أمين معلوف : ولدت معافى بين أحضان حضارة تحتضر - سعيد بوخليط - مدارات ثقافية أمين معلوف : ولدت معافى بين أحضان حضارة تحتضر - سعيد بوخليط - مدارات ثقافية
  • اخر المقالات ..

    الأحد، 28 مارس 2021

    أمين معلوف : ولدت معافى بين أحضان حضارة تحتضر - سعيد بوخليط

    تقديم :

    أمين معلوف كاتب وأكاديمي يحظى بصيت عالمي، يبدي إحساسا مرهفا نحو”النداء الضمني لوقائع قابلة للحدوث”، حسب تعبير الشاعر قسطنطين كفافيس، التي جسدت شعارا لآخر أعماله.

    قبل عشرين سنة، كشف الكاتب الفرنسي-اللبناني عن مخاوفه حيال”الهويات القاتلة”(غراسي، 1998)، ثم أصدر منذ عشر سنوات عملا آخر ضمن نفس التصور تحت عنوان”اضطراب العالم”(غراسي، 2009)، وكذا مؤلَّفه الجديد”غرق الحضارات”(غراسي،  مارس 2019)، يرسم من خلاله ملامح غرق شامل، أصاب شتى جوانب الحضارة”لقد انطفأت تلك الأشعة المشرقة وامتدت الظلمات إلى كل الكون”.  

    يتسم خطاب هذا الكتاب في الوقت ذاته بكونه رحبا ومكثفا، يشمل القرن العشرين غاية اليوم، وقد مزج بين السرد والتأمل، كما يروي أحيانا وقائع أساسية يعتبر الكاتب ضمن أقلية عاينت حدوثها. معلوف متابع فطن لتطور العالم، بحيث يقارب مرتكزات انحرافاته المتواصلة والمدمرة.

    بمجرد عودته من بروكسيل،  حيث تسلم الجائزة الدولية ”نسيم حابيف” عن مجموع مشروعه،  التي تمنحها الأكاديمية الملكية البلجيكية عن اللغة والأدب الفرنسيين، لم يتوان معلوف عضو الأكاديمية الفرنسية منذ سنة 2011، في أن يتقاسم معنا بعض الإشكاليات التي تطرق إليها بين مضامين دراسته الصادرة حديثا وأفقها، ثم رحلته في عالم الكتابة.  

    س-كيف يتحدد عملكم الجديد قياسا إلى السابق”اضطراب العالم”؟

    ج-أقول بأن هناك استمرارية بين ثلاثة أعمال : ”الهويات القاتلة”، “اضطراب العالم”، وكذا ”غرق الحضارات”. خلال فترة كل عشر سنوات،  أصدر كتابا،  استراتجية لازلت أواصلها. لقد ترعرعت بين أحضان أب صحفي، وضع سمح لي منذ الطفولة، بمراقبة مشاهد العالم، وبين طيات صفحات الكتاب الجديد، سعيت إلى استعراض وقائع العقود الأخيرة، بغية  فهم الدواعي التي قادتنا صوب الوضعية الحالية، التي أجدها مقلقة جدا.  

    س-“لقد ولدتُ سليما معافى أتمتع بصحة جيدة بين أحضان حضارة تحتضر”. جملة مثلت استهلالا لبحثكم الذي يستحضر التداخل الهوياتي الذي تنحدرون منه، آباء مشرقيين من لبنان ومصر. غاية اليوم، لم تكتبوا كثيرا حول أسلافكم من جهة الأب؟

    ج-تنتمي أسرتي الأبوية إلى الجبل اللبناني. أيضا، جدَّاي من جهة أمي أصولهما لبنانية، لكن كالعديد من اللبنانيين خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، هاجروا نحو مصر وتزوجوا وقضوا هناك معظم حياتهم. ولدت أمي في طنطا،  ثم قضت طفولتها في هليوبوليس(مصر الجديدة)؛وقد حافظت بهذا الخصوص على ذكريات جميلة، مثلما أخبرتني بها. حينما أتكلم عن طفولتي، يلزمني التحدث عن هذين البلدين المشرقيين الجميلين، مع احتفاظ كل منهما على خصوصيته.  

    س-ألا تبدو لكم الصلة وثيقة بين بحثكم  مع كتابة المذكرات، بحيث تجعلنا نعيش من جديد لحظات حاسمة ضمن مسار تاريخ كنتم شاهدا على أحداثه؟

    جينتمي بكيفية ما جزء من الكتاب إلى نموذج كتابة السِّير : عندما أتكلم عن مشاهدات طفولتي، وكذلك حينما أستحضر الحقبة التي كنت خلالها صحفيا، حيث سافرت إلى بعض البلدان كي أتابع الأحداث. لكني يجب الإقرار بأن ذلك يبقى مجرد جانب من كتابتي. فلا أذكر ملاحظاتي سوى إذا كنت شاهدا مباشرا حيال وقائع مهمة. هناك كتَّاب يتحدثون عن العالم المحيط بهم كي يتكلموا عن ذواتهم.  أنا أقف إلى حد ما على النقيض من هذا التوجه، بحيث يمثل بالأحرى الحديث عن نفسي، مجرد  سياق لرصد معطيات العالم المحيط بي. هكذا، يقدم  كتابي، خدمة للتاريخ العام، من خلال سرد تاريخي الشخصي.    

    س-تطرحون في تحليلكم للوقائع، معطيات تاريخية، وأحيانا إسقاطات وفق صيغة أن الوقائع أمكنها أخذ وجهة أخرى.  فكيف تنظرون إلى دور الخيال بالنسبة لمساركم؟

    ج-لا أتكلم عن خيال لكن بالأحرى تأمل في إمكانات عديدة. يسير التاريخ بكيفية معينة، رغم ذلك بوسعنا افتراض آفاق أخرى، ثم تجليات مختلفة للوقائع.  توجد دائما مفترقات طرق تاريخية، بحيث تغير مجرى الوقائع، نتيجة تبني قرارات بكيفية معينة. هكذا بوسعنا التساؤل مثلا عن طبيعة التطور الذي كان متاحا أمام مصر والعالم العربي، لو أن عبد الناصر تجنب حرب 1967، ولم يرحل عن سن الثانية والخمسين؟بالتأكيد اتخذ عالمنا لحظتها وجهة مختلفة.

    س-بحسبكم، أدى لبنان ثمن ”فشله بخصوص العجز عن تأسيس وطن”. كيف تفسرون هذا الإخفاق؟

    ج-أعتقد بأن موطني الأصلي امتلك الكثير من المؤهلات كي يلعب دورا طليعيا على مستوى محيطه الإقليمي وكذا العالمي. نجد هناك أشخاصا نوعيين جدا، تمتعوا بمستوى كبير من التعلم والكفاءة، وكذا امتلاكهم تجربة فريدة عن حياة مشتركة بين أفراد لهم أصول مختلفة واعتقادات متعددة. بفضل هذه العوامل، كان لبنان مؤهلا كي يضم مختلف الطوائف داخل وطن واحد ديمقراطي وحداثي، ثم أن يقود منطقة واسعة جدا نحو سبيل تطور حقيقي. لكنه استسلم لتقلبات التعصب الطائفي. يلزمنا دائما التطلع إلى كون لبنان سيتجاوز هذه الحقبة القاتمة من تاريخيه، لكن بدا لي دائما بأن العقود الأخيرة شكلت فرصة ضائعة.  

    س-فيما يتعلق بخلاصتكم حول الوضعية اللبنانية، تحدثتم عن “حزن لم يكن لدي الوقت  لمواساة نفسي”. ما هو تصوركم بخصوص التصدي للطائفية؟

    ج-ليس بوسع أي مرسوم إلغاء الطائفية. يقتضي تجاوز إشكالية من هذا القبيل ممارسة فعلية واضحة، جريئة وطوعية، تتبلور طيلة عقود عديدة. ذلك،  أن الانتماء إلى نفس الطائفة الوطنية يسمو داخل العقول على مختلف الانتماءات الطائفية. للأسف، ماعدا بعض السنوات التي اتجه فيها العمل نحو هذه الوجهة، لم ننخرط مع ذلك بتصميم. حاليا، صارت الطائفية أكثر حدة مما كان عليه الوضع خلال الفترة التالية للحصول على الاستقلال. بالتالي،  لا أشعر بأن موطني الأصلي سيتمكن من الإمساك بزمام مصيره، بل يعتبر في غالب الأحيان ضحية لمختلف ما يجري حوله.  

    سأوضح تحليلكم الجيو-سياسي للقرن العشرين وشائج القرابة مع حضارات قديمة اختفت، هل تقترحون تأملا أفقيا حول تيمة الانحطاط؟

    ج-لست متأكدا بكوني أتحدث في الكتاب عن انحطاط، فلم تستحضر ريشتي عفويا هذه الكلمة؛ لاسيما أن ذلك يمثل مرحلة بالنسبة لتطور مختلف الحضارات. ما وددت قوله أساسا على امتداد صفحات الكتاب، أن جل الحضارات الحالية يشملها ما وصفته بالغرق، وأحاول فهم وشرح كيفية  ولوج العالم –الحضارات جميعها- هذا الوضع.  

    س-يلعب إذن كتابكم دور المنذر، وكذا المنتفض؟

    ج-يتعلق الأمر حقا بجرس إنذار، أعتقد بأن الكون ينحرف صوب أزمات أساسية،  قد تمس مختلف المجتمعات. بوسعنا كذلك تجاوز الأسوأ، لكن الأجل المتبقي في حوزتنا كي نأخذ بزمام الأمور يبقى متناهيا. لذلك، ينبغي لكل واحد إدراك طبيعة المخاطر المتربصة بنا، وهذا الكتاب ليس له طموح ثان. يتمثل دوري ككاتب في السعي إلى استيعاب وتفسير سير العالم.

    س-تستحضرون بعض الرموز السياسية الحاسمة، كما تحدثتم عن “هيكل جانوس”. هل يمكنكم توضيح دلالة هذا الرمز؟ وما الذي توحي به مقاربتكم؟

    ج-فعلا، تتناسب هذه الرؤية مع طريقة تفكيري في الوقائع. فما أسميه ب”هيكل جانوس”، يستحضر فكرة وجود رموز لعبت دورا هاما جدا في التاريخ، ودالا بالنسبة لشعوبها ثم باقي العالم، كما امتلكت خلال الوقت ذاته وجها آخر يقل إشعاعه كثيرا. أذكر تشرشل على سبيل المثال، فقد كان انخراطه حاسما خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه بعد ذلك لعب دورا سلبيا نحو إيران، حينما تآمر على الإطاحة بنظام محمد مصدق، الشرعي والمحترم. على ذات المنوال كان جمال عبد الناصر حاملا للواء أمل مدهش، وأعتقده شخصا نزيها للغاية، لكن رؤيته حول التدبير السياسي والاقتصادي لبلده، اتسمت بكونها مفجعة، وعجز عن مقاومة الصعوبات التي قادته وجهة الحرب مع إسرائيل شهر يونيو 1967،  مع إدراكه بأنه لم يكن مستعدا لمواجهة من هذا القبيل. هكذا استسلم لمزايدات شكلت نكبة عليه وكذا باقي العرب.  

    س- ضمن أيّ نطاق تشكل تيمة ”أسطورة التجانس” في صيغتها المعاصرة جدا إحدى ركائز الشر المعاصر؟

    ج-أعتقد على امتداد التاريخ، كلما حاول بلد استبعاد الأقليات بهدف أن يصبح متجانسا أكثر، إلا و أدى تكلفة باهظة جدا. النموذج التاريخي المطروح بالنسبة إلي في المقام الأول،  ذلك المتعلق بفرنسا لويس الرابع عشر، حينما قرر ذات يوم  تحت وازع التعصب، طرد حضور البروتستانتيين في المملكة، وألغى مرسوم نانتNantes . لقد شكَّل ذلك نكبة بالنسبة لفرنسا، مقابل استفادة العواصم الأوروبية الكبرى مثل برلين، لندن أو أمستردام، من هذا الوضع حيث التجأ إليها”الهوغونوتيون”(بروتستانتيين فرنسيين). لدينا أمثلة كثيرة عن دول تطلعت نحو طرد عناصر بدت لها غريبة عن الوطن، اعتقادا بأن الأخير سيصبح أكثر قوة عندما يتخلص من تلك العناصر الطارئة. لكن التاريخ أوضح بأننا لانعمل سوى على تثبيت معطيات الضعف حين ملاحقة سراب التجانس، وينتهي المآل بالبلد إلى إضاعة  جوهره.  

    س-فيما يخص المشروع الأوروبي، الذي يحظى بإعجابكم وجذب كثيرا من طموحكم، تجدونه عالقا بين دواليب إدارية. ماهي العناصر التي تسمح بإعطائه ثانية ديناميكية معينة، وعند مستوى الدور الذي تتطلعون إليه بهذا الخصوص؟

    ج-أعتقد بأن الاتحاد الأوروبي يجتاز أزمة خطيرة جدا، تهدد مختلف المنجزات التي تحققت غاية الآن. من الممكن أن الشعوب والمسؤولين يدركون طبيعة الوضع، ويتوخون تغيير المؤسسات. يمكن مباشرة الكثير من الأفعال، لكن يبقى الأمر صعبا، مادام المبدأ السائد في أوروبا، أن كل شيء يلزم إقراره  تبعا لإجماع الدول الأعضاء، مما يطرح إشكالية، لاسيما فيما يتعلق بقرارات جريئة.  تطور مسألة البث في الأزمة الحالية سيكون معقدا، وطويلا جدا.  

    س-يبدو بأنكم تشعرون بالتحسر جراء ضياع مثل عليا كونية، هل يرتبط ذلك بإخفاق الشيوعية؟

    ج-لقد وعدت الشيوعية بتغيرات كثيرة، فأثارت بالنسبة لكل المجتمعات انتباه العديد من أفراد يحظون بمكانة، لكنها عجزت عن الوفاء لوعودها. ما أتحسر عليه، من جهتي، أن النقاش الفكري، الذي ساد على نحو كبير خلال فترة معتبرة من القرن العشرين، اختفى اليوم، وحلت محله إقرارات هوياتية تحريضية، عنيفة غالبا. تطور يدعو إلى الحسرة قاد  مختلف المجتمعات الإنسانية نحو التفتيت، ويمثل ذلك في نظري تراجعا أخلاقيا وفكريا.  

    س- بالنسبة إليكم، تشكل أقلية جماعة المسؤولين’ ‘أصحاب الرؤى والعمليين’ ‘الذين يحملون قيما عليا ويتسامون فوق المصلحة الفردية”. بالتالي من الشخصية السياسية بحسبكم التي تقترب أكثر من هذا النموذج المثالي؟

    ج-إن أمكنني الكشف عن اسم اعتبرتُه خلال الحقبة الأخيرة، صاحب رؤيا، وميزته سمات أراها ضرورية بالنسبة لقائد يدير شؤون بلد، فإنه نيلسون مانديلا. لقد اتصفت مقاومته بكثير من الشجاعة والإضرار حينما اقتضى الأمر تحرير وطنه من التمييز العنصري، وعندما انتصر، أبان فورا عن كونه متسامحا ومدَّ يديه إلى خصومه متغاضيا عن كل الشر الذي أصابه منهم طيلة عشرات السنوات. مانديلا، نموذج مدهش تماما يستحق الاقتداء به على مستوى مناطق أخرى من العالم.  

    س-تضمن كتابكم، مقاطع تعكس نوعا من الحنين، أو الحزن. فأين يكمن نطاق أحاسيسكم ضمن مسار تأملكم؟

    ج-صحيح بأني أتكلم غالبا عن الحزن، لاسيما عندما ألاحظ مآل البلدان التي تجمعني معها روابط، وأنا أراقب مصير انحرافها، مع أنها كانت واعدة جدا. أعتقد  أحيانا بضرورة الإفصاح عن المشاعر التي تنتابنا. في ذات الآن، يلزم التسامي عن الأحاسيس الذاتية قصد تحليل الوقائع بهدوء دون الاستسلام لمتاهة الحنين أو الحزن.  

    س- ماذا تقرؤون حاليا؟

    ج-أقرأ كتبا متنوعة جدا :أتلقى نصوصا من لدن أصدقاء كتَّاب، وأعمال تتنافس على جوائز أدبية تمنحها الأكاديمية الفرنسية.  تنصب قراءاتي غالبا على الأبحاث التي أنا بصدد إنجازها كمشاريع لمؤلفاتي. لذلك، يتجه اهتمامي بالأحرى نحو موضوعات معينة على حساب أخرى. منذ فترة، اتجهت أكثر نحو الأعمال التاريخية، سواء الدراسات وكذا السير الذاتية.   

    س- ما العمل الفني الذي أثر فيكم بشكل خاص؟

    ج-يوجد الكثير! أحب جدا لوحة المصلوب لسالفادور دالي، أجدها في غاية الروعة.  لا أضمر انجذابا خاصا لشخصية هذا الرسام، لكني اعتبره صاحب موهبة خارقة.  

    س-هل يمكنكم أن تكشفوا لنا عن طبيعة علاقتكم بالكتابة؟

    ج-أكتب يوميا،  بحيث يمثل ذلك جوهر حياتي اليومية. أستيقظ،  أتوجه إلى مكتبي وأشرع في العمل،  لا يعني ذلك ممارسة الكتابة وفق المعنى الحرفي للكلمة، بل أحيانا أقرأ، أو أنجز أبحاثا، أوثق أو أنكب على نص كتبته البارحة. الكتابة عمل يومي بالنسبة إلي، ولا ينافسه هاجس ثان.

    س-كيف تعيشون شهرتكم ككاتب؟

    جصدقا،  لا يشغلني الأمر قط. أعيش على إيقاع الكتب التي أشتغل عليها. فحينما أنهي عملا، أصدره، ثم أتحدث عنه قصد التعريف به، وبعدها أعود مباشرة إلى عزلتي داخل مكتبي للعمل على مشروع الكتاب القادم، لذلك يظل حقا ثانويا الجانب العمومي لنشاطي.  

    مرجع الحوار :

    Lorient le jour ; 04 Mars 2020.

    • تعليقات المجلة
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: أمين معلوف : ولدت معافى بين أحضان حضارة تحتضر - سعيد بوخليط Rating: 5 Reviewed By: عبد السلام مسعودي