتاز بالتعدد، وهذا هو ديدن العالم الحسي الفاني. ويتضح ذلك جلياً في الكتاب العاشر من (الجمهورية) في المحاورة التي تدور بين (سقراط) و(غلوكون):
(( س – أستحلفك أن تخبرني ألسنا قد بينّا أن المحاكاة لا تتعلق إلا بما ابتعد عن الحقيقة ثلاث منازل ؟.. تلك هي النتيجة التي كنت أنشد الوصول إليها حين قلت إن الرسم أو التصوير والمحاكاة بعامة قد ابتعدت كثيراً عن الحقيقة وهي تؤدي عملها على أكمل وجه. وإن لضروب المحاكاة في دخيلة أنفسنا صنواً يُعدّ لها صديقاً ورفيقاً وخليطاً وإنه يبتعد عن العقل مثل ابتعادها عن الحقيقة وإنها جميعاً ليست تتوجه نحو غاية سليمة أو صحيحة.
غ- تماماً ))(1).
     عبر ذلك يقيم (أفلاطون) في نظريته الفلسفية، مقارنة بين عالم الأشياء بحقيقتها، وعالم الظلال  المنعكس عنها، عندما يمثل إلى عالم الإدراك الحسي ويشبهه بكهف تقطنه مجموعة من الناس منذ نعومة أظفارهم، بينما قيدت أرجلهم وأعناقهم  بالسلاسل وظلوا جامدين لا ينظرون إلا باتجاه واحد، في حين أن هناك ناراً مضرمة خلفهم  في موقع أعلى منهم وقد فصل بينهم وبين تلك النار دكة أقيم عليها جدار منخفض شبيه بذلك السياج الذي يستعين به المشعوذون في تقديم ألعابهم وتمريرها على ضحاياهم، على هذا السياج اناس يمشون حاملين تماثيل بشرية وحيوانية، وهم يمارسون سحر الصورة الوهمية على هؤلاء المساجين الذين لا يرون سوى الظلال المتحركة أمامهم، إلى درجة انه لو تكلم احد هؤلاء الممارسين للألعاب من خلفهم لظنوا أن الظلال هي من تنطق، في حين انه لو تسنى لأحد هؤلاء المساجين أن يتحرر من أغلاله ويتمكن من الالتفات إلى ورائه لكان قد رأى مصدر النور. ولو أن هذا الرجل قد اقتيد إلى مرتقى أكثر سمواً فتم الخروج به إلى نور الشمس، فأنه لا يجد إلا عينيه قد بهرتا إلى درجة تعذر رؤية شيء مما كان يحسبه حقيقة. وهكذا لابد له من أن يأتلف رؤية أشياء العالم الأعلى كي يحقق أعظم قدر من النجاح في تمييز الظلال(2).
    ولعل (أفلاطون) يقترب في نظريته هذه مما جاء به (هيراقليطس) مسبقا من تأكيد على استحالة العثور أو الإمساك بالحقيقة في عالم طابعه الجريان الدائم، إلا أن (هيراقيطس) لم يقل بوجود نسخ للحقيقة، فالحقيقة لديه ليس لها مكمن أو ثبات - كما هي لدى (أفلاطون)-، وتلتقي فلسفة (أفلاطون) هذه مع تطلعات وأفكار الكاتب الايطالي (لويجي بيرانديللو) فقد عبر الأخير عن هذه الفلسفة التي كانت مثار الممارسة الميتامسرحية في نصوصه بامتياز على الصعيد الفني والتأملي، وهذه نقطة التقاطع بين الاثنين. فالفن لدى (بيرانديللو) هو الحقيقة الفعلية وهو ما يمنح ثباتاً لما هو متحرك في صميم الواقع الزائل. بينما يؤكد حكم (افلاطون) على الفن أنه نسخة مضللة عن الحقيقة، بل هو إعادة إنتاج الصورة المضللة والمشوهة للعالم المحسوس، مما يجعل منه خديعة تفوق زيف الواقع المحسوس نفسه .
  إن ما يستثير علاقة الخاصية التأملية في الممارسة الميتامسرحية بالفلسفة الأفلاطونية هو ذلك التأمل الناشئ من مجاورة النسخة مع الأصل، أو الحقيقة مع ظلها، أو انعكاسها، التي لا يأخذ بها (بيرانديللو) وحده في تطبيق فلسفته الفنية عموماً و الميتامسرحية خصوصاً. بل تلاحظ آثارها بشكل جزئي في المسرح اليوناني أيضاً، فالمتأمل – مثلاً- في مسرحية (الفرس) لـ (ايسخيلوس) سيجد، أن في هذه المسرحية تفعيل لخاصية التأمل عبر استحضار النسخة التي هي انعكاس عن الأصل، ولان هذا الاستحضار هو خروج عن المألوف، وتمرد على المنطق العقلي، فهو يحمل فاعلية التأمل الميتامسرحي بشكل اكبر، إذ يعد وجود (الأشباح) من الأشياء اللامعقولة، ومحادثة (الشبح) الذي هو في حقيقته نسخة من صورة (الميت) الحقيقية، يعطي فسحة كبيرة للتأمل، وإعادة الوعي بفنية الكتابة المسرحية. بخاصة وان شخصية (المؤلف)– (ايسخيلوس) تتبدى، وتكشف عن نفسها، عبر الارتكاز على الخاصية النقدية الميتامسرحية، من خلال تحميل حوار شخصية الشبح (داريوس) مساحة نقدية تدين العدوان الفارسي على اليونان، وتعطي تفسيرات لدواعي الهزيمة النكراء التي حلت بهم.
  في ضوء ذلك يحقق وجود النسخة التي تنوب عن الأصل، الخاصية التأملية الميتامسرحية، ويحقق الحوار المنطوق به على لسان  (الشبح) وما يتخلله من إدانة ونقد - الخاصية النقدية-  :
(( رئيس الكورس : ماذا تقول ؟ هل لم يجتز كل الجيش الفارسي مضيق هِليه ويغادر أوربا ؟
داريوس: كلا، بعض الرجال من بين الالاف – إذا كان علينا أن نصدق وحي الآلهة، بملاحظة كل ما تم : لا يشاهد تحقيق بعض هذا الوحي دون تحقيق البعض الآخر، وإذا كانت الوقائع هي كذلك،
فإن احشويرش، بتركه فرقة مختارة، فإنه يطيع آمالاً كاذبة. إنها باقية في الأماكن التي فيها أسوبوس Asopos يروي الساحل بمياهه الجارية، إنه المغذي المحبوب لأرض بيوتنا، وهناك تنتظرهم آلام
في غاية الشدة، جزاءً وفاقاً لتجاوزهم الحدّ وغطرستهم الفاجرة : إنهم جاءوا إلى بلاد اليونان، ولم يترددوا في نهب تماثيل الآلهة وإحراق المعابد، وهم الذين دمروا المذابح وصور الآلهة وقلبوها رأساً على عقب، وحطموا قواعدها.إنهم آثمون مجرمون، فاستحقوا العقاب بقدر جرائمهم وتنتظرهم مصائب أخرى............. (الشبح يختفي. صمت طويل) ))(3). 
   وعلى صعيد فلسفي آخر يناقش (أفلاطون) ثنائية (الثابت) و(المتحرك) والفوارق القائمة بين الاثنين بالإستناد إلى فلسفته المتعلقة بنظرية المثل، ودليله في الحركة والثبات، ارتباط عالم (المثل) بما هو ثابت، وان هذا اللاتغيير ما يجعله مصداق الحقيقة، في حين أن المتحرك هو ما ينتمي إلى عالم المحسوسات لأنه عالم متقلب، مظاهره متلونة لا تكف عن التغير، وهو بمنظور (أفلاطون) (( سلسلة من السيلان الهيراقليطيسي الدائم للمظاهر المتغيرة أبداً التي لا يمكن إدراك معرفة حقيقية   لها ))(4)
   ويناقش (أفلاطون) موضوعة (الثابت ) و(المتحرك) في معرض تصديه لمشاركة المثل ببعضها وأيها يتقارب، وأيها لا يمكن أن يجتمع، على هذا الأساس يؤكد عدم اجتماع (( الحركة والسكون، لأن السكون لا يمكن ان يكون في حركة أو الحركة في سكون، لكنهما يشتركان في المشابهة وعدم المشابهة، لكونهما يشبهان نفسيهما، ولا يشبه كل منهما الآخر ))(5)
   وما يوضح تحطيم هذه القاعدة على المستوى التأملي الميتامسرحي، ما يشغله الميتامسرح من تحويل في الصفات في نصوص مسرح اللامعقول، فمثلاً في مسرحية (إميديه) للكاتب       ( يوجين يونسكو) وفي مسرحية (الصخرة) للكاتب (فؤاد التكرلي) تتفرد الممارسة الميتامسرحية في تقديم رؤية عكسية لما جاء في الفلسفة الأفلاطونية بشأن الساكن والمتحرك، قصد استثارة التأمل الميتامسرحي، فالساكن (الصخرة) يكون متحركاً، والميت (الجثة) بوصفه ساكناً - مسلم في أمره- يغدو متحركاً.
    إن (أفلاطون) إذ يترجم في فلسفته ما يلامس الطبيعة الفكرية التي تنتهجها الممارسة الميتامسرحية  فهو من جانب آخر يدخل في الحيز التطبيقي لهذه الممارسة الميتامسرحية من خلال محاوراته التي قدم من خلالها  مجمل أفكاره الفلسفية، وقد تفرد (افلاطون) بهذه المحاورات بالمزج بين تقنيات الفن الدرامي والمادة الفلسفية، إذ أنتج ذلك أثراً مهماً على مستوى أسلوب العرض وتبسيط المادة الفكرية، وخلق عوامل التفاعل معها (( ولهذا فإن محاورات " أفلاطون" أقرب ما تكون للأعمال المسرحية التي تفترض بالضرورة جمهوراً تخاطبه، بمعنى إنها تتطلب وجود المشاهد المستمع. ولهذا المشاهد المستمع دور في العرض الدرامي عليه أداؤه، إذ يجب عليه أن يفهم أغراض المؤلف، وان يستخلص نتائج العمل ))(6).
   ومما يوثق الممارسة الميتامسرحية ضمن محاورات (أفلاطون) هو ذلك الاختباء، أو الاختفاء خلف شخصية (سقراط) الذي يلجأ إليه (أفلاطون). فيحله بديلاً عنه في تبني أفكاره وأقواله  فيصبح المتلقي أمام فاعلية وجود (سقراط) - المجادل الحاضر، الذي هو في الأصل غائب، و(أفلاطون) - الغائب، الذي هو في الأصل حاضر، وعلى حد قول (برتراند رسل) (( إن سقراط الذي نجده في المحاورات ما هو إلا ناطق بلسان أفلاطون، الذي عرض بهذه الوسيلة الأدبية كل الآراء التي خطرت بباله في تلك الفترة ))(7). على سبيل المثال يتبدى تبادل المواقع والتداخل في المستويات السردية ليعلن فيه (أفلاطون) ثنائية التجلي والإخفاء ضمن محاوراته في (الجمهورية) في الكتاب الأول المعنون بـ (العدالة) إذ تتناوب هذه الثنائية للمؤلِف الأفلاطوني، حيث يبرز بوصفه مؤلفاً للقطعة الحوارية، بيد انه سرعان ما يتوارى، بعد أن يجعل (سقراط ) ومحاوره (ثراسيماخس) يتكفلان عنه مهمة التبليغ عن آرائه ومجادلاته، لكنه لا ينسحب نهائياً، ولا ينحي صوته تماماً، ليلفت الانتباه بأسلوب فني إلى ذاته، عبر مرآة ترسمها بدقة وتركيز شخصية (سقراط)، تليها بالأهمية شخصية (ثراسيماخس) بوصف الأول حاملاً للرأي الأرجح الذي يعكس الشخصية الأفلاطونية، أما (ثراسيماخس) فهي مصداق كلام (سقراط) ، والقطب الحواري الداعم له :
(( قال سقراط : فلما سمعت الكلام دهشت. ورفعت نظري إليه مذعوراً. ولو لم أكن قد سبقته بالنظر لأبكمت، وجمدت كالصنم، ولكن كانت قد حانت مني التفاتة إليه، لما بدأ القول فسبقته
بالنظر. ولذا تمكنت من مجاوبته. فقلت بقليل من الرعشة :
س: لا تقس علينا يا ثراسيماخس. وإذا كنا انا وبوليمارخس قد اخطأنا في بحثنا فكن موقناً ان ذلك
لم يكن تعمداً. ولا يبرهن فكرك أننا لو كنا نبحث عن الذهب لما تساهل احدنا مع الآخر مستسلماً فضلا عن العثور عليه.  فأرجوك ان لا تظن اننا ونحن نبحث العدالة، وهي أثمن كثيراً من شذور الذهب، نكون اقل دقة في تمحيص الآراء، بغية إدراك الحقيقة . ويمكنك أن تعلم يا صديقي أن الموضوع فوق طاقتنا. فنحن، بإشفاق حصيف نظيرك، أجدر منا بملامه وتعنيفه.
فقهقه ثراسيماخس أوقح قهقهة لما سمع جوابي وقال :
ث: يا لهرقل ! إنها إحدى مظاهر الاتضاع التهكمي المتمكنة من نفس سقراط. ولقد عرفت ذلك فيك، وقلته لمن حولي، أعني أنك لا تجيب عن مسألة البتة، إذا سُئلت، بل تتجاهل ))(8).

الهوامش
(1) ديفد ديتشس، مناهج النقد الادبي : بين النظرية والتطبيق، ترجمة : د. محمد يوسف نجم،مراجعة :  د. إحسان عباس ( بيروت- نيويورك مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 2007 )، ص  34.
(2) ينظر: أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة : حنا خباز، ( بيروت : دار القلم  للطباعة والنشر والتوزيع، ب. ت )، ص 202- 203.
(3) اسخيلوس، تراجيديات اسخولوس : مسرحية الفرس، ترجمة وتقديم وتعليق : د. عبد الرحمن بدوي، ط1،( بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996 )، ص 156- 157.
(4)  أ.هـ. آرمسترونغ، مدخل الى الفلسفة القديمة،ترجمة : سعيد الغانمي، ط1  ( بيروت : المركز الثقافي العربي، 2009 )، ص 64.
( 5)المصدر نفسه، ص  75.
(6) د. محمد عباس، افلاطون والأسطورة، ( بيروت : دارالتنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2008)، ص 68.
(7)  برتراند رسل، حكمة الغرب : عرض تاريخي للفلسفة الغربية في اطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة : د. فؤاد زكريا، ج1، ط2، ( الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، 2009)، ص 105.
(8) أفلاطون، جمهورية افلاطون، مصدر سابق،  ص 20- 21.









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق