يأتي إليّ في
المنام مبتسما، بابتسامته المعهودة المرتسمة فوق شفتيه الجميلتين وشاربه الصغيرين،
يحتضنني ويشمني، أضلاعي أخالها تتهشم تحت ضغط ذراعيه، يقضي وقتا طويلا في معانقتي
ثم لم يلبث ان يمسح دموعه بكمه، يركبني في الأرجوحة ويدفعني إلى الأمام ثم يقول:
- لا تنسي يا بنيتي أن تعتني بأمكِ المريضة، يقولها ويتأهب إلى
الرحيل، كعادتي أهبطُ من الأرجوحة وأركض وراءه باكية، يمسح على رأسي بكفه الحانية
وهو يقول لي وسط دموعه المنهمرة على وجنتيه
- واظبي على دراستك وكوني مجتهدة كأبيك، هيا عودي إلى مكانك يا حبيبتي،
وداعا، يلّوح لي بيده، ويختفي عني.
***************************
أخوالي وأعمامي وأمي كانوا في أشد حالات الحزن والحيرة ،باعوا كل شيء ثمين في
دارنا، كلما جمعوا مبلغا من المال جلسوا يعدونه دينارا دينارا، وفي كل مرة لا
يكتمل المبلغ المطلوب، ينبشون في ذاكرتهم المتعبة والمشوشة عن تذكر حاجة ما
يبيعونها كي يكتمل المبلغ، أكثرهم غضبا عمي الكبير هو الذي يجمع المال وهو الذي
يعده ،نظرَ إليهم آخر مرة وهو يقلب شفتيه امتعاضا:
- ألف دولار فقط ويكتمل
المطلوب ..مبلغ الفدية مرهق ويصعب جمعه، ،اشترطَ عليهم الخاطفون إثنان وثلاثون ألف
دولارا كي يسلّمون لهم أبي سالما، فقد اختفت السيارة الفاخرة من حديقة المرآب
والسجاد الإيراني الثمين والمصوغات الذهبية العائدة لأمي، حتى خلا البيت من كل شيء
ثمين.
**************************
تلك الليلة قرر أبي أن يعمل أرجوحة بناء على طلبي بدلا من الأرجوحة القديمة التي
تحطمت، استدعى فيها الحدّاد إلى البيت وجهّز له ما يلزم، طلب من الحدّاد أن يعمل
أرجوحتين في عامود واحد واحدة لي وواحدة له، ،عندما سألته بعد رحيل الحدّاد قال لي:
- مقعدان أفضل حتى نتأرجح
سوية، الا يسركِ هذا؟ تبسمت من قوله ووجدتها فكرة تروق له لأنه يتكاسل بدفعي ككل
مرة،
سيكون الوضع مختلفا هذه المرة، سيحرك قدميه
ويدفع جسمه ويسحبني معه، فعلا كانت الفكرة جميلة ومريحة بالنسبة له، يسحبني معه
عندما تعلو أرجوحته ليمسك بحبل أرجوحتي، أشعرُ حينها اني أطير في الفضاء، تتملكني
نشوة وفرح عاليين عندما تتطاير خصلات شعري في الهواء المنعش.
*********************
عندما ذهبتْ أمي لتستلم أبي في المكان والزمان الذي قرّره الخاطفون، حسب الاتفاق المبدئي
بين أعمامي وأخوالي، كانت أمي تحمل المبلغ في حقيبة سوداء تضعها تحت عباءتها، وهي
تمني النفس أن ترى أبي بعد تلك الأيام التي افتقدناه فيها ..سلّمت المبلغ لأحدهم
ركب سيارته وأشار لها إلى مكان ما قريب من موقع اللقاء، عندماوصلت امي وهي تبحث
عنه في الأرجاء، عثرت على جثة مرمية قرب مكب النفايات، .صرخت أمي وهي تلطم على
وجهها وسقطت مغشيا عليها ..أصيبت أمي بعدها بجلطة دماغية أقعدتها عن التدريس ومزاولة
أعمال المنزل.
***************************
كان أبي على غير عادته يدخل البيت و علائم حزن ترتسم فوق ملامحه، كنتُ أظن في
البداية أنه حالة ستزول عنه عاجلا أ م أجلا، ولم أشأ أن أسأله ..سألتهُ أمي عن سبب
غضبه وحزنه ..لا يحر جوابا، يترك المكان ويخرج إلى ناصية الشارع، حتى سمعته في تلك
الليلة التي سبقت خطفه، يقول لأحدهم وهو ينزوي في ركن الحديقة القصي الحديقة، كان
يتكلم وعيناه تبحثان عني خشية أن أسمع ما يدور بينه وبين المتحدث:
- اسمع لآخر مرة أقولها لك، لن أخشى غير الله،
المستندات المخزنية لن أغيّرها وسأطلعُ لجنة الجرد على كل شيء، حرامية، سرّاق
دمّرتم البلد .
*****************************
تلك أرجوحتكَ يا أبي فارغة، منذ تركتنا، هاهي أرجوحتي تنتظر يديك الحانيتين كي
تهزهما، لم أصدق أنك مت، لقد أقسمت لي انك لن تفارقني، تركتني صغيرة والآن أنا في الإعدادية،
تلك أمي المريضة طريحة الفراش تنظر بعينيها الذابلتين صوب الباب المفتوح تنتظر
مجيئك، مازالت تقسم أن الجثة التي رأتها لم تكن جثتك وأنها تنتظر عودتك سالما، كل
يوم تقول لي بفمها المجرور: سيعود و سيملأ علينا البيت فرحا وسرورا. تعال يا أبي
واقرأ خطوط الوجع في وجهي، في تجاعيد عين أمي، سطوري التي أكتبها إليك موبوءة
بالضباب ووجهك الساكن خلفها، يتلاشى، لا شيء سوى خيوط من حضور أريدها أن تقطّب
جروحي، كم مشتاقة لمناداتك باسمي أحنُ إلى كركراتك البريئة، لقد كبرتُ يا أبي ولا
تزال آخر قبلة طرية تنمو في جبيني، ماذا أفعل لذراعيّ وهما يطوقانك رغما عني،
فأصحو من غفلتي لا أجدُ سوى الفراغ، وأن ذراعيّ كانتا تتشبثان عبثاً بحديد
الأرجوحة الفارغة، سأكتب في مذكراتي كل شيء عنك، كل صغيرة وكبيرة.
سأكتب عنوانا
كبيرا (أحبك يا أبي) حملتُ دفتر مذكراتي وهبطتُ من الأرجوحة، دخلتُ غرفة نومي، ما
أن وضعتُ رأسي على المخدّة، حتى رنّ هاتفي النقال، الرقم غريب، رقم دولي، ليس عندي
أحد في الخارج من هذا الذي يتصل بي بعد منتصف الليل بساعتين ؟!.ترددتُ قليلا ثم
ضغطت على العلامة الخضراء، جاءني الصوت هادرا، صوت ليس غريبا عني، صوت سمعته من
قبل كثيرا.
- ألوووو، ابنتي ميس، أنا جميل أبوك، أنا
الآن اتصلُ بك من السويد، عم من السويد، لا تستغربي، أرجوك اهدئي،لا أريدكِ أن تبكي.
- لا لا أصدّقُ أبدا!
- اسمعيني بنيتي، أنا الآن
في السويد أعمل تاجرا كبيرا، متزوج من امرأة سويدية ولي منها ثلاثة أولاد
- آه يا أبي كم نحن
مشتاقون إليك.
- أنا كثير الشوق لكم،
ولكنني لا أستطيع زيارتكم، أتعرفين لماذا ؟
- ...........!
- لأنني مطلوب للقضاء
العراقي في صفقة مالية كبيرة، آسف أنني جعلتكم تبيعون كل شيء ثمين في البيت أقسم
أني سأعوضكم كل ما خسرتموه .
- أصدقني القول يا أبي، هل
كانت عملية خطفك من قبل الإرهابيين؟
- نعم لعبة، لعبة كي
أُموّهُ على الحكومة، .في سجلات القضية أني متُ مقتولا، أنا في بحبوحة من العيش
يتمناها كل عراقي،
- للأسف يا أبي، أنت الآن ميت فعلا،
تيقنتُ الآن بالذات أنني يتيمة، ابقَ كما أنت، نحنُ لسنا بحاجة إليك بعد اليوم،
سأبقى في وطني مع أمي، سأعتبر أنك لم تتصل بي، أرجوك امسح رقم تلفوني.
- هذا يا وطن؟ ابنتي، الوطن هنا، السعادة والفرح هنا، الحياة الرغيدة هنا، لم أعد اسمع ما قال بعد تلك الكلمات فقد أغلقتُ الهاتف، وبكيتُ بحرقة ،بدموع غزيرة، حملتُ المعول المركون على سياج الحديقة، وطفقتُ أحطّمُ الأرجوحة، كنت أضربها بكل قوتي حتى تقطّعت سلاسلها، أخذني اللهاث والتعب وتصبب العرق من جبيني، انتابتني نوبة جنونية هزّت كياني المرتجف، حتى أتيتُ على آخرها،.ثم ارتميتُ على الأرض، أنظرُ بعينين محتقنتين نحو حلقات الأرجوحة الحديدية التي تبعثرت هنا وهناك…


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق