في الطابق السابع من مبنى سكني قديم يطلّ على شارع ضيّق لا يعرف
الشمس إلاّ لساعات قليلة بعد الظهر، كانت الغرفة رقم 25 تحتفظ بأسرارها كما يحتفظ القبر بصاحبه، تقادم
الزمن على صفرة جدرانها الباهتة، حتى صارت كجلد شيخٍ أضناه التبغ وعاندته السنون،
كانت تحمل في طياتها رطوبةً دائمةً تتسلل إلى العظام قبل الجلد، في زاوية الغرفة
الشمالية الغربية وقف سرير حديدي صدئ عند مفاصل قوائمه، يحمل مرتبةً رفيعةً كشفت
عن نوابضها في أكثر من موضع، يوسف يجلس على حافة هذا السرير كل مساءٍ ينظر إلى
النافذة الصغيرة التي لا تفتح إلاّ بصعوبةٍ بالغة بعد أن ملأت طبقات الطلاء
المتكررة فجوات الإطار الخشبي، من خلال هذه النافذة كان يرى قطعةً من السماء
محدودةً بأسلاك التجفيف المعلقة بين المباني، و كان يرى طيوراً تمرّ سريعاً كأنها
تخاف من الوقوع في هذه الفجوة بين البنايات العالية التي تتكئ بعضها على بعض كأنها
متعبةٌ من الوقوف لعقودٍ طويلة.
لم يكن يوسف يعرف لماذا استأجر هذه الغرفة تحديداً عندما وصل
إلى هذه المدينة قبل ثلاثة أشهر، فقد كان هناك عشرات العروض الأفضل في مبانٍ أحدث
وأكثر إضاءةً، لكن شيئاً ما في هذه الغرفة شدّه إليها، ربما كانت تلك الرائحة
العجيبة التي استهلكتها الأيام حتى صارت عطرَ المكان، وأزيزِ القِدرِ الذي يخترق
الجدرانَ الواهية كأنه يهمس بأسرارٍ قديمة، ربما كانت هذه الرائحة تشبهه، تشبه حياته
التي كانت دائماً مزيجاً من أشياء لم يخترها ولم يستطع التخلص منها، كان يوسف يعمل
في مكتبةٍ صغيرةٍ في شارعٍ قريبٍ من الغرفة رقم 25، مكتبة لا يدخلها أحدٌ تقريباً
إلاّ بعض الطلبة الذين يبحثون عن كتبٍ نادرةٍ لا يجدونها في المكتبات الجامعية،
كان يقضي ساعاتٍ طويلةً جالساً خلف طاولة خشبية متصدعة أمام رفوف الكتب التي تصل
إلى السقف، ما كان يعبأ بالعناوين التي يطالعها، بل كان همه الوحيد أن تختنق
كلماتها بالفراغ الذي يَنمو في صدره يوماً بعد يوم، ليُوهم نفسه بأنّه يملأ شيئاً
لا يُملأ..
في تلك المكتبة، وفي اليوم السابع من شهر نوفمبر، دخلت
امرأةٌ لم تعهد عيناه شبهاً لها؛ لا لشيءٍ في محياها يُذكَر بالجمال المألوف، بل
لأنها بدت وكأن الزمان قد نسيها في ركنٍ بعيد، فجاءت تَسحَب خلفها ظلَ عصرٍ غابر،
ترتدي معطفاً بنياً طويلاً يصل إلى كاحليها، وتحمل حقيبةً جلديةً صغيرةً متآكلةً،
راحت عيناها تتفحصان كل زاوية في المكتبة، كأنهما تبحثان عن شيء غائب عن الرفوف،
وعندما اقتربت من يوسف سألته عن كتاب "الجغرافيا المفقودة للمدن"، أدرك
يوسف سريعا أن وطأة ذلك الصوت ليست وطأة إرهاق جسدي اعتاد عليه، بل هو تعب خفي لا
يُشفى براحةٍ ولا يزول بنوم، ذلك الذي تتسرب نبرته إلى الكلمات قبل أن تخرج، ذلك
التعب الذي يأتي من معرفةٍ عميقةٍ بعبثية البحث نفسه، وعندما أخبرها أن الكتاب غير
موجود في المكتبة، لم تبدِ خيبةً، بل ابتسمت ابتسامةً خافتةً كأنها كانت تتوقع
ذلك، وقالت له بصوتٍ يشبه همس الرياح في الممرات الطويلة: "كل الكتب المهمة
مفقودة دائماً، هذا هو قانون الكون"
بعد ذلك اللقاء الأول، بدأت المرأة التي عرّفت عن نفسها باسم
"ليلى" تزور المكتبة يومياً، لا لتبحث عن كتبٍ جديدةٍ بل لتجلس في
الزاوية البعيدة حيث كرسيٌ خشبيٌ متهالك تحت نافذةٍ لا تدخل منها الشمس أبداً، كانت
تجلس وتقرأ كتب عشوائية تختارها من الرفوف دون تفكير، في بعض الأحيان كانت تنظر
إلى يوسف بنظراتٍ طويلة كأنها تحاول قراءة شيءٍ مكتوبٍ على وجهه بلغةٍ نسيتها،
وكان يوسف يشعر بعدم الراحة تحت هذه النظرات لكنه كان يشعر في الوقت نفسه بشيءٍ يشبه
الارتياح، فقد كان يعتاد على عدم الاهتمام، على كونه جزءاً من ديكور المكان
كالرفوف والكتب القديمة، وإذا كان هناك من ينظر إليه فهذا يعني أنه لا يزال
موجوداً، لم يصبح شبحاً بعد.
في ليلةٍ ديسمبريةٍ متأخرة، و عند الساعة الثالثة
صباحاً، كان يوسف في غرفته المتهالكة يقرأ تشققاتِ السقف كأنها خريطةُ عالمٍ لم
تطأه قدمٌ، إذ بثلاثِ طرقاتٍ هادئةٍ تخلع صمتَ المكان، أدار
يوسف مقبض الباب، وجد ليلى هناك، في ردهةٍ شبه مظلمة، ترتدي المعطف البني عينه،
وتحمل الحقيبة الجلدية التي لا تفارقها، كأن قدومها كان مجرد استكمالٍ لحضورٍ لم
ينقطع حقاً..، لم تطلب الدخول بل دخلت
ببطءٍ كأنها تدخل غرفةً في حلمٍ قديم، جلست على حافة السرير الحديدي الصدئ... نظرت
إلى النافذة الصغيرة وقالت: "أعرف هذه الغرفة، كنت أعرفها قبل أن
أدخلها"، لم يفهم يوسف ما تعنيه لكنه لم يسأل، فقد كان يعرف أن بعض الأشياء
لا يجب أن تُسأل، و أن بعض الحقائق تفقد قيمتها عندما تُلفظ، جلس بجانبها على
السرير حتى شعرا معاً بالبرودة التي تتسلل من الجدران، ظلا صامتين زمنا لا يقطعه
سوى صوت التدفئة المركزية التي تعمل بصعوبةٍ وتصدر أصواتاً تشبه أنيناً.
بدأت ليلى تزور الغرفة رقم 25 بانتظامٍ، لكنها كانت ترفض أن
تبقى حتى الصباح، كانت تغادر دائماً قبل الفجر بقليلٍ دون أن تشرح لماذا، ولم يسأل
يوسف، فقد كان يعرف أن كل إنسانٍ لديه أسبابه الخاصة للاختفاء قبل أن يبدأ النهار،
و ذات ليلة، وبينما احتضنت الأرضُ جسديْهما بعد أن ضيّق السريرُ عليهما، أطلقت
ليلى سؤالها كخيطٍ رفيعٍ يمتد إلى ماضيه البعيد: كيف كانت حياتك قبل أن يُلقي بك
القدرُ هنا؟، أخبرها أنه لا يتذكر شيئاً و أن ذاكرته كانت دائماً مثل غرفته،
مليئةً بأشياء لا يعرف مصدرها ولا يستطيع التخلص منها، أخبرته هي أنها قد جاءت إلى
هذه المدينة قبل عشر سنواتٍ بحثاً عن رجلٍ كانت تحبه، ورجلٌ آخر كانت تكرهه، لكنها
لم تجد أيّاً منهما، فقررت البقاء بعد أن اكتشفت أن البحث نفسه قد أصبح هو الحياة،
وأن إيجاد ما تبحث عنه قد يعني نهاية كل شيء.
بعد أن امتدت ليالٌ طويلةٌ من الحديث عن الكتب المفقودة والمدن
التي تختفي من الخرائط والأشخاص الذين يصبحون شبحاً دون أن يموتوا، دخلت ليلى
الغرفة في ليلةٍ عاصفةٍ كانت فيها الرياح تهزّ المبنى القديم كأنها تحاول إسقاطه،
كانت تحمل معها حقيبةً أكبر من المعتاد، وعندما فتحتها أخرجت كتاباً قديماً بغلافٍ
أخضر متآكلٍ وقالت له: "هذا هو الكتاب الذي كنت أبحث عنه في المكتبة، لم أجدْه
هناك لأنه كان معي طوال الوقت"، وعندما سألها يوسف عن عنوان الكتاب، نظرت
إليه بنظراتٍ طويلةٍ تلك التي اعتادها وقالت: "الكتاب لا يحمل عنواناً،
الأشياء المهمة لا تحتاج إلى عناوين"، وتركته عنده وغادرت، ولم تعد بعد ذلك..
مضت أسابيعٌ وشهورٌ ولم تظهر ليلى
مرةً أخرى، ولم يغادر يوسف الغرفة إلاّ للعمل في المكتبة، في إحدى الليالي وبينما
كان يفتح الكتاب الأخضر الذي تركته، وجد أن صفحاته جميعها فارغةً، بيضاءً نقيةً
كالثلج، لم يجد في نفسه ذلك الشعور المتوقع بالخيبة، بل حلَّ مكانه شيءٌ أعمق،
أشبه بوميضِ فهمٍ باردٍ، كأن السؤال وجد جوابه دون أن يسأله، و الفراغ نفسه كان هو
الرسالة، وأن الكتاب الذي لا يحمل كلماتٍ هو الكتاب الوحيد الذي يمكن أن يشرح
حياةً بنيت كلها على غياب الأشياء، في تلك الليلة، مدَّ يده نحو النافذة الصغيرة التي
ظلَّت موصدةً منذ آخر يومٍ جاءت فيه، يحاول أن يُحرِّك زجاجها العالق كأنما يُحرِّك
باباً على ذاكرةٍ لم تُفتح منذ زمن..،
وجد أنها تفتح الآن بسهولةٍ، دخلت رياحٌ باردةٌ تحمل معها رائحةَ مطرِ قادمِ من
مكانٍ بعيدٍ، نظر إلى السماء المحدودة بين الأسلاك والبنايات وشعر لأول مرةٍ بأن
هذه القطعة من السماء كافيةٌ، و أن الضوء القليل كافٍ، و أن الغرفة التي كانت
سجناً قد أصبحت مكاناً يمكن أن يعيش فيه الإنسان دون أن يموت كل يومٍ قليلاً.
في صباحٍ شتائي بارد، وبينما كان يوسف يجلس في المكتبة ينظر إلى الزاوية الفارغة حيث كانت تجلس ليلى، دخل رجلٌ عجوزٌ يرتدي نفس المعطف البني الذي كانت ترتديه ليلى، وسأل عن كتابٍ "الجغرافيا المفقودة للمدن"، نظر إليه يوسف بنفس النظرات الطويلة التي كانت تنظر بها ليلى، وقال له: "الكتاب غير موجود هنا، لكنه موجود في مكانٍ آخر"، ارتسمت على محيّا العجوز ابتسامةٌ ينوء بها حزنٌ قديم، ثم تمتم: "كلُّ كتابٍ مهمّ محكومٌ بالغياب"، ثم غادر...، ظل يوسف جالساً ينظر إلى الباب المغلق، يعرف أنه سيُفتح مرةً أخرى، وأن الغرفة ستبقى هناك في الطابق السابع تنتظر من يملأ فراغها، وأن الحياة ليست سوى سلسلةٍ من الغرف التي ندخلها دون أن نعرف لماذا، ونخرج منها دون أن نعرف متى، ونترك فيها أشياءً لا نستطيع استرجاعها، نأخذ منها أشياءً لا نعرف أننا نحتاجها حتى نكتشف بعد سنواتٍ أنها كانت كل ما كان لدينا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق