اِلْتَقِطْ ما تَبعثَرَ مِنّي
إلى حيث أجنحتي وغَدِي أيّها الذئبُ
أعْرِفُ أنّ الطّرِيقَ إلى النُّورِ نارٌ
وأنَّ الخُطُوط امّحتْ
قال:
-مُتْ
قلتُ:
-متُّ إلى أن حييتُ
وسالَ لُعابُ المُصَوّرِ من عدْسَةِ الكامِرا
«كان فظًّا ويعوي كأنّي به سَرْبَرُوسْ
ذُو الرُّؤوس الثلاثة»
-هل جئتَ وحدَك؟
-معِي ابْنُ عرُوسْ
ودِيُوجِينْ
ويُوغرْطَةُ بنُ غذاهم
وعمّا قريب يجيءُ الخُطافُ الذي جاء قبْل الربيع وَ...
قاطَعَنِي:
-لنْ تمرّ إلى الغدِ
إلاّ إذا جئتَ صُحبةَ شَعْبكْ
تلفتُّ بحثًا عن الشعبِ
«شَعْبِي غرِيقانِ في واحِدٍ
وهْوَ لاَ يَعْلَمانِ
غَرِيقُ الحَرَائِقِ
يَرْثِي غَرِيقَ الزْوارِقِ
فيما البلادُ بِلادَانِ»
-مَنْ أنْتَ؟
-مُونَادَةٌ هُرِّبَتْ من حدائقِ لِيبْنِيتْزَ
إِنْ قُطِفَتْ قَبْلَ مَوْعِدِهَا
خمجتْ في المكانِ
وإِنْ تُرِكَتْ بَعْدَ مَوْعِدِهَا
خمجتْ في الزَّمَان
وأنتَ؟
-أنا عاشِقُ الغَدِ
-يا عاشِقَ الغَدِ مهْلاً
أنا الآن ظمآن جوعانُ
أحْمِلُ ظهرًا تَكَسَّرَ
عينايَ لَيْلٌ وبيتِي البَعيدُ
سَبَقْتُ إلى الغَدِ شَعْبًا عظيمًا
يُكابِدُ حلْمًا تأخَّر
لكنَّهُ قَابَ قَوْسَيْنِ منْ نَفْسِهِ
يتَعَلَّمُ كيفَ يُرِيدُ كما ينْبَغِي أن يُريدَ
وعمّا قريبٍ يجيءُ لِيَظهَرَ
دَعْنِي أمرُّ «وعُدتُ إلى الباب
أطْرُقُهُ بضلوع القصيدة»
-مهْلاً هُنا لا طَريقَ إلى الغَدِ
إلَّا لِمَنْ يسْتَطِيعُ عُبُورَ الجَحيمْ
قلْتُ:
-لكنَّنِي عشْتُ أعْبُرُهُ وأعاوِدُ منذُ
القَديم
ولولا الحياءُ
لقلْتُ الجحيمُ صديقُ بلادِي الحميمْ
قالَ:
-هاجِرْ إذَنْ
قُلتُ:
-منها إليها
وها أنا ملتبسٌ بالزمان وملتبسٌ بالمكان
جهاتي مُعذّبَةٌ مثل قوس الكمانِ وظِلّيَ جَعْدْ
عاثِرٌ مُزْمِنٌ ودليلٌ على عثراتِي
جميلٌ بفاجعتي في حياتي
ضليلٌ بذاتِي ومتّخِذٌ من ضَلالِيَ نجمةَ سَعْدْ
هاربٌ بِربيعِي الوثيرِ
على كتِفيَّ سماءُ الطفولةِ
مختبئٌ في هزيعي الأخيرِ
كأنّي بِعيْنِيَ برْقٌ كأنّي بصَوْتِيَ رَعْد
صاعِدٌ هابطٌ من هويّي إلى غيرها
هابطٌ صاعدٌ من هويّي
شظاياي أكثر منّي وقُرْبِيَ بُعدْ
لاعِبٌ بتفاصيلِ أسئلتي
لاعبٌ بتضاريس خارِطتي
لاعبٌ ومغنٍّ
وأبهى مَواعِيدِ أغنيتي أنّها دون وعد
*
أُحاوِلُ أنْ أتَشكّلَ في عالَمٍ يتفكَّكُ:
حُلْمٌ يَدُورُ على ذَيْلِه وذيولٌ
تدور على حُلْمِنا
قادةٌ يلْعَبُونَ بِبَيْضَاتِهِمْ
بينما جَيْشُ رُومَا وسَادَةُ قرْطاجَ
يَسْتَنْبِحُونَ على حَنّبَعلٍ كِلابَ القُرَى
خصَلاتُ دُخانٍ مُمَشَّطةٌ بعواطِفَ
يَصْعَدُ منْ فَحْمِها الماءُ
كاميرَمانٌ يُعلِّمُنا كيف نضحكُ
كي نُخْفِيَ الموت إن كان لاَ بُدَّ مِنْ أن نَمُوتَ
أُحَاوِلُ أنْ أتَمَاسَكَ في عالَمٍ يَتَهَالَكُ:
حمْلٌ ولا أرْضَ تَحْملُ
أرْضٌ ولا شَعْبَ يعْمَلُ
شعبٌ يُشيِّعُه قاتِلُوهُ فيرضَى ولا يخجلونَ
عِبادٌ على وشَكٍ في بلادٍ مُؤجَّلةٍ
تتَفَلَّى على حافة الكون
لا هي بادَتْ كما ينبغي أن تَبِيدَ
ولا هي كانت كما ينبغِي أن تكونَ
*
يَحُومُ خُطافٌ على ما تبخّر من دمِنا
ويسيل مناقير حمراءَ
ينبحُ كلْبٌ على بهرة الشرّ
في العتمات
تلوحُ هنا وهناك قواربُ حرّاقةٍ
يسألون السواحلَ عمّا تغَيّرَ
يهوي الخطافُ على كبّة الكهرباء
ويعلو الهتافُ فيجفل
أمسح دمع ابنتي وأُطمْئنُها لا تخافي
قريبًا يجيء الربيع «ولكنّه
قد تأخّر»
أُسمّي ديوجينَ يوغرطةَ ابْنَ غَذَاهُمْ
وآخذ من زيتِ مصباحِهِ قطراتٍ
لأدْهَنَ رأسَ الخُطافِ متَى خفْتُ أنْ يُغْدَرَا
لا أرى شاطئًا
لا أرى شاطئًا واضحًا
غير أنّي أُصِرُّ على عدَمِ المَوْت
أدْعُو القصيدةَ قابلةً للشواطِئ ثمّ أغنّي:
أريدُ بلادًا جديدةْ
أريد بلادًا جديدةْ
ولكنّني لم أكُنْ بَيْنَ فكَّيْ رَحًى
لم أكُنْ في قَرَارَةِ طاحُونَةٍ أو زِحَامْ
كُنْتُ في فمِ ذئْبٍ عجوزٍ
تلَمّظَ واتّضحتْ بْهْرةٌ في الظَّلامْ
فرأيتُ: حياتي
وأرحبُ تاريخها المستحيلُ
وأقربُ جغرافياها البعيدةْ
*
غَرِيبًا ومستوحشًا بين فكَّيْنِ
أبْحثُ لي
عن طريق وعنْ صاحِبٍ
«أينَ راح الحكيمُ السّلُوقيُّ؟»
يدْهَمُ قلبي ديوجينُ في فلّةٍ بين نابَيْنِ
يستوقف الغافِلين ويَنْبَحُ
يُحْرِقُ بِرْمِيلَهُ الخشبيَّ وينبحُ ينبحُ
يصنع من جهةِ الشمس مطرقةً
ويُحَطِّمُ مصباحَه ثمّ ينبحُ ينبح ينبح
هبْ هبْ هَببْ هوْ هَوَوْوو هوّْ هَـ
-ما بِكَ؟
-بِي ما تَرَى
أنا أنْبَحُ في قَلْبِ هذي المَدينةِ
لا أتذَكَّرُ منذُ مَتَى
كُلَّمَا قلتُ طالَ بِكِ النّوْمُ
طال بِكِ النّومُ فاسْتيقِظِي
انٌفَلَقَتْ
مثْلَ ضفْدَعةٍ من قُرَى
*
-ابْنُ مَنْ أنتَ؟
قلت:
-أُحَاوِلُ أَلاَّ أكونَ ابن يُتمٍ قديم
سَجِين دَمٍ
أو أَسِير بَلَدْ
«غَيْرَ أَنّي سَجِينُ دَمٍ وأسِيرُ بَلَدْ»
وأنا ابْنُ الجَميع
ابْنُ كُلِّ الذينَ يجيئونَ قَبْلِي
لِيَبْنُوا جِدارًا
من الملْح بينِي وبيْنَ غَدِي
ابْنُ أخْطَاءِ أَسْلافِيَ الفادَحَةْ
وهي تلْعَقُ ضوْءَ حرائِقِها في يدِي
ابنُ أشياءَ «كالموْتِ» تمْشِي على جسَدِي
في برَاءةِ رِقّتِها الجارِحَةْ
ابنُ مُسْتَقْبَلٍ هَرِمَتْ رُوحُهُ
كُلَّمَا قُلْتُ «يا أُفُقِي» شَقَّنِي
واستَدارَ على عُنُقِي مثْلَ حبْلٍ
لِيشنُقَنِي منْ رُموشِي على قَمَرِ البارِحَةْ
*
البِلاَدُ التي لا تُقَبِّلُ نَمْلَتَهَا الكَادِحَةْ
حِينَ تَعْبُرُ
ليست بلادِي
البِلاَدُ التي لا تُعَلِّمُ رَمْلتها المالِحَةْ
كيف تُزْهِرُ
ليست بلادِي
البلادُ التي لا تُعَلِّمُهَا مِحَنُ البارِحَةْ
أن تُعَوِّضَ عَنْ قَدَرٍ بِمَصِيرْ
كيْ تَمُدَّ الجُذُورَ بِأجْنِحَةٍ فَتَطِيرْ
وتَحُطّ بأحْلاَمَهَا حيثُ تكْبُرُ
ليست بلادِي
البلادُ التي لا تَبُوسُ يدًا تُبْدِعُ الدّرْبَ
ليست بلادِي
البِلاَدُ التي يَدَّعُونَ حَدَائِقَهَا
وَهْيَ مِنْ عَرَقِي فتُصدِّقُ
ليست بلادِي
البلادُ التي يُشْعِلُونَ حَرَائِقَهَا
بِدَمِي فتُصَفِّقُ
ليست بِلادِي
البلادُ التي يَرْخُصُ الشُّعَرَاءُ على بَعْضِهَا
فتُوَدِّعُهُمْ قَبْلَ أن تُبْصرَ الفَجْرَ
ليست بِلادِي
البلادُ التِي يَرْخُصُ الشُّهَدَاءُ على أرْضِها
فتُشَيِّعُهمْ دُونَ أنْ تَطْلُبَ الثَّأْرَ
ليست بلادِي
البلادُ التي لا تُربِّي أَساطيرَ أَكْبَرَ مِنْ أمْسِهَا
وتُنادِي ولا تَسْتَجِيبُ لِصَوْتِ المُنادِي
إذَا حاربتْهُ الطّواحِينُ
فاخْتارَ أنْ ينطَحَ الصَّخْرَ أو يَحْرثَ البَحْرَ
لَيْسَتْ بِلادِي
البِلادُ التي لا تُناوِلُنِي حَلْمَتَيْهَا
لِأَكْبُرَ فِيها
ولا تَسْتَحِي مِنْ رَمادِ سُلالتِهَا
لتَمُدَّ يَديْهَا إلى جَمْرَتِي العالِيَةْ
البِلادُ التي لا تُعَلّمُ سِيقانَهَا الحافِيَةْ
أنْ تَكُونَ السَمَاءُ حِذاءً لَهَا
أو تَكونَ المَجرَّةُ خَلْخَالَهَا
أو تكُونَ البَوادِي
سُدّةً يَحْمِلُ الوَقْتُ جُغْرافِياهُ
على نُوقِهَا التائِهَةْ
كَيْ تَرَى نَمْلَهَا وهْوَ يَصْعَدُ صَارِيَةَ الآلِهَةْ
نازِعًا جِلْدَةَ الثَوْرِ
لَيْسَتْ بِلادِي
البِلادُ التي لا تَضِيقُ بهمْ
وتَرَاهُم فلا تتَشَظَّى قُبُورًا لَهُمْ
وترانِي أموتُ بهمْ مِنْ جميعِ الجِهاتِ
ولا تتَحَرّكُ
ليْسَتْ بلادي
البِلادُ التي شَعْبُها شَجَرٌ لا يَقُولُ
ونَايٌ على الرُفِّ
لا تتكَلَّمُ فيهِ الحُقُولُ
وقيثارَةٌ كُلَّما دَغْدَغَتْهَا الأنَامِل
مِنْ طَرَبٍ غَادَرَتْهَا العُقُولُ
وصَيْفٌ يُنَادِي فلا
تَسْتجيبُ الفُصُولُ
وكَفٌّ تَمُوتُ على حَافَةِ النَّهْدِ
قبْلَ الوُصُولِ إلى النَّهْدِ
ليْسَتْ بِلادِي
البلادُ التي لا تُبادِلُنِي الحُبَّ
ليست بلادِي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق