في البنية الصوتية للعربية واثرها على صياغة مصطلحات جديدة - كمال أبو ديب - مدارات ثقافية

احدث المواضيع

السبت، 20 يونيو 2026

في البنية الصوتية للعربية واثرها على صياغة مصطلحات جديدة - كمال أبو ديب

 

لنقل إن العربية سيدة جميلة أنيقة موشحة بأجمل ما في برود اليمن ودمقس دمشق وبألوان تفوح عليها جمالاً وأناقة، لكن تبدو عليها علامات الإرهاق، وينتثر هنا وهناك على أعطافها غبار التاريخ. وعن هذه السيدة سأتحدث اليوم بوجل ورغبة ورهبة وقلق، فهي تواجه خطرين عظيمين لا يهددان وجودها، فهي عريقة صلبة التكوين، يدعّم وجودها كتاب عظيم، وجحافل بشرية هائلة، وتراث عملاق ثراء، لكنهما يهددان بنيتها وجمالها وأنا قتها: خطر يتمثل في سلوك أبنائها وبناتها الذين لا يملكون موهبة استثمار هذا الجمال وتلك الأناقة لخلق أدب جميل، فائق، ومعرفة علمية معاصرة،  وفي الصحافة ووسائل النشر الآلية التي يسمونها خطأ "وسائل التواصل الاجتماعي"، حيث يطغى الجهلة الذين يجهلون لغتهم، وفي أنظمة التعليم التي أدت إلى انحطاط مخيف في مستويات المعرفة في العالم العربي كله. والخطر الثاني يتمثل في العجز الطاغي للمجتمعات التي تتحدث بالعربية عن تحقيق أي إنجازات علمية وفكرية وأدبية تضارع الإنجازات التي تحققها البلدان التي تقود التقدم المعرفي والعلمي في العالم. ومصدر الخطر هنا هو أن هذه البلدان تنتج المعرفة والتقنية والآلات والأجهزة المتقدمة وتسميها لحظة إنجازها كل بلغتها فتتباين المصطلحات، ويقف العرب في عجزهم الحضاري موقف التاجر المشتري دائماً (والتجارة سمة العربي الأولى)، وهو يشتري الإنجاز المعرفي والتقني والآلي مع الأسماء التي لم يعلّمها الله لآدم ، وأحياناً يشتري العلماء والمبدعين في الفن وفي الرياضة مع الأسماء. وتنشأ هنا معضلة تتمثل في الاستيراد المباشر على المستوى الشعبي (المستعجل دائماً لاستهلاك المستوردات) للغة العلم والثقافة التي أنتجتها هذه البلدان المتقدمة، لأن اللغة العربية لا توفر لكل هذه المنتجات الغريبة علامات لغوية كفؤاً لتمثيلها في هذه اللغة، أي أن اللغة التي توقفت عن النمو الحضاري وإبداع المعطيات الحضارية منذ سبعمائة عام تعجز عن توفير أسماء أو علامات لغويه لم يمنحها لآدم من علَّمه أسماء الأشياء التي كان يعرفها يومها.

ويمكن أن تتم هذه العملية بإحدى طريقتين، إما أن تتمّ بطريقة عشوائية لا تفقه شيئا عن التكوين البنيوي للغة العربية في مفرداتها وفي عباراتها وفي جملها وفي نصوصها، وينشأ عن ذلك تشويه للغة وإقحام على بنيتها لمكونات مناقضة تماماً للأسس البنيوية ل تكوينها، أو أن تتم بناء على معرفة دقيقة وفهم عميق للأسس الجذرية لتكوين بنية اللغة العربية صوتياً وتركيباَ. وقد جهدت عبر حياتي العلمية في تطوير منهج يمثل الطرف الثاني من هذين الاتجاهين. وقد شرحت بعض أسس هذا النظام الذي أعمل تبعاً له في أكثر من مكان، وأود اليوم أن أتحدث عن واحد من أعظم الاكتشافات التي أتيح لي أن أقوم بها قبل عشرين عاما حين طلبت مني موسوعة اللغة العربية التي كان يعدها الناشر بريل  في هولنده أن أكتب الفصل المتعلق باللغة العربية في الشعر أو لغة الشعر في العربية. وقد بذلت جهداً كبيراً في السياق المكاني المحدد لي لأقدّم أفضل ما أستطيع تقديمه. وقد أدّت الدراسات التي قمت بها لتحقيق ذلك  إلى اكتشاف ما يبدو أمراً شكلياً بسيطاً لكنه على قدر ضخم من الأهمية: وهو أن هناك حدوداً صارمة للتكوين الوجودي للبنية الصوتية للمفردة العربية، وللعبارة والجملة والإيقاع، لا يمكن الخروج عليها إلا  بتشويه أناقة هذه اللغة وجمالها وخلخلة بنيتها إلى درجة فاحشة. واستطعت بعد  تحليلي لعشرات النماذج والإمكانيات أن أبلور عنصرين اثنين في شرط جوهري يحكم البنية الصوتية للمفردة  العربية  وللتركيب اللغوي ويمنحها هويتها، ويمنحنا القدرة على الحكم على أي مفردة نواجهها بكونها عربية أو غير عربية. ويتمثل ذلك في أمرين غريبين بحق: أولاً ليس هناك في العربية مفردات يزيد عدد المقاطع فيها على خمسة مقاطع، ثانيا وهذا هو الاكتشاف العجيب: أن الصيغة الصوتية لجميع مفردات اللغة العربية هي نفسها الصيغة الصوتية والصرفية لتفعيلات نظام العروض الذي ابتكره الخليل بن احمد. فجميع أبنية الصرف تندرج ضمن التفعيلات الثماني للعروض. والعجيب  في الأمر أن الخليل هو الذي وضع المعرفة باللغة العربية على كل صعيد  من المفردة إلى علم الصرف إلى النحو وهو الذي وضع المعرفة بإيقاع الشعر العربي. وأمثل على الوجه الأول المتعلق ب عدد المقاطع بلفظتين:  ارتجالياً، مستكبراتٌ، وهما أطول الكلمات العربية وليس هناك مفردات عربية تزيد عليهما. وحين نتأمل تركيبها بلغة التفعيلات نكتشف أن مستكبرات هي مستفعلاتن وهي  مستفعلن + مقطع طويل أو متحرك و ساكن، وهي أطول تفعيلات نظام الخيل ولا نعرف تفعيله تزيد على ذلك. أما الثانية فإنها فاعلاتنتن أي فاعلاتن + مقطع طويل أو متحرك وساكن. وحين نتأمل لغات أخرى نجد كلمات تبلغ بين 14 و  20 حرفا أو أكثر.

ومن جانب آخر اكتشفت أن الكلمة العربية لا يمكن أن تحوي أكثر من أربعة  مقا طع قصيرة متوالية أي من أربعة متحركات متوالية. وذلك أيضا من وجوه تفعيلات الخليل فلا يمكن ل تفعيلة أن تتألف من أكثر من أربعة متحركات متوالية أي ثلاثة مقاطع قصيرة ثم يرد مقطع طويل. وهذان الشرطان يحكمان بنية اللغة العربية في مفرداتها وفي تركيبها، فلا يمكن في عروض الشعر العربي أن ترد متواليات تزيد على أربعة متحركات أو مقاطع قصيرة. وبدا لي أن النتائج التي وصلتها تسوغ القول بان لدينا شرطين من شروط تكوين البنية الصوتية والصرفية في العربية.

 حين نستخدم هذا التصور في صياغة مصطلحات جديدة للتعبير عن منتجات الحضارة المعاصرة  نكون نعمل بوعي لكون اللغة تتحكم بنا ولا نتحكم بها إلا نادراً، وأن الفكر العربي تصوغه اللغة لأننا نفكر باللغة داخل هذه الشروط . ثم إن القرآن الكريم في إيقاعه تحكمه هذه الشروط مع  أنه نثر وليس شعراً. لكن يحدث  أن يخرج على هذه الشروط حين نحلله إلى تفعيلات. مثلا مطلع سورة مريم "...ذكر رحمة ربك عبده زكريا" مقطع طويل مقطع قصير فطويل فقصيران فثلاثة قصار متوالية  مت رب بكعب ثم ده زكرييا وهذا أطول توال للمتحركات وهو ما يعطي  هذ المطلع لهذه السورة تميزاً . وقد يقرأ المجوّدون للقرآن الهاء بمد الصوت لمنع توالي هذا العدد من المتحركات.

وهذه القواعد اللاواعية تشكل الأسس المعرفية التي تجلّّت من خلال أبحاث طويلة في إيقاع الشعر العربي وفي البنية الصوتية للمفردات العربية كما وصفتها في كتابي في البنية الإيقاعية للشعر العربي (1974) وفي بحثي عن لغة الشعر الذي أشرت إليه قبل قليل. وآمل أن يكون في ذلك مكون من  مكونات منهج علمي مفصّل لابتكار المصطلحات الدقيقة الكفء لمواجهة التحديات المعرفية المعاصرة على كل صعيد، بالتعبير عنها بلغة عربية تحتفظ بالكثير من جمالها وأناقتها في وجه التشويه الذي يمارسه أبناؤها وبناتها يومياً بطرق عديدة، فهمنّ يمارسونها ويمارسنها مثلاّ بالدعوة لاستخدام العامية، أو بالكتابة بلغة الصحافة وفيسبوك، والمستشرقون عامة يدرسون لغة الصحافة العربية. وما إزال أذكر بدقة أمرا ًسأختتم  به، وقد حدث بعد أن انتخبت أستاذاً لكرسي العربية في جامعة لندن عام 1992 بقليل، فقد بدأت  بتدريس مساقين  (أي مادتين) أحدهما المساق الرئيسي للغة العربية في السنة النهائية وكنت أدرّسه من خلال نصوص جميلة اخترتها من أجمل ما كتبه العرب قديما ًوحديثاً

وبعد زمن قصير جاء ني زميلي أحد الأساتذة الراسخين في الجامعة وقال لي أنا أشكرك لأنك تفعل ما تفعل فأنت تدرّس العربية من خلال بعض من أجمل نصوصها وخصوصاً النصوص القديمة. نحن لم نكن نستطيع أن نفعل ذلك لأننا كنا نستخدم كتاباً وضعه أحد زملائنا وهو يقوم على لغة الصحافة العربية أما أنت فقد جئت بشجاعة ودون تردد وغيّرت ذلك وأنا سعيد جدا بما تفعل ونحن  نلاحظ ردة فعل الطلبة الذين يقول بعضهم إنهم يشعرون بمتعة كبيرة وبأنهم يدرسون العربية بحماسة كأنهم يكتشفونها للمرة الأولى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق